في ضيافة سليمان العيسى: أؤمن بالمساواة بين الرجل والمرأة رغم اختلاف ميادين أعمالهما

تقييم المستخدم:  / 0
سيئجيد 

منذ ما يقارب أربعين عاماً كنتُ في حضرة الشِعر.. دخلتُ إلى عالم سليمان العيسى.. وكم كنت متهيباً.. وما زلت.. في ذلك الحين حاولتُ أنا الشاب الذي ساقته مصادفة لا علاقة لها بالأدب والشعر إلى دخول جنة سليمان العيسى، حاولت اكتشاف سِرّ عظمة هذا الرجل.. فلم أفلحْ. هل هو التواضع.. أم الصفاء.. هل يكمن السرّ في بساطته.. أم هو ذلك التحدي الذي أعلنه ضد يأس تسرب إلى نفوسنا يوم اضمحل الحلم في خمسة أيام؟

سليمان العيسى وملكة أبيضهل قلتُ جنة؟ ربما هي أحلى من الجنة، هل قلتُ سِرّ؟ بل هو لغز، أتعتقدون أني أبالغ؟ إليكم بعض ذكريات، حفرتها بعناد في ذاكرتي، وخوفاً من ضياع الذاكرة كما حصل ويحصل مع الكثيرين، همستُ بها إلى تلك الشجيرات التي كانت تحيط بحنو نادر حديقة قبو سليمان العيسى في دمشق.. لَقنتُها إلى كل العصافير التي كانت تتقرب من تلك الجنة، فتطلق سيمفونياتها في عصريات صيفية حول نوافذ القبو المتواضع.
إنها جنة.. فعندما يَترفَّع سليمان العيسى عن المناصب.. والعطايا.. ودخول الأبواب المحروسة، ويسرع ماشياً إلى قبوه في شمس تموز الحارقة.. واضعاً صحيفته فوق رأسه، فهل من يشكك بأنه كان مسرعاً إلى جنة؟
وعندما لا تستهوي سليمان العيسى أضواء الشهرة.. ودعوات محترفي المناصب.. وأسياد الموائد، ويستعجل العودة إلى القبو ليستمع إلى تقاسيم شبابة.. وصوت فيروز: "يا رعيان الجبال إذا طلعتوا عالجبال قولوا لحبيبي عادت أيام الهوى"فهل منكم من يشكك بأنه كان مستعجلاً للوصول إلى الجنة؟
وإذا علمتم بأن سليمان العيسى وضع سيناريو طريف لإنهاء مقابلة هامة كي يطير إلى قبوه لأن صغيرته
" بادية"جمعتْ لمة من رفيقاتها ليتعرفوا إليه، فهل من يشكك بأنه كان يطير إلى الجنة؟
أقدّم إليكم أيها القراء الأعزاء لمحة عن ساكني جنة سليمان العيسى:
زوجة وفية.. نذرتْ نفسها للعلم والمعرفة والبحث العلمي، لكنها رسمتْ نفسها قبل ذلك راعية.. وموجهة لأطفالها.. وناطورة لهمومهم.. ونجاحاتهم، وشريكة فاعلة في كل ما أنجزه سيد الجنة الصغيرة، إنها الدكتورة ملكة أبيض.
معن.. غيلان.. بادية، فرح الشاعر ورفيقة دربه.. كلمتهم الساحرة.. لحنهم الخالد.. ثلاثة أولاد درسوا.. ولعبوا.. وغنوا في جنتهم، وطافوا بعد ذلك في أصقاع الأرض، وفي قلوبهم.. وعقولهم ما تزال ماثلة إنسانية سليمان العيسى.. وإيثارية ملكة ابيض.. والصور الحلوة.. والكلمات الحلوة و" يا رعيان الجبال ".
وجدته.. وجدت ذلك السرّ.. عذراً يا سيد القوافي، وجدته بعد أربعين عاماً، إنها الإنسانية.. سليمان العيسى الإنسان، هذا هو السرّ.. فتحية لك يا سليمان العيسى الإنسان.. وشكراً لكم يا ساكني جنته إذ سمحتم لي أن أتشرف.. وأتباهى بذكريات كنتم أجمل ما فيها.
بشار المنيّر


