الإتجار بالبشر

خادمة آسيوية برفقة عائلة غنية، بات هذا المنظر مألوفاً في البلد، تراهن يرافقن سيداتهن بصمت في الأسواق والمطاعم وأماكن التنزه، خادمات يواظبن على إطاعة أوامر الأسياد الجدد في مشهدٍ يعيد للأذهان عصر العبودية. حقوقهن هي آخر ما يشغل بال رب أو ربة البيت، فالمهم هو إطاعة أوامرهم وتلبية حاجات أسرتهم، أما الخادمة لعلها تجد في أوقات فراغها وقتاً لبعض الدموع تذرفها حزناً على ما آل إليها حالها، كما حال الآلاف من مثيلاتها.

لا توجد إحصاءات رسمية بعدد العمالة المهاجرة
لا توجد إحصائية رسمية بعدد العمالة المهاجرة في سورية، وقد يكون هذا المصطلح –العمالة المهاجرة- غير وارد في سجلات العمل لدى الدوائر المختصة، فمئات الآلاف من العراقيين اتجهوا نحو السوق لاتخاذ صنعة أو مهنة ليعتاش مع أسرته، لم يكن مسجلاً سوى كزائر في سورية، وفي أحسن الأحوال يسجل كلاجئ في المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، إضافة إلى أنه هناك الآلاف من الكرد الذين هجروا مناطقهم في الشمال الشرقي من سورية وذلك بعد انحسار الأمطار وقلة المواسم الزراعية لثلاث سنوات خلت، إضافة إلى عدم وجود فرص عمل في مناطقهم، هؤلاء دفعت بهم الفاقة إلى النزوح نحو العاصمة والمدن الكبرى بحثاً عن فرصة العمل، فتعرضوا هناك للاستغلال إلى درجة كبيرة، فلا يكاد ما يتقاضوه يسد الرمق في سلسة تسارع الفقر وارتفاع هستيريا الأسعار، وإذا اعتبروا كعمالة مهاجرة فإنهم يفوقون الآسيويين والعراقيين بدرجات ودرجات من الانتهاك والاستغلال.

قانون استقدام الخادمات.. هل حل المشكلة ؟؟
منذ صدور هذا القانون وحتى هذه الساعة هل يمكن القول أن مشكلة العاملات المنزليات شهدت انفراجاً عملياً؟ وفي الحقيقة لم يؤخذ من هذا القانون سوى المسألة التي تضمن حقوق الدولة، في حين بقيت حقوق العمالة المنزلية بيد أصحاب المكاتب ومن بعدهم أرباب عملهم، فلا يوجد رقابة حقيقية على ظروف عملهن من خلال لجان مختصة مثلاً، ولعل أبسط الأشياء التي كان يجب على هذا القانون أن يلمحها هو أن يخصص لجنة قانونية اجتماعية تكون مهمتها الإشراف على تحصيل حقوق هذه الفئة. القانون الذي صدر بتاريخ 21/11/2006 عن رئاسة مجلس الوزراء، برقم /81/ بحد ذاته جيد وأبرز ما جاء فيه أنه أنهى الفترة غير الشرعية لعمل الخادمات، وأعطى الصلاحية بفتح مكاتب خاص لاستقدام الخادمات من دول معينة ملزمين أصحاب هذه المكاتب بشروط خاصة وواضحة أبرزها أن يكون عربياً سورياً منذ أكثر من خمس سنوات أو من في حكمه، ولا بد أن يكون من ذوي السير الحسنة، ويلتزم بتنفيذ أحكام هذا النظام الوارد في القانون والمحددة من قبل وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، حيث تمثل الجهة المشرفة على هذا العمل، ومن الشروط التي يجب توافرها في الخادمة أنه يجب أن تكون كاملة الأهلية القانونية وغير محكوم عليها، تنتمي بجنسيتها إلى دولة مسموح استقدام العاملات منها بموجب قرار يصدر عن وزارة الداخلية، إضافة إلى ضرورة أن تكون سليمة من الأمراض المزمنة والسارية، كما يجب على صاحب المكتب تسديد مبلغ /200ألف ليرة سورية/ ككفالة نقدية غير قابلة للإلغاء، وبقيمة خمسة ملايين ل.س وفق الصيغة المعتمدة من الوزارات، إضافة إلى تسديد بدل ترخيص وتجديده.بالإضافة إلى مستندات وأراق تتعلق بالسجل التجاري وسند تمليك عقاري وبيان بالدول المراد استقدام العمال منها.

