الإتجار بالبشر

إن صدور المرسوم التشريعي الخاص بالاتجار بالبشر، يحمل في طياته أملا واعدا بجيل من القوانين المتطورة، يتجاوز ظلاميات النظرة الجائرة للمرأة التي تأيدت مؤخراً بمشاريع لتشريعات لم يكتب لها النجاح. صحيح أنني لست مختصة بالناحية القانونية إلا بما تقتضيه المعرفة والمتابعة التي تخدم قضيتنا في تجاوز النظرة المجتمعية الذكورية، وحالة التمييز القائم على أساس الجنس، إلا أن هذا المرسوم يجعلني متفائلة، لأنه وبامتياز قدم حالة فريدة تكمن في اعتبار الضحية في معادلة الاتجار، لأول مرة ضحية، لا شريك،

ومع أن المرسوم لم يصبح قانونا بعد، إلا أن أحكامه التي قرأنا تفاصيلها مكررا بعناية، خلصت المرأة من جريمة الزنا في مثل هذه الحالة، ولم تقدم لها العقوبة الأشد كما هو الحال في القانون النافذ، وبالرغم من أن المرسوم ليس مختصا فقط بعمليات الاتجار الجنسي، لأنه تحدث عن عمليات غير مشروعة، لكنه ضمنا يشمل هذه الحالة، وبعقوبات قصوى، ومع استخدام كلمة اعتقال للفاعل لمدة أقلها سبع سنوات، هذا يعني أن هذه الجريمة التي أخذت مرتبة الجناية، دخلت ضمن قاموس البلاد، وأعلنت عن وجودها بشكل مرضي يستلزم العلاج السريع والفعال، والذي قد يصل حد البتر، في المجتمع المتهالك استهلاكا. بعد أن دخل الإنسان المستباح في إنسانيته ضمن قاموس السوق، لتطبق عليه كافة آليات الفساد، بدءا بالعمولات وانتهاء بالمقايضة المهينة، لذلك فإن إعطاء أولوية قانونية، لهذه الظاهرة يعد خطوة حضارية جديرة بالمتابعة والتوضيح، و ليست المرأة إلا جزءا من واقع قصد المرسوم الإحاطة به، وشمل الأطفال، مشددا في العقوبة على عملية الاستغلال الجنسي من أي نوع، وحدد المرسوم الجريمة التي تدخل تحت هذا التصنيف بالمادة الرابعة منه، كما يلي :
1- يعد اتجاراً بالأشخاص استدراج أشخاص أو نقلهم أو اختطافهم أو ترحيلهم أو إيوائهم أو استقبالهم لاستخدامهم في أعمال أو لغايات غير مشروعة مقابل كسب مادي أو معنوي أو وعد به أو بمنح مزايا أو سعيا لتحقيق أي من ذلك أو غيره. ‏
2- لا يتغير الوصف الجرمي للأفعال المذكورة آنفاً سواء كانت باستعمال القوة أو بالتهديد باستعمالها أو باللجوء إلى العنف أو الإقناع أو استغلال الجهل أو الضعف أو بالاحتيال أو الخداع أو باستغلال المركز الوظيفي أو بالتواطؤ أو تقديم المساعدة ممن له سلطة على الشخص الضحية. ‏
3 - في جميع الحالات لا يعتد بموافقة الضحية.
والملاحظ في الفقرة الثالثة من هذه المادة، النظرة الجديدة في التعاطي مع المجني عليهم من ناحية سحب الصفة الجرمية عنهم أولا، واعتبار قيادتهم إلى هذا النوع من الأعمال أمرا غير مبرر حتى بالرضا والقبول، ودون اعتبار لشرط العمر، كنقطة بداية متحضرة، لحماية المرأة أولا ضمن واقع معطيات مجتمعنا التي تمثل حالة التكسب من خلال بيع النساء والدعارة هي الأعم تقريبا، وثانيا الانطلاق من تلك النقطة لتغيير النظرة الاجتماعية المتخلفة في التعاطي مع هذا النوع من الضحايا، وهكذا يصبح التعميم الذي استخدم عبارة أعمال أو غايات غير مشروعة شاملا لكل ما تناضل