في بيت الشاعر سليمان العيسى: أنا خلية في جسد عربي، تبحث عن ملايين الخلايا من أخواتها

حين تدخل منزل الشاعر سليمان العيسى فأنت في حضرة الجمال.. والحب.. والدفء.
وجدناه بانتظارنا، وبهدوئه المعتاد رحب بنا، على طاولته تناثرت كتباً منوعة من عيون الأدب والشعر العربي والعالمي.
على طاولته تلك، كان لنا هذا الحوار:
هناك أصوات تتحدث عن موت الشعر، ما هو رأيك في الشعر في أيامنا هذه؟
لقد أجبت عن هذا السؤال في كتاب صدر لي حديثاً، وسوف أقرأ لكم قصيدة بعنوان “الشعر العالمي”، وهي قصيدة أبين فيها رأيي في الشعر والقصيدة:
 بضربة ريشة على وتر
بقافية تطوي الزمن عصماء ناظرة من شعرنا الجاهلي
 قرأتها مرة محفورة على صخرة في أعماق اليمن
مازالت ترن في سمع الدهر وسمعي منذ نيف وألفي سنة
ببيت حكمة أو غزل سجله أبو تمام يوماً
 في مفكرته الخالدة الحماسة
 أو صديقنا الحميم بودلير في زهرة من أزهار الشر
 ينفض الشعر كله جناحيه ويعود إلى الحياة
 بعد أن كادت تطويه إلى الأبد عجلات أسرع قاطرة أبدعتها حضارة العجلات الحديثة.

هذا رأيي في الشعر مختصراً موجزاً وأقول أيضاً إنه مادام الإنسان يملك قلباً وشعوراً وعاطفة فسوف يظل الشعر باقياً إلى الأبد، فالشعر ليس كلاماً موزوناً، وإنما هو قبل كل شيء لغة القلب والشعور والإحساس، ومادام الناس يحسون ويملكون قلوباً ترتعش سيظل الشعر حياً أبداً، والشعر هذا الكائن الغريب المجهول الذي مازال يشدنا إلى أسراره وكنوزه، الشعر مازال يتحرك ويحرك بالرغم من حروب الآلة وطغيان الأسلاك الميتة على الشرايين والأوردة، التي تنبض بالحياة في عالمنا المضئ المظلم في آن. أما نحن العرب فسوف نظل من عشاقه ورفاقه وأصحابه وأحبابه، وهو سيظل من عشاقنا ورفاقنا، نحاول أن نعطيه دماً جديداً ويعطينا دماً جديداً كل يوم، لقد كان ديوان العرب، وسيظل ديوان العرب النابض بالحركة والحياة إلى ما شاء الله.
وسوف أختم رأيي في الشعر بأبيات شعر كتبتها يوماً في أحد دواويني تحت عنوان “رحيل الشعر” أقول فيها:
ويقال أنك قد أفلت
 وصار وجه الأرض قفرا
لِم تسلب الشمس الشعاع إذاً
 يضوع الورد عطرا
لِم في خيوط الفجر توقظني عصافير الصباح تقول شعرا
لِم تحمل الزهر الجميل لمن تحب وتترك اللحظات سكرى
لِم تشتهي كل الصبايا أن تزفّ لهن شطرا
لِم نملأ الأوتار منك ونرشف الكلمات سحرا
ستموت أشياء الجمال إذا رحلت ونستحيل دمى وصخرا.
هذا هو ردي على سؤالك حول الشعر.

