حق الجنسية

براءة نعيم

لم تكن تدري حين لفظتها الأقدار إلى الأرض أن هناك معاناة حقيقية تنتظرها بل وسترافقها في طفولتها وشبابها وحتى إلى ما تبقى من مستقبلها.
ما كانت لتعلم وكيف لها أن تعلم؟ وهي الكائن البشري الجديد الذي ولد ليس بإرادته، أن تلك الأرض التي استقبلتها لن تمنحها هوية لها حيث أرادها الله روحاً وجسداً على الأرض وابنة وحيدة لأب لبناني وأم سورية على أرض أردنية…
والداها منحاها الحب والعاطفة واسماً استمداه من القدر الذي جعل من ابنتهما تجمع بين أكثر من وطن…
عروبة.. ذلك الاسم الذي لم يستطع أن يذلل العقبات والصعوبات التي وقفت في وجه صاحبته بالرغم من كل ما أحيطت به من حب وعاطفة من والديها، لكن كل ذلك لم يكن كافياً ليكون الشخصية الحقيقية لها، ولتعبر به عن مدى انتمائها للوطن الواحد والذي ظنت أنه سيمنحها هوية صريحة تمثلها في الوجود وفي الواقع.
ذلك الاسم كان كافياً لتتفاخر به لسنين طويلة، لكنه ما عاد ينفعها بعد أن نالت الشهادة الثانوية وبتفوق، وحين أحبت أن تكمل دراستها لم تستطع ولم تسعفها عروبتها، بل اعتبرت نكرة… فلا الجامعات الأردنية استقبلتها ولا المحاكم الشرعية في لبنان ساعدتها لتحصل على هوية لبنانية مثل أبيها.
لم تفلح كل المحاولات طوال السنين المنصرمة أن تكسبها هويتها، والمشكلة أن والديها تأخرا جداً في تسجيل زواجهما بشكل قانوني فقد (اعتمدا كتاب المشايخ) في سوريا ثم غادرا إلى الأردن وهناك ولدت عروبة... ومنذ ذلك الوقت والمحاولات لم تتوقف ولم تهدأ من أجل تثبيت الزواج ومن ثم تسجيل الابنة، وكم تكبدوا عناء السفر وتكاليفه الباهظة بالنسبة لهم إلى أن تم تثبيت الزواج في سوريا، لكن الفتاة لم تسجل في أي بلد تنتمي بدمائها إليه وأمها السورية مازالت محرومة من حقها في منح جنسيتها لابنتها وهي التي منحتها دمها وروحها وسهر الليالي وعاطفتها التي هي أسمى ما في الوجود.
قصة عروبة مؤلمة وإن كان اسمها قد منحها اعتداداً بالنفس، فهي عربية وتنتمي إلى الأرض العربية إلى بحارها وجبالها وسهولها… وهي عروبة وقد ظنت أنها ليست بحاجة إلى هوية تذكرها بحدود وتقسيمات وضعها الغزاة الطامعون.. لم تنتبه يوماً إلى الهموم التي رافقت والديها طوال السنين الماضية وما عانياه من جراء شعورهما بالظلم لابنتهما… الظلم المطلق والذي كانا سبباً به في أحد جوانبه، وخصوصاً بعد حاجتها الملحة في إكمال تعليمها وتحقيق حلمها في دراسة هندسة الكمبيوتر.
تلك القصة تجعلنا مقتنعين أكثر وأكثر بضرورة منح المرأة السورية أو بالأصح الأم السورية جنسيتها لأولادها ولم لا؟ أليست الأمهات هن الأرض..هن الانتماء.. بل هن نمو خلايا أجسادنا واكتمالها داخل أرحامهن أليست الأم مدرستنا الأساسية التي تعلمنا منها حب الأوطان؟ فكيف تكون مدرستنا ولا ننتمي إليها؟
إنه حق وواجب علينا أن نمنحها هذا الحق الذي وهبته الطبيعة لها من قبلنا كما أراد الله…
نحن لا نريد حلولاً جزئية كما فعلت بعض الدول العربية مثل السعودية والكويت، بل نريد الإسراع في البت في هذا الموضوع وكما يمليه الضمير الإنساني والطبيعة والحاجة الملحة للكثيرين من أبنائنا والحؤول دون ضياع حقهم في انتمائهم إلى دم أمهاتم وبالتالي انتمائهم إلى أوطانهم.
السويداء 

نون النسوة- عدد آذار 2005


رابطة النساء السوريات
0
0
0
s2smodern