الإتجار بالبشر

من المعروف أن الاتجار بالبشر، وبحسب اتفاقية حظر الاتجار بالأشخاص واستغلال دعارة الغير، ترتبط عادةً بدفع الشخص على ممارسة الدعارة بالإكراه. أي أنها تختلف عن جرم الدعارة المعاقب عليه بالقانون السوري، لناحية الإكراه.

غير أن بروتوكول منع وقمع ومعاقبة الاتجار بالأشخاص يلحظ أيضاً عوامل أخرى للاتجار غير الإكراه، فهو يلحظ تجنيد أشخاص أو نقلهم أو تنقيلهم أو إيواؤهم أو استقبالهم بواسطة التهديد بالقوة أو استعمالها أو غير ذلك من أشكال القسر أو الاختطاف أو الاحتيال أو الخداع أو استغلال السلطة أو استغلال حالة استضعاف، أو بإعطاء أو تلقي مبالغ مالية أو مزايا لنيل موافقة شخص له سيطرة على شخص آخر لغرض الاستغلال. ويشمل الاستغلال، كحد أدنى، استغلال دعارة الغير أو سائر أشكال الاستغلال الجنسي، أو السخرة أو الخدمة قسرا، أو الاسترقاق أو الممارسات الشبيهة بالرق، أو الاستعباد أو نزع الأعضاء؛ يعتبر تجنيد طفل أو نقله أو تنقيله أو إيواؤه أو استقباله لغرض الاستغلال.

وعليه فإن الاتجار بالبشر يشمل النساء والأطفال أولاُ، لأنهم الفئات الأكثر ضعفاً وعرضةً للانتهاك، غير أنه لم يقصر الجرم على النساء والأطفال. كذلك لا يقتصر الجرم على ممارسة الدعارة بل يمتد ليشمل جميع أنواع الاستغلال والخدمة القصرية.

وعربياً حظر الميثاق العربي لحقوق الإنسان في المادة العاشرة منه، الرق والاتجار بالأفراد في جميع صورهما والسخرة والاتجار بالأفراد من أجل الدعارة أو الاستغلال الجنسي أو استغلال دعارة الغير أو أي شكل آخر أو استغلال الأطفال في النزاعات المسلحة ويعاقب على ذلك.

وعليه، تقوم المنظمات الدولية لحقوق الإنسان والمنظمات المختصة بقضايا المرأة، ومنظمة العمل الدولية إضافةً إلى الحكومات، على اعتبار الخادمات الأجنبيات من بين الفئات التي تتعرض للاتجار بالبشر. وأما السبب في ذلك فهو بسبب الوضع المأساوي والظروف غير الإنسانية والبعيدة عن الحماية القانونية كما غيرهم من العمال، فلا تشملهم عادةً الحماية التي يقرها قانون العمل لغيرهم من العمال.

وتزدهر تجارة البشر وتجارة الأعضاء البشرية في حالات ااضطرابات والحروب، ولا شك أن منطقة الشرق الأوسط محاطة بالحروب والأزمات الممتدة من أفغانستان شرقاً وحتى السودان والعراق. وتعاني سورية أكثر من غيرها بسبب احتلال العراق والظروف المضطربة التي تحيط بها، خاصةً وأن سورية تفتح حدودها في الحالات الإنسانية وتعتبر بلد ملجأ للنازحين من ويلات الحروب.

في سورية، فإن قانون العمل يعتبر الخادمات في البيوت ضيوف على أهل البيت، وبالتالي فإن ظروف حياتهم وعملهم تتبع لضمير وأهواء أهل البيت. وأما عن القوانين التي تنظم عمل المكاتب التي تستقدم الخادمات، فهي تقتصر على تنظيم العمل التجاري والوجود القانوني للمكاتب دون أن تشمل الحماية القانونية هؤلاء الخادمات.

وفي ظل الوضع القانوني لمكاتب استقدام الخادمات الأجنبيات فتح الباب على مصراعيه لممارسة الكثير من الأعمال والربح والتجارة تحت شعار هذه المكاتب، مما يعرض العاملات والعائلات المستفيدة إلى الكثير من الاستغلال كما يعرض المجتمع إلى مشاكل خطرة لا يعيها أصحاب القرار. هي ظاهرة لا تحكمها ضوابط ولا قوانين شاملة وخصوصاً الإعلانات الترويجية التي تعود بنا إلى زمن العبيد  أصبحت تجارة بالمعنى الصحيح.

كذلك فإن وكالات التوظيف في البلد الأصلي، غالباً ما يعدون بأعمال في المكاتب أو الكليات غير موجودة أساساً. يغرون الفتيات وفي كثير من الأحيان يخدعونهم بتعليمهم العمل المنزلي.

 إنّ أصحاب المكاتب الذين استطاعوا خداع الجهات المختصّة لتمرير مئات الخادمات دون السن القانوني المسموح به (18) عاماً، يتسترون بوجوه الخادمات حيث لا يبدو عليهن السن الحقيقي.

وتصرح الحكومة السورية أن البلد أصبح معبراً للاتجار بالبشر، وبأن الدولة تعمل على الإجراءات الوقائية من خلال مشروع قانون منع الاتجار بالبشر الذي تم إعداده، وهي خطوة جيدة ونهيب بها.

إلا أن السؤال الأخطر يبقى في الثقافة العامة السائدة والتي تربط بين الاتجار والدعارة فقط، وتستثني مثلاُ وضع الخادمات الأجنبيات وظروف عملهن داخل المنازل. والواقع أن الحديث عن هذه الفئة يقتصر دوماً على المشاكل التي يتسببن بها وتأثيرهن السلبي على العائلة والأطفال. وأما الواقع والمنطق فيقول أن للقصة جانب آخر ورواية أخرى تقول بأن هذه الفئة تتعرض لأبشع أنواع المعاملة، وهي معاملة عادةً غير إنسانية.

فتشريعات العمل العالمية تقول بعدد ساعات عمل محددة يومياً، وأما الخادمة فيطلب منها في حالات كثيرة العمل في أي وقت من الليل والنهار. أما بالنسبة للعطلة الأسبوعية فهي غير واردة، ومع أن الأهالي عادةً يسمحون لبناتهن المراهقات بمساحة من الحرية وأما الخادمة فتعيش بينهم محرومة من أي نوع من الحرية، وتعد عليها أنفاسها. هذا إن لم نتكلم عن التمييز العنصري تجاههن ومن العنف اللفظي والجسدي وحتى المعنوي ضدهن.
 
وأخيراً نعود للسؤال الفلسفي الأبدي، أيهما يجب أن يأتي اولاً: تغيير المنظومة القانونية أم أن الحراك المجتمعي يأتي أولاً ويدفع إلى تغيير القوانين؟

وبطريقة أخرى نسأل: هل يكفي أن تعد الدولة مشروع قانون لمنع الاتجار بالبشر لحماية المجتمع السوري من هذه الظاهرة غير الإنسانية، أم أنه يجب أولاً توعية المجتمع بماهية الاتجار وماهي الأفعال التي يشملها الجرم ومن ثم يأتي التشريع. بكلتا الحالتين، التغيير القانوني ضرورة إلا أنها لا تكفي، يجب أن يعي كل مواطن سوري ماهو الاتجار بالبشر وبأنه باستغلاله لشخص وتسخيره في عمل في ظروف غير إنسانية فهو أقرب إلى ارتكاب جرم بحق الإنسانية.


حلا بربارة، (الاتجار بالبشر)

عن موقع "عشتار"، (1/2010)

0
0
0
s2smodern