ـ لقد عُرفَ عنك أنك محب للسفر والتنقل بين المدن ما هي علاقة الشاعر سليمان العيسى بالمدن التي زارها أو أقام بها؟
ـ سوف أوسع سؤالك قليلاً، أنا أتصل دائماً بالمكان لأن المكان أوسع من كلمة مدينة وما حللت بمكان إلا وحاولت أن أسجل فيه شيئاً وأقول فيه شيئاً، كل الأماكن سواء المدن أو القرى أو المناطق الطبيعية من جبال وبحار، وقد سافرت كثيراً وإنني أحب السفر سافرت في القارات الأربعة، وفي كل هذه الأسفار كان لي ذكريات ووقفات وقصائد وكتابات  نثر وشعر، وأنا لا أميز كثيراً بين الشعر والنثر أكتب حسب ما يخطر لي، فإذا خطرت لي الخاطرة أكتبها نثراً أو شعراً، لذلك ارتباطي بالمكان كان ارتباطاً طبيعياً لدرجة أن المكان يصبح جزءاً مني، وأصبح أنا جزءاً منه أي أنه لافرق بيننا، وعندما أكتب عن دمشق مثلاً (أنا ودمشق) وهو ديوان صغير يُظهر أن كل ماقلته في دمشق كأن دمشق أنا وأنا دمشق، أي أن المكان جزء مني وأنا جزء منه، وجمعت في ديوان مستقل كل الأماكن التي زرتها في زماني، أ سميته (من رحلة الظمأ) أي من رحلة الشعر، وكان لي ديوان كبير يبلغ 400 صفحة، تعمدت فيه ذكلرالأماكن التي زرتها مثلاً زرت نبع الفوار بالقرب من مرمريتا ذلك المكان الجميل.. الساحر، وكتبت فيه قصيدتين، والقصيدتان سجلتا في رزنامة أصدرها أهل قرية نبع الفوار، وأخاطب النبع كأني جزء منه، وأيضاً نهر بردى في دمشق لي فيه قصائد كثيرة، ومدينة حلب وقلعتها والأماكن التي عشت فيها، وإني لم أمر في حياتي بمكان في بغداد والجزائر وتونس ومصر وفي كل مكان زرته في الوطن العربي الكبير، إلاّ ولي فيه أثر وأكثر من قصيدة، لي شبه ديوان في الكثير من الأماكن التي زرتها، فأنا والمكان شيء واحد.

لدينا سؤال قد يكون متوقعاً بالنسبة إليك، وهي ماعلاقة سليمان العيسى بالمرأة بشكل عام، وعلاقتك بالدكتورة ملكة زوجتك الكريمة، وتأثيرها على إنتاجك الشعري؟
ـ هذا السؤال يمكن الإجابة عنه أيضاً في كتاب صغير كتبته خلاصة عن حياتي، وكتبت الدكتورة ملكة زوجتي خلاصة عن حياتها بخمسين صفحة، المرأة بالنسبة لي هي والرجل ليست ملاكاً ولاشيطاناً كما يزعمون، المرأة نصف كتاب الحياة، هي مع الرجل دائماً، هي رفيقة وشريكة كفاح، ورفيقة طريق، ومناضلة وأم وأخت وحبيبة، هي نصف كتاب الحياة تماماً، ومرة كتبت عن المرأة في شعري، ومن المعروف أني شاعر القومية والوطنية، وقصائدي عن الثورة والكفاح، سألوني مرة ألم تكتب شيئاً عن المرأة؟، قلت والله لا أدري، لكن هناك طالبة من كلية الآداب في دمشق بحثت في المرأة في شعر سليمان العيسى وناقشتها كرسالة دكتوراه، وقالت لي إن أكثر من ثلاثين بالمئة من قصائدك هي للمرأة، وبعد ذلك جمعت كل ماكتبت عن المرأة وطبعته في ديوان (المرأة في شعري)، وهو طبع في المجمع الثقافي في أبو ظبي، وأنا أؤمن بالمساواة بين الرجل والمرأة رغم اختلاف ميادين أعمالهما.
أما بالنسبة لزوجتي (الدكتورة ملكة) فهي رفيقة درب وكفاح وحياة، نحن متكاملان في كل شيء، هي تكتب وأنا أكتب وهي تترجم وأنا أترجم، وهي تؤلف وأنا كذلك، وعندما بدأت أكتب للأطفال اختارت لي أجمل القصص العالمية للأطفال وبدأنا نترجمها سويةً، فترجمنا نحو (400) قصة للأطفال، زوجتي تكملني في كل شيء، وأنا كذلك، طبعاً لابد من وجود وجهات نظر مختلفة، ولابد من مواقف مختلفة أحياناً، لكن الخط في الحياة خط واحد، ولقد ساهمت زوجتي في ترتيب قصائدي التي تقدّر بآلاف الصفحات وأرشفت تجربتي للدارسين والمهتمين بحيث جعلت لكل فكرة أو موضوع عنواناً لكتاب مثلاً أنا والجزائر، وأنا والقومية العربية، وأنا واليمن، وأنا ومصر العربية وأنا والمغرب العربي، فقد جمعت هذه الموضوعات المستقلة لتسهل على الطالب والقارئ يوماً ما أن يختار بشكل مباشر الموضوع الذي يريد، وكذلك اختارت عناوين لموضوعات أخرى مثل أنا والطبيعة وأنا والعروبة.