انتهاكات مختلفة ومشاكل عديدة
إلا أنه وبرغم وجود هذه الشروط، تبقى مشكلة العمالة المهاجرة بأنها معرضة للانتهاكات والمضايقات الأخرى التي قد تصل إلى التحرش الجنسي والاغتصاب، وذلك بسبب سوء معاملة المالك للخادمة، إضافة إلى أن إهمال مكاتب التشغيل للعمال الذي استقدموا عن طريقهم، وغض نظر السلطات عن هذه الانتهاكات دفع بالكثيرات منهن إلى الهروب أو الانتحار وبحسب صحيفة تشرين الرسمية ونقلاً عن مصدر مسؤول في فرع الأمن الجنائي بدمشق أنه من خلال التحقيق مع أولئك الخادمات تبين أن الأسباب التي دفعت هؤلاء الفتيات للهروب من منازل مخدوميهن فبعضهن كانت تهرب لسوء معاملة مخدوميها حيث كانوا يضربوهن ويسيئون معاملتهن فيهربن إلى أي مكان يجدن فيه الطعام والمأوى، ويشير المصدر إلى باتيور لاكون (فلبينية) التي حضرت إلى فرع الأمن الجنائي بدمشق بتاريخ 16/7/2008 حيث شوهد بساقها جنزير بطول حوالي متر ونصف مربوط بأسفل ساقها قفل وقد ادعت باتيور بإقدام صاحب مكتب هرم لايت لاستقدام الخادمات بعرنوس بربطها وضربها على كافة أنحاء جسدها بالاشتراك مع عاملين في المكتب المذكور.
المصدر الأمني نفسه قال إن هروب بعض الخادمات كان بعد اتصالات من زميلاتهن واللاتي كن يشرن عليهن بالهرب، مشيراً إلى ليليا بيلغوا التي دخلت القطر منذ ثلاث سنوات وهربت من منزل مخدوميها لتمارس الدعارة مع عدة أشخاص مجهولين بقصد المال، ويتحدث المصدر عن علاقات تربط تلك الفتيات بسائقي البرادات «ترانزيت» الذين ينقلون الخضر من تركيا إلى الخليج حيث كانوا يبيتون عندهم ويمارسن الأفعال المنافية للأخلاق مقابل المال، ويوضح المصدر أنه تم إلقاء القبض على أكثر من مجموعة من تلك الفتيات التي تبين أن 90% منهن يعملن بالدعارة وقد تم تقديمهن للقضاء المختص.

مكاتب الاستقدام أوكار للوساخة
المصدر الأمني السابق قال عن دور المكاتب التي تقوم باستقدام الخادمات قال إن تلك المكاتب هي رأس الحربة في هذه المشكلة فيقول عندما يتم إحضار مجموعة من الخادمات إلى القطر يتم تجميعهن في إحدى هذه المكاتب حيث يقوم صاحب المكتب بالاتصال بأصحابه ليختار الفتيات الجميلات منهن وفي بعض الأحيان تحت قوة الضغط والضرب، ويضيف إن بعض أصحاب هذه المكاتب استخدموا مكاتبهم أوكاراً للوساخة على حد تعبيره حيث يختاروا من الفوج الذي يتم استقدامه بعض الفتيات الجميلات ويتم إبقائهن في المكتب نفسه تحت غطاء «سكرتيرات».

