الإتجار بالبشر

يعدّ الاتجار بالأشخاص أكبر تجارة غير شرعية في العالم, إذ تقدر منظمة العمل الدولية أرباح استغلال النساء والأطفال جنسياً بنحو 28 مليار دولار سنوياً، كما تقدر أرباح العمالة الإجبارية بنحو 32 ملياراً سنوياً.

وتشير منظمة العمل الدولية إلى أن 3 ملايين إنسان في العالم سنوياً يتعرضون للاتجار بهم، بينهم مليون ومئتا ألف طفل، وينقل ما يتراوح بين 45 و50 ألفاً من الضحايا إلى الولايات المتحدة الأمريكية سنوياً.
وفي سورية بدأت الجهود الحكومية والمنظمة الدولية للهجرة لمعالجة الاتجار بالأشخاص في البلاد منذ العام 2005، بعد وصول أعداد كبيرة من اللاجئين من العراق، إذ تعد أسر اللاجئين التي ترأسها النساء على وجه الخصوص هي الأكثر عرضة للاتجار بالأشخاص، لافتقارها إلى وسيلة لإيجاد فرص للعمل تتكفل برعاية أطفال هؤلاء السيدات. وقد شُكلت في سورية لجنة صياغة قانون منع الاتجار بالأشخاص منذ العام 2005، وقد أنهت صياغة مشروع الاتجار بالنساء والأشخاص.
أما مفهوم الاتجار بالبشر فيعرّفه الدكتورفي القانون الدولي إبراهيم دراجي بأنه (مفهوم واسع الدلالات ويشمل مواضيع كثيرة مثل الخدمة المنزلية وأعمال السخرة والرق وبيع الأعضاء البشرية والاستغلال الجنسي للمرأة وبيع الأطفال وغيرها من صور الجريمة المنظمة أو المستحدثة).
وقد عملت راهبات الراعي الصالح منذ وجودها في سورية على مساندة ضحايا الاتجار، وخاصة النساء والأطفال، من خلال السجون وكذلك دار الإيواء. وكانت الحالات كثيرة ومتنوعة بسبب كون سورية بلد عبور ومقصداً للاتجار بالبشر. وبحكم موقعها الجغرافي وتوالي الحروب في البلدان المجاورة  والظروف الدولية المستجدة والأزمات الاقتصادية فقد تزايدت تلك الحالات، ومن بينها الاتجار بالأطفال والنساء واستغلالهن للعمل بالدعارة.
وأنشأت الحكومة السوريّة مأويين لضحايا الاتجار بالأشخاص، فقد افتتح في دمشق المأوى الأول عام 2008، والثاني في حلب بداية عام 2010، بهدف تقديم المساعدة المباشرة للنساء الضحايا للاتجار بالأشخاص من خلال الخدمات الطبية والرعاية النفسية والاجتماعية والتأهيل في مرحلة ما بعد الإنقاذ، وبضمن ذلك التدريب المهني ورفع مستوى الوعي حول الاتجار بالأشخاص لضحايا الاتجار المحتملين.
وتعد هذه الدور  جزءاً من برنامج واسع النطاق للمنظمة الدولية للهجرة قيمته مليون ونصف مليون يورو بتمويل من الاتحاد الأوربي.
ومن المعروف أن المكاتب العقارية لا تزال تستخدم تأجير الشقق في تسهيل الاتجار بالنساء واستغلالهن بالبغاء، إذ تؤجّر الشقق للسياح وخاصة  للسعوديين والخليجيين، وتقدم مع  الشقق  خادمات للاهتمام بهم وتلبية رغباتهم مهما كان نوعها.كما تستخدم تلك الشقق لممارسة الدعارة، وفيها نساء من جنسيات عربية وأجنبية.
ويعاني بعض النساء المستقدمات للعمل في الخدمة المنزلية ظروفاً غير إنسانية تشكل نوعاً من الرق (العبودية)، ويتعرضن لشتى أنواع العنف النفسي والجسدي والجنسي، ناهيك بمخاطر إنكار حقوقهن أو تقييد حركتهن وسحب جوازات سفرهن ومنعهن حتى من الراحة. وقد يودعهن في السجن بتهم شتى.