ـ علاقتك في الإعلام توطدت منذ الخمسينيات، كيف تقيم تلك المرحلة، مرحلة الخمسينيات؟
ـ منذ أن كنت صغيراً في قريتي الصغيرة (النُعيرية)، المحاطة بأربع هضاب، كنت أصور نفسي أنني لا أنتسب إلى هذه القرية وهضابها التي تحيط بي، بل سأخرج إلى الأبعد.. الأرحب، منذ طفولتي وكانت حركة اللواء التي قادها زكي الأرسوزي أول انتفاضة عربية، قامت ضد الاحتلال والاستعمار، كنت في ذلك الزمن طالباً في المرحلة الابتدائية، وبدأت أعيش المد القومي والوطني منذ ذلك الحين، والتوهج الوطني والاندفاع الشديد الذي عشناه في تلك الفترة. عندما جئنا إلى دمشق بدأنا بتأسيس حزب البعث في أوائل الأربعينيات من القرن الماضي، قبل أن يعلن تأسيسه بسبع سنوات بدأنا نناضل، هذا الوهج الوطني والقومي أو يمكن أن نسميه التعلق بالوطن والأهداف البعيدة، رافقني منذ طفولتي، وأعتقد أنه بلغ ذروته في الخمسينيات، عندما بدأت الحركات الوطنية والقومية تشتعل في الوطن العربي كله، وتقوم الثورات والانقلابات بدأنا نشعر أننا نمشي نحو أهدافنا الكبيرة بسرعة، بعدئذ أعتقد أن قوى الشر والاستعمار بدأت في إطفاء تلك النار التي اشتعلت في تلك الفترة، ولاتزال تعمل على إطفائها منذ ذلك الحين، قوى الشر عملت وما تزال على إخماد تلك النار التي كانت ستوقظ أمة كاملة، وكادت أن تقلبنا من حال إلى حال، وعندما شعر الاستعمار بأن هذه  القوة بدأت تتحرك من المحيط إلى الخليج أراد أن يطفئ تلك النار بأي ثمن كان، ، وتعرفون أن كل قوى الشر وعلى رأسها الصهيونية التي زرعت إسرائيل في قلب الوطن العربي، وبدأت تقوي كل حركة التخلف وتدعمه لكي تمنعنا من أي خطوة تقدم إلى الأمام، وكل القوى التقدمية تنتظر وتحاول أن تتقدم لكنها محاطة بكل أنواع الشر، أي أن النار التي اشتعلت في الخمسينيات مايزالون يحاولون إطفائها.

ـ ماذا تريد أن تقول كلمة أخيرة؟
ـ منذ عشرين عاماً التقى بي شاب تونسي، وأجرى معي حواراً تلفزيونياً، في ختام الحديث فاجأني بسؤال ذكي إذ قال: اختم حديثنا هذا بعبارة واحدة تعرف بها نفسك؟ فاجأني هذا السؤال ووقفت لحظة وقلت: أنا خلية في جسد عربي، تبحث عن ملايين الخلايا من أخواتها، وتكافح لكي يتحرك الجسد وتبعث فيه الحياة، هذا كان تعريفي لنفسي ولا أزال مقتنعاً بهذا التعريف، وهذه الكلمة الأخيرة.

د. ملكة أبيض
وسألنا الدكتورة ملكة أبيض رفيقة درب الشاعر: هل كان سليمان العيسى شريك العمر فقط؟ فأجابت: في الكتاب الذي صدر لي حديثاً بعنوان سليمان العيسى في لمحات، ذكرت أن سليمان، لم تكن الحياة بالنسبة إليه هي الحياة الخاصة فقط، كانت الحياة العامة تأخذ كثيراً من وقته ومن أحلامه ومن اهتمامه، وكثيراً ماكانت تتشابك الحياة الخاصة بالحياة العامة، لايعني ذلك أنه أهمل فيما يتعلق بالمنزل أو عاطفته تجاه عائلته، أو واجباته اتجاه الأولاد، كل هذا كان يدور باهتمامه، ويظن سليمان أن عائلة في وطن مستعبد، لايمكن أن تكون سعيدة هانئة تماماً، هذا مايجعل العام والخاص يشتبكان ويتوازيان في حياة سليمان العيسى.

