الإتجار بالبشر

يحصل وأنت تتصفح جرائد صباح ما، أن يستوقفك عنوان ما، إما لأنه يستفزك أو لأنه يعجبك، فتقرأه وتتابع بحثا عن خبر آخر.
ولكن أن يستوقفك خبر، وتصبح غير قادر على العمل كما يجب، وتجد نفسك مشدودا بـ"كلك" إليه، بحثا عن مزيد من التفاصيل..أن يعكر خبر مزاجك ويقلقك ويوترك فهذا معناه أن هناك فجيعة ما تستدعي التأمل والقراءة والبحث عن المخبوء من الخبر الذي لم تظهره الوكالات التي تناقلته.

خبر اليوم: محكمة امارتية تحكم بالسجن على ثلاثة عشر سوريا بالسجن بتهمة "الاتجار بالبشر"، و"تسهيل أعمال الرذيلة"، وإجبار فتيات على ممارسة "الدعارة والفجور."..

وفي التفاصيل: أن الأشخاص شكلوا شبكة جريمة منظمة تعمل على استدراج الفتيات لقاء إيهامهن بعقود عمل مجزية، بعد ترحيلهن حيث يتم سجنهن في فيلا، ليتم "تأهيلهن"، لولوج حياة الليل والرزيلة من أوسع أبوابها، ومن تعترض تنتظرها أساليب تبدأ بمصادرة جواز السفر والتعذيب، والاغتصاب وقد لاتنتهي بالقتل..

تخيل: فتيات في مقتبل العمر، يبحثن عن فرص عمل تليق بهن، فيجدن أنفسهن فجأة في مستنقع لا يستطعن الخروج منه، ومن تخرج لن تتمكن من العودة كما كانت لأن جروح الروح أعمق من جروح الجسد.

الخبر يذكرنا بأفلام هوليودية حضرنا شيئا منها، خاصة بعد تفكك الاتحاد السوفياتي والمعسكر الشرقي، مع الاعتذار المسبق من النساء الروسيات والسوفياتيات السابقات لأن وسائل الاعلام الحالية أصبحت تردف كلمة روسية بـ"امراة تبيع جسدها" وأصبح ينظر للروسية لقاء هذا الترويج الاعلامي نظرة سلبية، علما بأن بيع الجسد والاتجار به في الغرب رائج ومن قبل انهيار المعكسر الشرقي ولكنها العولمة !!!

أفلام كنا نظن أننا نجد أنفسنا مجرد مشاهدين لها، لنجد أننا أصبحنا ضحاياها بامتياز ومادة غنية لوسائل الاعلام لها..

ما نعرفه أن الدعارة موجودة من القدم، ومنعها مستحيل والاتجار بالبشر تجارة قديمة بدأت من بيع الإماء والرقيق والجواري في أسواق العرب قبل الاسلام وبعده، إلى بيع الجواري البيض في العصر الحديث.. ولكن ان تكون الدعارة كمحض خيار فردي تأخذه الفتاة (رغم معارضتنا له) شيء وأن تجبر الفتيات على ممارسته شيء آخر تماما، الأول لا يمكن حله أبدا لهذا استمر عبر التاريخ ولأن الفتاة التي تتخذ خيارا ذاتيا ببيع جسدها يمكن أن تفعل ذلك في منزلها بعيدا عن أعين الرقابات والدول، أما الثاني فيمكن حله أو على الأقل الحد منه ومنع انتشاره، لأنه يتصل باجراءات ومطارات ودول وجواز سفر وغيرها من الأشياء التي لا يمكن أن تمر دون وجود قوانين بالية تسهل هذا الأمر.

وهنا نصل إلى الجانب المخفي من الخبر..