من أجله منذ فترة مواقع ومنظمات مهتمة بمناهضة العنف ضد المرأة والطفل، لأن وحش الاتجار الجنسي خاصة، والمشمول بمواد هذا المرسوم، قد استفحل في مجتمعنا المخنوق ثقافيا واقتصاديا وفكرياً، وهيمنت عليه الانحرافات التي عملنا جاهدين لتسليط الضوء عليها سواء من خلال التركيز على أوكار السياحة الجنسية، أو انتشار ظاهرة القوادين والقوادات، وتنامي نشاطهم بشكل فاضح، نتيجة التفعيل لهذه الأنشطة، والذي تشترك في تصعيده جملة من العوامل أهمها:
1- الظروف الاقتصادية السيئة، وازدياد أعداد المواطنين الذين يرزحون تحت خط الفقر.
2- الوافدون والوافدات، ومشاكلهم الاجتماعية والاقتصادية، وخاصة في ظل ظروف الاحتلال الأمريكي للعراق.
3- انتشار حالات التغرير بالأطفال والمراهقين من الجنسين نتيجة الجهل والتفكك الاجتماعي.
4- انتشار البطالة بشكل واسع، وقصور المنظمات والهيئات المختصة عن أداء دورها في مكافحة هذه الظاهرة، أو خلق البدائل.
5-الفراغ الفكري والثقافي خاصة عند الشباب، وعدم دمجهم ضمن فعاليات بنّاءة لتعويض هذه الحالة.
6- انتشار الأفكار الإباحية والعبثية الجنسية كثقافة دخيلة ليس لها حوامل مناسبة في مجتمعاتنا مما جعلها حالات غرائزية مشوهة لا أكثر.
7- استسهال التكسب من خلال الدعارة تحت مسميات متنوعة، والمردود المادي العالي ضمن معادلة الربح غير المتعب، خاصة بعد سقوط الاعتبارات الإنسانية، وتخلف مجتمعاتنا في التعاطي مع قوانين احترام الطفل والمرأة، لحد اعتبارهما ملكية خاصة سهلة مستباحة.
8- انتشار وسائل التحريض الغرائزي، من خلال الفضائيات الإباحية، ومواقع الإنترنت التي تحمل هذه الهوية، والأفلام التي تغزو الشوارع على البسطات، وفي متناول الطبقة الأكثر جهلاً.
9- حالة الكبت الشديد الناجمة عن المد الديني البديل للحراك على كافة أصعدة المجتمع.
10- الملاهي الليلية ودورها في الترويج للاتجار الجنسي، من خلال السهرات الحمراء التي تنتهي بصفقات من هذا النوع، وشيوع ما يسمى بالسياحة الجنسية، تحت أغطية و سواتر متنوعة.
ومن خلال هذا العرض السريع تتضح أهمية الاستفادة والتمسك من مواد هذا المرسوم، لأنها تستوعب هذه الحالات في قوانينها، وبالعقوبات الشديدة المنصوص عليها، تجدنا متفائلين بإمكانية الحد فعلا من هذا البيع غير الإنساني للإنسان، وسواء كان المقصود التخصص بالدعارة كجزء من هذه التجارة، أو ما يتعداها من حالات الاتجار بالأعضاء، أو تهريب الأطفال، ومع العقوبات التي شملت الشروع بالجريمة بالقدر ذاته للجريمة نفسها، وبعقوبات شديدة أيضا للمشتركين في الجريمة، أو المتسترين عليها حتى و لو ضمن ما يسمى أسرار المهنة، يتبين أن الرغبة في حصار هذه الظاهرة حقيقية وملحة، فبالمنظور العام كل هذا تقدم حقيقي، نتمسك به بشدة ، وهذا حق مشروع لنا لأننا نريد لإنسانيتنا أن تحترم، ولو بالحد الأدنى، خاصة بعد تجربتنا المتشائمة مع مسودات قوانين الأحوال الشخصية وتعديلاتها.


ميس نايف الكريدي، (لأننا لسنا للبيع.. مرسوم لمكافحة الاتجار بالبشر)

عن موقع "الثرى"، (16/1/2010)

0
0
0
s2smodern