ـ كيف تختصرين لحظات إبداع سليمان العيسى..
 حين كان يعيش ظرفاً معيناً أو يصطدم بموقف عام نلاحظ ازدياد حركته ودورانه في المنزل وبالانعزال، كل هذه الحركات كانت تنبئ بأن قصيدة ما سوف تخرج، ولست وحدي من لاحظ هذا بل الأولاد أيضاً، وبالتالي كان علينا أن نوفر له الجو المناسب والهدوء، كي يبدأ بكتابة القصيدة أو الخاطرة، لكن هناك استثناء مما ذكرته، عندما كنا في جزيرة السندباد في العراق، جرى القلم على الورق، وبدأ يكتب ساعات وساعات، وحين عدنا من رحلتنا التي لم تدم أكثر من أسبوع، كان الكتاب قد انتهى، إذ تذكر وهو في جزيرة السندباد، الخليل بن أحمد الفراهيدي وبدر شاكر السياب وابن الرومي، والأصمعي، تذكر كل هؤلاء وبدأ يكتب دون انقطاع، هذه الحالة كانت حالة خاصة ووحيدة لأنه عاش في المناخ التاريخي للمكان، وبعد ذلك صدر الكتاب تحت عنوان (في جزيرة السنديان) وهو من أجمل ما كتب سليمان العيسى.

الدكتور معن تحدث عن تجربة أبيه الشاعر فقال: أعدّ نفسي محظوظاً لكوني ابن سليمان العيسى، لقد ورثت منه إضافة إلى الجينات الكثير.. الكثير، وهذا ما أثّر في حياتنا أنا وإخوتي، جعلنا نتصرف بسلوكيات رأيناه يسلكها، لقد تعلمنا منه أن لا نتملق لأحد، وعلّمنا أن نعمل بجهدنا لنحقق الأهداف، وهذا الموقف أعطانا ثقة بالنفس نمارسها في حياتنا دائماً.
يوسف الجادر

رحلة كفاح

سليمان العيسى، بشار منير، ويوسف الجادر- إنها رحلة كفاح، بدأته أنا في حارة" بساتين العاصي" من قريتي " النعيرية" التي لا تبعد كثيراً عن مدينة " إنطاكية"، وبدأته هي في مدينة حلب حيث ولدتْ ونشأتْ.
بدأ الرحلة المضنية كل منا بمفرده، ثم شاء القدر أن يجمعنا في مدينة حلب، وأن تستمر الرحلة، ولكنها كانت قصة نضال مشترك.. وطريق واحدة هذه المرة.. واجهنا فيه قدرنا بحلوه ومره، قانعين بأننا عشنا الحياة التي اخترناها بأنفسنا، وملأناها بالأحلام الجميلة، تحقق بعضها.. وتبدد الكثير منها، لا يهم، المهم أننا – كما قلت في إحدى قصائدي -:
نَسجنا مثل ما شاء الهوى أيامَنا
وَزرعنا خلف أسوار الدُجى أحلامَنا
وجَعلنا الحب.. قِنديلَ خُطانا
وسُرانا..
وَقَنعنا بالحكايات التي يخضَرُّ فيهنَّ السَّمَرْ
وأَننا: رَوَّضْنا معاً ليلَ السَفرْ
 سليمان العيسى

- قدرٌ جمعنا ذات يوم..
ولم نكن ندري أن ذلك سيدوم العمر كله.
كانت أولى مشاعري نحو سليمان العيسى: الاحترام
احترام موهبته الشعرية..
احترام ثقافته الواسعة، المتأصلة في التراث العربي، والمنفتحة على أفضل معطيات الثقافة الغربية..
احترام شخصيته البسيطة، المتواضعة، المتمسكة بقيم ومُثل لا تحيد عنها..
احترام الحلم الذي وضعه نصب عينيه، وتماهى فيه، حتى أصبح رمزاً له، ودلالة عليه..
وهكذا.. رأيتني أمضي معه.. في نفس الدرب، وأشاطره الكفاح..
 أ.د. ملكة أبيض