وهنالك الكثير من الأمثلة عن نساء وطفلات خضعن لعملية ابتزاز أدت للاتجار بهن، وكانت السجون مقراً نهائياً لهن.
وبصدور المرسوم التشريعي رقم 3 لعام  2010 المتعلق بمنع جرائم الاتجار بالأشخاص، أصبحت الصورة أكثر وضوحاً في القانون السوري، بعدما كان المحامون يلجؤون إلى قوانين العقوبات وقوانين أخرى غير محددة ولا مختصّة.
فقد عرّف الاتجار بشكل واضح عندما قال: (1- يعد اتجاراً بالأشخاص استدراج أشخاص أو نقلهم أو اختطافهم أو ترحيلهم أو إيوائهم أو استقبالهم لاستخدامهم في أعمال أو لغايات غير مشروعة، مقابل كسب مادي أو معنوي أو وعد به أو بمنح مزايا، أو سعياً لتحقيق أي من ذلك أو غيره.
2- لا يتغير الوصف الجرمي للأفعال المذكورة آنفاً سواء كانت باستعمال القوة أو بالتهديد باستعمالها أو باللجوء إلى العنف أو الإقناع أو استغلال الجهل أو الضعف أو بالاحتيال أو الخداع أو باستغلال المركز الوظيفي أو بالتواطؤ أو تقديم المساعدة ممن له سلطة على الشخص الضحية.
3- في جميع الحالات لا يعتد بموافقة الضحية).
وجاء في المادة الخامسة أنّه: يعد بحكم الاتجار بالأشخاص الاستخدام الجنسي للطفل بأي من أشكال الممارسة، أو بتصوير أعضائه الجنسية، أو بالعروض الداعرة الإباحية، لقاء أي شكل من أشكال العوض مباشراً أو غير مباشر. ويعاقب بالعقوبة ذاتها المنصوص عليها في المادة 7 من هذا المرسوم التشريعي مع التشديد المقرر في المادة 8 أيضاً.
و يهدف هذا المرسوم التشريعي إلى: منع الاتجار بالأشخاص ومكافحته وإيلاء اهتمام خاص بالنساء والأطفال ضحايا هذا الاتجار، وحماية ضحايا الاتجار ومساعدتهم وتقديم الرعاية المناسبة لهم واحترام كامل حقوقهم الإنسانية، إضافة إلى تعزيز التعاون الدولي في مواجهة مرتكبي جرائم الاتجار بالأشخاص، و إيجاد أساس تشريعي لثقافة اجتماعية تسهم في الوقاية من هذه الجريمة وتحسن التعامل مع آثارها.
وعلى أرض الواقع  تؤكد الإحصائيات الرسمية المتعلقة بعدد الجرائم التي ضبطتها جهات وزارة الداخلية أن جرائم تعاطي الدعارة السرية الواقعة في سورية خلال العام 2008 بلغ عددها نحو355 جريمة بانخفاض واضح عن العام الذي سبقه بلغ نحو 80 جريمة، أي ما نسبته 18%، و قد جاءت دمشق أولاً بعدد الجرائم المسجلة بنحو 102 جريمة، أي ما يعادل 29% من الإجمالي فيما لم تسجل أية جريمة من هذا النوع في القنيطرة.
وقد أوردنا الدعارة لأنها إحدى أهداف الاتجار بالأشخاص، وهذه الإحصائية المتواضعة تظهر مدى أهمية هذا النوع من الإحصاء، على أن يكون بشكل مفصل وواضح ودقيق، فهو سبيل أساسي في الحد من الاتجار بالبشر، لأنه  يحدد المناطق الأكثر استقبالاً للأشخاص المتاجر بهم، وأيضاً عدد الجرائم التي تُكشف ويُقبض على مرتكبيها، وكذلك الأعمار والجنسيات والأجناس وكل ما يساعد على كشف العصابات وردمها.
لذلك لا بد أن يرافق تلك الدور والقوانين إحصاءات حقيقية رسمية، ليبقى العمل متكاملاً ومتوازناً، فالقوانين وحدها لن توقف تلك الجرائم الإنسانية.


رهادة عبدوش، (الحد من الاتجار بالأشخاص ما بين المأوى والقوانين والإحصاءات الرسمّية)

تنشر بالتعاون مع جريدة "النور"، (1/2010)

0
0
0
s2smodern