الإتجار بالبشر

أصدر السيد الرئيس د. بشار الأسد في العاشر من كانون الثاني الجاري، المرسوم التشريعي رقم 3 لعام 2010، المتعلق بجرائم الاتجار بالأشخاص، يحدد العقوبات بحق كل من يرتكب هذه الجريمة، أو يشارك أو يحرض أو يتدخل فيها أو يعلم بها ولا يبلغ عنها، أو من ينضم إلى جماعة إجرامية هدفها، أو من بين أهدافها، الاتجار بالأشخاص.
وينص المرسوم على إحداث دور لرعاية ضحايا الاتجار بالأشخاص تتبع لوزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، وإحداث إدارة متخصصة بمكافحة هذه الجرائم في وزارة الداخلية، وإيلاء اهتمام خاص للنساء والأطفال ضحايا هذه الجرائم.
إن مواجهة ومعرفة حجم مشكلات الاتجار بالأشخاص، قضية حيوية وإنسانية، لأن هذه الجريمة بكل أشكالها ومضامينها مخالفة لكل المبادئ والمواثيق الدولية، إذ إن مبدأ الكرامة الإنسانية يحتّم عدم تحويل الإنسان، رجلاً كان أم امرأة أم طفلاً، إلى سلعة يمكن الاتجار بها.
إن صدور هذا المرسوم وفرض عقوبات مشددة بحق المتاجرين بالأشخاص، وتحديد الجهات المعنية وحماية ضحايا الاتجار عموماً، والنساء والأطفال خصوصاً، ومحو النتائج السلبية التي تلحق بهم مع العمل لإعادة دمجهم في المجتمع هو ضرورة ملحة لتوفير الحماية للضحايا، ويملأ الفجوة الموجودة في النظام الجنائي السوري، لأن تشريعاتنا الوطنية بمختلف مضامينها تخلو من نص واضح وصريح ورادع يحرّم خصيصاً جريمة الاتجار بالأشخاص، وكذلك بالأعضاء البشرية.. كما أن القانون الذي ينظم أحكام جرائم الدعارة في سورية، التي هي جزء أساسي من الاتجار بالأشخاص (قانون مكافحة الدعارة)، الذي صدر في زمن الوحدة السورية - المصرية رقم 10 تاريخ 8/4/1961، وهو التشريع النافذ حالياً بعد أن ألغي قانون البغاء السوري الصادر عام 1933 والمعدل بالمرسوم التشريعي رقم 112 لعام 1935.
وحول القوانين السورية المعمول بها (قبل صدور هذا المرسوم)، فيما يتعلق بتجارة الأعضاء البشرية، يقول د. إبراهيم دراجي، أستاذ القانون الدولي، كلية الحقوق، جامعة دمشق: (إن هذه القضية تحولت من نقل للأعضاء عن طريق التبرع، إلى تجارة غير قانونية لها بواعثها وأصولها وممارساتها التي تتم بوساطة السطو على جسد الإنسان من قبل عصابات متخصصة بأبشع الأساليب اللاإنسانية، وهي الأشد خطورة، لأنها تهدد حقوق الإنسان وتخرق ذاته وتجعله عرضة للموت أو العاهة. وإن قانون العقوبات السوري الصادر بالمرسوم التشريعي رقم 48 تاريخ 22/6/1949، لم يورد نصاً خاصاً لتلك الجريمة، ورغم التعديلات على القانون 30 لعام 2003 فلا يمكن الجزم بأنه سيكون فعالاً في القضاء على ظاهرة الاتجار بالأعضاء نظراً للثغرات الموجودة فيه والتي سيستغلها المتاجرون لتنمية ثرواتهم).

الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية والثقافية لهذا النوع من الجرائم
والسؤال: هل يكفي صدور قوانين تجرّم هذه الأفعال دون معالجة الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية والثقافية؟ فالحد من الجريمة لا يكفيه وجود قوانين رغم أهميتها، وعلينا ملاحقة أصل المشكلة ومعالجتها واتخاذ التدابير الاحترازية لمنع حدوث هذه الجرائم.
أسباب كثيرة تساعد على الاتجار بالأشخاص أهمها: الفقر الذي ينعكس بقوة على الوضع المعيشي المتردي للأسرة، واستفحال البطالة. وإن الشريحة الكبيرة التي تتعرض لمختلف هذه الجرائم هم الشباب الفقراء والجاهلون، والذين يعانون التفكك الأسري، وكذلك العمالة القسرية للأطفال دون السن القانونية، والهجرة من المدينة إلى الريف، وعدم وجود نصوص رادعة كافية في قانون العقوبات السوري. وكما نلاحظ هناك تطور في هذه الجرائم وأساليبها، ويجب تطوير التشريعات بالشكل الذي يضمن تحقيق أهداف العقوبة. ولاشك أن المرسوم التشريعي الأخير يساعد على ذلك.
إن أكثر حالات الاتجار بالأشخاص انتشاراً هي حالات البغاء، التي تعدّ من أخطر أنواع الاتجار بالنساء والأطفال... فالبغاء مرتبط أيضاً بالبنية الاجتماعية والقيمية من جهة، والبنية الاقتصادية والسياسية من جهة أخرى.
ويرافق البغاء أجواء من العنف نتيجة سيطرة القوادين، فعالم البغاء يزدحم بمشاعر عدوانية، انتقام، احتقار، استغلال.. إلخ. وللوسائل القانونية أهميتها، لأنها تضع روادع وضوابط، لكن المهم أيضاً هو إعادة النظر في القيم الثقافية والاجتماعية والأخلاقية.. والسؤال: كيف يمكن للمرأة التي سقطت في براثن هذه الجريمة الوحشية أن تستعيد إنسانيتها بعيداً عن عمليات البيع والشراء؟ وكيف نحافظ على الطفولة البريئة الغضة من الاعتداء عليها والتحرش بها؟
حُرمت تجارة الرقيق منذ عام 1807، وبعد مئتي عام ونيف بقي هذا التحريم للذكرى، ولم تنجح المحاولات المتواصلة في العالم لوقف ما يسمى الاتجار بالبشر.. فالعبودية مازالت واقعاً يعيشه ملايين البشر في كل أنحاء العالم، فالاستغلال الجنسي للكبار والصغار من الجنسين، وأعمال السخرة التي من أبرز عناوينها الاتجار بالأشخاص والتجنيد القسري للأولاد، وبيع الأعضاء البشرية، وتهريب الأشخاص، والقوانين الناظمة للعمالة الأجنبية، والجريمة المنظمة.. كل هذه مسميات لشيء واحد: العبودية الحديثة.
المأساة تتسع بوضوح، وتنعكس في تقارير المنظمات الدولية والإنسانية، والتحقيقات الصحفية والقصص المثيرة لكارثة هذه التجارة.
في الماضي كانت السفن تعبر الأطلسي محملة بالبشر لبيعهم في أسواق الرقيق، أما اليوم فالضحايا، نساء ورجالاً وأطفالاً، يغادرون بلادهم بطرق شرعية ومعهم تأشيرات وتذاكر سفر في طائرات، متوهمين أن وظيفة لائقة تنتظرهم، وضحايا لا يغادرون بلادهم بالضرورة. فتجارة الأشخاص ناشطة في مجتمعاتهم، والنظرة إلى المال على أنه أغلى قيمة وسهل الحصول عليه من تجارة الرقيق.
فتجار الرقيق في هذا الزمن يسمون أنفسهم (وسطاء ووكلاء، ومتعهدون لعمال وعاملات، أصحاب مكاتب). وأرقام المتاجرة بالأشخاص واستغلالهم مرعبة، وشهادات الضحايا مرعبة أيضاً. وكل الحالات معيبة.. وآليات عمل هذه التجارة (تجارة الأشخاص) مصنفة عالمياً في التجارات غير المشروعة أكثر من المخدرات والأسلحة. وإذا كانت تجارة الجنس هي الأكثر ربحاً في هذا المجال، إذ تشكل نسبة 43%، فإن (بيع البشر) لاستغلال اقتصادي 32%، والضحية في كل مكان إنسان محتاج، فقير، أو عاطل عن العمل، أو يائس من ظروف العيش، أو سدّت النزاعات والحروب في بلده كل الآفاق. كل هذه مسميات لشيء واحد: العبودية الحديثة، عبودية القرن الحادي والعشرين.


زينب نبّوه، (جرائم الاتجار بالأشخاص.. عبودية القرن الحادي والعشرين!)

تنشر بالتعاون مع جريدة "النور"، (27/1/2010)

0
0
0
s2smodern