 

سليمان العيسى والأطفال

حين وقعت الكارثة الكبرى في عام 1967، خانته الكلمة شهوراً حسبها النهاية، ثم ما لبثت أن عادت إليه مع تغيير في الأسلوب والنبرة.. ذلك أن جمهورها لم يعد الكبار الذين عانوا ما عاناه، ولم تشفَ جراحهم بعد، بل الصغار الأبرياء الذين يبدأون الحياة، وكلهم أمل بالمستقبل. فسار معهم في الطريق ولم يزل، وربما كانت تلك ولادة ثانية.

 د. ملكة أبيض

 الأطفال يقولون

حدائق حدائقْ
نحن عبير الزهر في الحدائقْ
نحن النسيم الحلو والشجرْ
نحن السماءُ والقمرْ..
والصحوُ والمطرْ
من أجلنا تغرد الطيورْ
ويَعبَقُ المنثورْ
ونملأُ البيت ضجيجاً.. هذه حياتُنا
وحُلمكُم نحن الصغارُ
أيها البشرْ 

الفار وبسبوسة

أنا الفأرُ الذكيُّ أنا..
ولست أخاف من هِرَّةْ
تُحاول مرة صيدي
وأخدعها أنا مرَّةْ
تُطاردني، أطاردها
لنا قصصٌ غريباتُ
نَمرُّ على الصغار بها
حكايات، حكاياتُ
وكم من حيلةٍ نجحتْ
وكم من مطلب خابا
حياة الناس نحن ولم
نكن في الناس أغرابا
حياة الفأرِ والهرِّ
حوادث بينكم تَجري

 أنشودة شام

حقَّقتُ أنا الأحلامْ
لما سَمَّوني: شامْ
إسمي وردٌ وندى
وقصائدُ من بردى
إسمي لغة العصفورْ
إسمي تاريخُ النورْ
ما زال على الأيامْ
وضاءً. إسمي شامْ
أنا فجركَ يا بلدي
أنا ضوءُ غدِ
سأطيرُ.. أطيرُ إلى الآتي
نحن المطرُ الآتي..
يسقي وطَنَ الأحلامْ
وطنُ المستقبلِ شامْ

سليمان العيسى والمقاومة

 يقول الشاعر سليمان العيسى في حديثه عن وقع الكارثة في عام 1967 على نفسه في مطلع حوارية " الشاعر والأصوات":
حزيران 1967
الكارثة تغلُّ الشاعر
تسد عليه المنافذ
تذبح في عينيه النور
تدفنه حياً
طوال عام كامل.. لم يستطع أن يكتب بيتاً
أن يكتب كلمة.
لكن صوتاً آت من انفجار لغم.. من مدفع رشاش فدائي، أعاد إليه الوحي.. ليستقي من مآثر المقاومة ملاحم لن تنسى.
كجذور السنديانْ
كالصحارى، كالزمانْ
سوف أبقى
ميّتٌ ماءُ محيطي كالعدمْ
زرعوا فيه "جزيرة"
ثبتوها بعظامي المستجيرةْ
المحيط الميت باقِ
وستنهار تنهار الجزيرة
عندما تصحو عظامي المستجيرةْ
سحقتني غفوةُ التاريخ يوماً
أكلتْ جلدي نيوبُ الغزو يوماً
هزمتني الريحُ سوداء الخناجرْ
زرعتْ روحي مقابرْ
ومن الموت الذي يسحقني
ومن الناب الذي يمضغني، يبصقني
عربياً سوف أبقى
شاعراً للأرض، إنساناً سأبقى
كجذور السنديان
كالصحارى كالزمان
سوف أبقى.. سوف أبقى