اليوم العالمي للمهاجر
اعتبرت الأمم المتحدة يوم 18 كانون الأول من كل عام اليوم العالمي للمهاجر، حيث صدرت الاتفاقية الدولية لحماية حقوق جميع العمال المهاجرين وأفراد أسرهم التي أقرتها الجمعية العامة للأمم المتحدة بتاريخ 18 كانون أول 1990 والتي دخلت حيز التنفيذ في حزيران 2003، إلا أنه ما تزال أوضاع المهاجرين في العالم تزداد سوءاً في خضم ازدياد تدهور أوضاع حقوق الإنسان بشكل عام، وتتعرض العمالة المهاجرة النظامية وغيرها للاحتجاز في أماكن تنعدم فيها الشروط الدنيا للكرامة الإنسانية وللمعاملات القاسية والحاطة من الكرامة وللطرد الجماعي والاقتياد إلى الحدود، ويزداد الانتهاك بحق النساء اللائي تتعرضن لشتى أنواع الاستغلال والعنف الجنسي وغالباً ما يقعن ضحية شبكات التهريب والاتجار في الأشخاص وكذلك الأطفال، ويزيد في الطين بلة قلة الدول المصادقة على الاتفاقية /37 دولة/ واستمرار تجاهلها من طرف الدول الكبرى المستقبلة لأكبر عدد من المهاجرين.

قانون العمل السوري
بالرغم أن قانون العمل السوري لا يميز بين العمال السوريين والعمال المهاجرين، إلا أنه هناك حالات عديدة تم فيها ترحيل عمال مهاجرين من سورية، دون إبداء أسباب ترحيلهم والإجراءات التي اتبِعت بحقهم. كما أنه غير واضح ما إذا كان يجوز للعمال المهاجرين الذين أُلغيت تصاريح عملهم طلب إعادة النظر في القرار المتخذ ضدهم، وعما إذا كان يُسمح لهم بالبقاء في سوريا ريثما تنتهي إعادة النظر في هذا الأمر. وتكتفي السلطات المختصة بقول العبارتين "ضرورات الأمن الوطني" و"المصالح الاقتصادية والاجتماعية للدولة".
كما أن سورية لا توضح ما إذا يُكفل عملياً حق أطفال العمال المهاجرين، بمن فيهم العمال الذين ليست لديهم وثائق، في التسجيل عند الولادة والحصول على جنسية. وما إذا كان يٍُسمح لأطفال العمال المهاجرين بالالتحاق بالمدارس، بغض النظر عن وضع إقامة آبائهم، وكيفية تنظيم التحاقهم بالمدارس عملياً، وهل حقوق العمال المهاجرين وأفراد أسرهم، مصانة على الصعيدين القانوني والعملي، فيما يتصل بالوصول إلى الخدمات الطبية في الدولة الطرف.

إجراءات أو مؤسسات لرعاية حقوق العمالة المهاجرة
بحسب الفقرة الأولى من المادة /42/ من لاتفاقيـة الدوليـة لحماية حقـوق جميع العمال المهاجرين وأفراد أسرهم تنظر الدول الأطراف في الاتفاقية إلى استحداث إجراء أو مؤسسة لمراعاة الحاجات الخاصة للعمال المهاجرين، وتتوخى حسب الاقتضاء إمكانية أن يصبح للعمال المهاجرين وأفراد أسرتهم في تلك المؤسسات ممثلون يتم اختيارهم بحرية.
بغض النظر عن مهن العمال المهاجرين، فلديهم حقوق بموجب القوانين الدولية وعليهم واجبات بموجب قوانين البلاد التي يعملون فيها، وعلى كافة الدول الموقعة على الاتفاقية الدولية لحماية حقوق جميع العمال المهرجين وأفراد أسرتهم، إبداء كافة الالتزامات، كما يجب عليها أن تتمتع بالمزيد من الشفافية تجاه الإجراءات التي تتخذها بحقهم، ومعاقبة كل من يسيء إليهم وينتقص من كرامتهم الإنسانية، والتي تكفلها كافة الشرائع الدولية والإنسانية بما في ذلك القوانين السورية، وعلى المؤسسات القضائية والأمنية متابعة كل المخالفات، وتحويل كافة الانتهاكات إلى الجهات القضائية المختصة ليتم إنصاف الجميع.


مسعود عكو، (العمالة المهاجرة في سورية: فقر في الوطن وانتهاكات في المهجر)

عن موقع الثرى، (1/2009)

0
0
0
s2smodern