أولا: لماذا الفتيات اللواتي وصلن إلى الامارات يتم احتجازهن ومصادرة جواز سفرهن، أعتقد أن مصادرة جواز السفر في بلد كالامارات ودول الخليج عموما يتصل بما يمكن تسميته هناك نظام الكفيل، حيث لا يمكنك العمل دون وجود شخص يكفلك ويستطيع هذا الشخص ترحيلك في اليوم الثاني دون اي سبب، مما يعني في النهاية اجبارك على ممارسة مايريد وحيث يريد وطردك وقت يريد..الأمر الذي يجعل من الضحايا لقمه سهلة، خاصة عندما تكون الضحية جاهلة بأساليب القضاء والقانون وحماية الذات وهو شائع في بلدان تعاني تفصا فادحا في المنظمة القانونية، فالمدرسة التي يقضي فيها المرء إثنا عشر سنة في بلدنا لا يتعلم فيها شيئا له علاقة بالقانون وطريقة استخدامه عند التعرض لحالة ما...

إذن الأمر السابق يستدعي تدخلا من الدولة لوقف قانون نظام الكفيل لأنه يسهل بطريقة أو أخرى الاتجار بالجسد واجبار الفتيات وحتى العمال السوريين على الرضوخ لما لا ترضاه كرامتهم في سبيل لقمة عيش ارتهنوا لها.

ثانيا: الخبر يكشف أن الأشخاص المتهمون شكلوا شبكة جريمة منظمة لها امتددات واسعة في بلدان مختلفة ومنها سوريا، مما يعني أن لهم موظفين وسماسرة وأتباع هنا في سورية يعملون لهم، ويساعدوهم على التقاط الفتيات، ولاشك أيضا أن هناك مكاتب متخصصة بالسفر ( تكاثرت كالفطر في السنوات الأخيرة)، أصبحت مجرد طعم لاستدراج الفتيات، الأمر الذي يقتضي البحث هنا عن هؤلاء ومعرفة كيف يعملون؟ وكيف ينشطون؟ وماهي أساليبهم؟ وكيف يغررون بضحاياهم؟ والعمل على توعية الناس بأساليبهم.

ثالثا: الأهم: ما الذي يجعل شبانا في مقتبل العمر يذهبون للبحث عن لقمة عيش في بلدان أخرى، سؤال قديم ولكن لابد من البحث فيه مجددا خاصة في ظل الاصلاحات الاقتصادية الأخيرة التي تقوم بها الحكومة، من فتح المجال العام للدولة للخصصة وتخلي هذه الدولة عن القطاعات التي كانت تدعمها، دون البحث في المفاعيل الاجتماعية لهذه القرارات، هل يمكن الربط مثلا بين "اقتصاد السوء الاجتماعي" وزيادة نسبة الفتيات اللواتي يبعن أجسادهن في شوارع العاصمة وضواحيها، ناهيك عن المحافظات الأخرى التي لايكاد يمر يوم دون وصول خبر عن القاء القبض على شبكة دعارة!!!

رابعا: بالنسبة للفتيات اللواتي أجبرن على ممارسة الدعارة بظروف سيئة أو بإرادتهن ويردن تركها الآن، يجب العمل على تأهيلهن وتأمين فرص عمل لائقة لهن، كي نساعدهن للخروج من هذا المستنقع الذي يمتهن كرامة الانسان ويجعله مجرد سلعة في السوق الكونية الجديدة.

منذ أسابيع تم تدشين مركز لتأهيل ضحايا الاتجار بالبشر في حلب وتم سابقا تدشين مثله في دمشق، وهذا أمر مهم وخطوة في الطريق الصحيح، ولكن الأهم: هو منع حدوث ذلك، منع الاتجار أو الحد منه على الأقل....
منع الوصول إلى لحظة تكون فيها ابنتك أو ابنتي، أختك أو أختي، أخوك أو أخي، صديقك أو صديقي، أنت أو أنا، عرضة لمثل هذه الجريمة..


محمد ديبو، (المخفي من الخبر.. شبكة للاتجار بالبشر)

عن "شوكوماكو"، (1/2010)

0
0
0
s2smodern