وتستمر أعمال الفداء، وتتوالى القصائد المفعمة بالاعتزاز والأمل.
وقيلَ: دقَّ فدائيٌ بقبضتهِ
بابَ الحياة على أنقاض داثرِهِ
صوتٌ.. تَفَتَّحُ أبوابُ النهارِ له
وتَستضيءُ بخيطٍ من ضفائرهِ
في وحشة القبرِ.. في أعماق غربتهِ
تهلَّلَ القفرُ عن نجم لحائرِهِ
يا خطوةً.. في ظلام الموت واثقةً
أنتِ الطريقُ فَشقّيه لعابرِهِ

- ويقول في قصيدة أخرى:
يا وطن الكلمات الخضرِ
تعيش على شفة الأجيالْ
كنتَ نشيداً كنتَ نبياً
كنت مزارع للأطفالْ
جاؤوا باسم النارْ
صرت حكاية نارْ
تمضي الشعلة حتى النصر، وتبقى ثورتنا
الحمـراءْ

سليمان العيسى والنثر

في تقديمه لمختارات من شعر المقاومة صدرت في عام 1969 كتب سليمان العيسى:
كنتُ أكتبُ ملحمتي الصغيرة، عذابي الجديد.. كانت كل قيمنا الصريعة، كل أحلامنا المنهارة، تتحسس جرحها الذي ما زال ينزف، لتقول لصديقها الشاعر:
ملجئي أنت.. فدعني أتنفس على شباة قلم بريء.. كنت أخط هذه الأبيات، أعتصر فيها الاعتراف
أحاول بتواضع أن أقول: أنا إنسان مهزوم، ثم أزحزح عيني قليلاً عن هذه الكلمة المرة الظالمة
مهزوم.. وأمد نظري عبر المقبرة الضخمة.. من المحيط إلى الخليج، يتحرك فيها مائة مليون لفظة مرة.. ظالمة، مائة مليون مهزوم مثلي.. ثم أجيب بهدوء لا يسمعه إلاّ الليل والريح، والمذرورون مثلي على شطآن الليل والريح: أنا لم أقاتل.. لأهزم، فلمَ أظلم التاريخ والحقيقة.. والمقبرة الضخمة من المحيط إلى الخليج؟ لم أقاتل.. لأهزم.
لم أقاتل.. لأهزم، كلمات ثلاث آمنت بها أخيراً إيماني بجلدي، وقلتها شعراً.. وقلتها نثراً، وسأقولها لجيلي هذا.. لصغاري.. للأجيال التي لم تولد.
لم تقاتل الأمة العربية.. لتهزم، لم تتحرك مائة مليون رئة معطّلة لتقذف بنبضة دم مجابهة.. لم تتحرك كل هذي القوى الهائلة.. الميتة الهامدة المبثوثة بشراً.. ولغة.. وثروة، وطاقات مخيفة بين المحيط والخليج.
لم أقاتل.. لأهزم، الأمة العربية لم تنزل إلى الميدان، لنواجه هذه الحقيقة بعفوية الموجة.. وبراءة الأطفال، لنقلها بشيء من إيمان الأنبياء، وطهارة المخلصين: الأمة العربية لم تنزل إلى الميدان.. لم تتفجر المقبرة الضخمة عن طاقاتها الهائلة.. إن تخلف ألف عام لم يسمح لها أن تتفجر.. وغياب ألف عام عن مسرح الحياة.. عن أشعة الشمس.. عن ضوء النهار، لا يتيح لأمة أية أمة أن تواجه التحدي.
حين تقرر أمة أن تدافع عن وجودها.. أن تحمي مصيرها تتحول كل نسمة هواء فيها إلى وقود للزحف، كل ذرة تراب إلى مخزن رجولة، كل نبضة دم في عروق فلاح أميّ جاهل إلى تخطيط واعٍ للمعركة، أتظنونني أبالغ؟ إننا جميعاً نسمع منذ أعوام ببلد صغير.. صغير اسمه "فيتنام "، لقد أجبرت أعتى قوة في العالم على الركوع، كانت الفانتوم الأسطورة هناك صيداً جميلاً يستمتع به فلاح فييتنامي قصير، قرر ببساطة أن يقاتل.. أن يردّ الغزو.

سليمان العيسى في سطور

ولد الشاعر سليمان العيسى في قرية "النعيرية" بإنطاكية (لواء اسكندرون)، عام 1921.
وتلقى تعليمه في "النعيرية" وإنطاكية وحماه ودمشق.
تخرج من دار المعلمين العليا ببغداد.
عمل مدرسا في حلب، وموجها أولا للغة العربية في وزارة التربية.
عضو في جمعية الشعر السورية
عضو مجمع اللغة العربية بدمشق.
من مؤسسي اتحاد الكتاب العرب في سورية.

حائز على جائزة "لوتس" للشعر من اتحاد كتاب آسيا وإفريقيا.
حاز على جائزة الإبداع الشعري من مؤسسة البابطين.
حاز على التكريم لعدة مرات، منها تكريمه في "مهرجان المزرعة للثقافة والإبداع" الذي يقام سنويا في السويداء (سورية)، وتكريمه في نقابة المعلمين بسورية،

أطلقت جائزة باسم: "جائزة سليمان العيسى للشعر" عن وزارة الثقافة السورية.

مؤلفاته:
1-مع الفجر -شعر- حلب 1952.
2-شاعر بين الجدران -شعر- بيروت 1954.
3-أعاصير في السلاسل -شعر- حلب 1954.
4-ثائر من غفار -شعر- بيروت 1955.
5-رمال عطشى -شعر- بيروت 1957.
6-قصائد عربية -شعر- بيروت 1959.
7-الدم والنجوم الخضر -شعر- بيروت 1960.
8-أمواج بلا شاطئ -شعر- بيروت 1961.
9-رسائل مؤرقة -شعر- بيروت 1962.
10-أزهار الضياع -شعر- بيروت 1963.
11-كلمات مقاتلة -شعر- بيروت 1986.
12-أغنيات صغيرة - شعر- بيروت 1967.
13-أغنية في جزيرة السندباد -شعر- بغداد وزارة الإعلام 1971.
14-أغان بريشة البرق -شعر- دمشق وزارة الثقافة- 1971.
15-ابن الأيهم -الإزار الجريح -مسرحية شعرية- دمشق 1977.
16-الفارس الضائع (أبو محجن الثقفي) - مسرحية شعرية- بيروت 1969.
17-إنسان -مسرحية شعرية- دمشق 1969.
18-ميسون وقصائد أخرى -مسرحية وقصائد- دمشق 1973.
19-ديوان الأطفال -شعر للأطفال- دمشق 1969.
20-المستقبل -مسرحية شعرية للأطفال- دمشق 1969.
21-النهر -مسرحية شعرية للأطفال- دمشق 1969.
22-مسرحيات غنائية للأطفال -دمشق 1969.
23-أناشيد للصغار -دمشق 1970.
24-الصيف والطلائع -شعر للأطفال- وزارة الثقافة- دمشق 1970.
25-القطار الأخضر -مسلسل شعري للأطفال - بغداد 1976.
26-غنوا أيها الصغار شعر للأطفال- اتحاد الكتاب العرب - دمشق 1977.
27-المتنبي والأطفال - مسلسل شعري للأطفال- دمشق 1978.
28-الديوان الضاحك -شعر للتسلية- بيروت 1979.
29-غنوا يا أطفال (مجموعة كاملة من عشرة أجزاء تضم كل الأناشيد التي كتبها الشاعر للأطفال)- بيروت 1979.
30-الكتابة أرق -شعر- دمشق 1982.
31-دفتر النثر - دراسة- دمشق 1981.
32-الفراشة -دمشق 1984.
33-باقة النثر -دمشق 1984.
34-إني أواصل الأرق -دمشق 1984.
35-ثمالات-1-صنعاء1999.
36-ديوان اليمن-صنعاء-2004
37-أمشي وتنأين-صنعاء2004


*- ملاحظة:
نشر قسم كبير من مادة الزميل يوسف الجادر في جريدة النور، العدد 422، تاريخ 3/2/2010، تحت عنوان: " قال لـ(النور): المرأة ليست ملاكاً ولا شيطاناً.. سليمان العيسى: الشعر باقٍ إلى الأبد!"


بشار المنير، يوسف الجادر، (في ضيافة سليمان العيسى: أؤمن بالمساواة بين الرجل والمرأة رغم اختلاف ميادين أعمالهما)

خاص: نساء سورية

أضف تعليق


كود امني
تحديث

معلومات إضافية