الإتجار بالبشر

النخاسة، أو تجارة البشر الجديدة وصفتها الأمم المتحدة بأنها وصمة عار، وخزي للجميع، كما أن منظمة التعاون الأمني في أوروبا اعتبرتها أكبر نشاط غير قانوني في العالم، حيث حذرت الأخيرة من أن تجارة تهريب البشر عبر الحدود بين بلد، وآخر قد أصبحت أولى الأنشطة التجارية غير القانونية في العالم بدلاً من الاتجار بالمخدرات، وأن تهريب البشر ينشط مع كل عام لأن المهربين يرون فيه عملية تقل مخاطرها عن مخاطر تهريب المخدرات، ودعت المنظمة إلى تعاون المجتمع الدولي كاملاً من أجل التصدي لهذه الظاهرة، وتقدر الولايات المتحدة عدد الذين بيعوا في أسواق تجارة الرق غير القانونية بأربعة ملايين شخص.

الهروب من الحروب، والكوارث الطبيعية، والإنسانية، الفرار من الفقر، والبحث عن الوعود الكاذبة بالعمل، والثراء كلها أسباب يسلمون فيها هؤلاء الناس أنفسهم للنخاسين الجدد، ورغم أن معظم ضحايا الاتجار بالبشر يسقطون من خلال اختطافهم لكن البعض منهم يرون في ذلك فراراً، وحلولاًَ لمشاكلهم السابقة.

معاناة لا تنتهي، يعرضون بشكل عار داخل أقفاص يباعون عشرات المرات، وفي كل مرة يعملون ليسددوا أثمان شرائهم، يجبرونهم على العمل في الدعارة، والمشاركة في حروب مروعة، أو القيام بأعمال شاقة، ويحظر عليهم النوم إلا لساعات قليلة، ولا يحصلون من الطعام إلا ما يسد الرمق، ومصيره الهلاك من يصاب بمرض، ولا تنتهي المأساة هنا بل يلجأون إلى نزع الأطفال الضحايا الناتجين عن أعمال الدعارة لبيعهم كقطع غيار بشرية.

هكذا يعيش 27 مليون إنسان حول العالم، 80% منهم من النساء، والأطفال. من خلال تجارة البشر التي أمست أكبر تجارة غير شرعية في العالم، حيث تقدر منظمة العمل الدولية (I.L.O) في آخر تقرير لها أرباح استغلال النساء، والأطفال جنسياً بحوالي 28 مليار دولار سنوياً، كما تقدر أرباح العمالة الإجبارية بحوالي 32 مليار دولار سنوياً، وتؤكد المنظمة أن 98% من ضحايا الاستغلال التجاري الإجباري للجنس هم من النساء والفتيات، ويتعرض حوالي 3 ملايين إنسان في العالم سنوياً للاتجار بهم، بينهم 1.2 مليون طفل، وينقل ما يتراوح بين 45 ألفا و50 ألفا من الضحايا إلى الولايات المتحدة الأمريكية سنوياً.

تجارة البشر، تنتشر في معظم دول العالم إن لم يكن في كلها، لكن تختلف من دولة إلى أخرى، وذلك طبقاً للأساليب المستخدمة في هكذا نوع من التجارة، واختلاف أنظمة الأمن في هذه البلدان أدى إلى تضائلها في البعض، ولكن ازدادت في البعض الأخر، وفي العالم العربي تنتشر هذه المأساة في جميع الدول العربية تقريباً، ولكن إدراك المجتمع لها لا يكاد يذكر، بل إن معظم الحكومات العربية لم تتخذ جهوداً فعالة لمواجهتها، أو حتى رصدها، وربما كان التقرير الذي تصدره وزارة الخارجية الأمريكية سنوياً حول تجارة البشر هو الوسيلة الموثقة، والوحيدة التي يمكن اللجوء إليها لرصد هذه المأساة.

حيث كشف التقرير الأمريكي الصادر في عام 2006 عن انتشار الاتجار بالبشر في 139 دولة بينها (17) دولة عربية هي: السعودية، وقطر، والكويت، وعمان، والأردن، ومصر، وليبيا، والمغرب، والإمارات، ولبنان، وسوريا، وتونس، واليمن، والجزائر، والبحرين، وموريتانيا، والسودان، ويصنف التقرير الدول إلى ثلاث درجات وفقاً لجهودها في مكافحة الاتجار بالبشر، فدول الدرجة الأولى تلتزم بأدنى المعايير التي نص عليها قانون حماية ضحايا الاتجار بالبشر لعام 2000 ودول الدرجة الثانية لا تلتزم بأدنى المعايير، ولكنها تسعى في سبيل معالجة المشكلة، أما دول الدرجة الثالثة فلا تبذل جهداً ملحوظاً لمكافحة الإتجار بالبشر.

التقرير الذي جاء في 290 صفحة، تناول ظاهرة المتاجرة بالبشر، والذي حددت فيه أن حجم البضائع البشرية التي تم التعامل بها خلال عام /2006/ بحوالي 800 ألف شخص معظمهم من النساء، والأطفال، وقامت وزارة الخارجية الأمريكية بوضع ستة دول باعتبارها الأكثر تورطاً في هذه الظاهرة، هي : فنزويلا، كوريا الشمالية، إيران، سوريا، والسودان، إضافة إلى المملكة العربية السعودية، وقد تم وصفها جميعاً ضمن المجموعة الثالثة، هذا، والجدير بالذكر أن التقرير الأمريكي الذي قدمته كوندوليزا رايس، قد أطلق على سوريا ، والسودان ، وإيران تسمية (المنطقة القذرة)، كذلك تضمن التقرير بعض البلدان الأخرى، واعتبر التقرير الجزائر بلد ينقل الضحايا إلى أراضيها، ويتعرضون للانتهاكات الجنسية، والعمل الإجباري. كما تستخدم أراضيها في نقل الضحايا إلى أوروبا، ومن الدرجة الثانية أما البحرين فينقل الضحايا إليها للعمل الإجباري، أو الانتهاكات الجنسية، ومن الدرجة الثانية. كذلك الأمر مصر تستخدم أراضيها لنقل الضحايا إلى إسرائيل، ويتم المتاجرة بالأطفال داخل أراضيها للعمل الإجباري، ومن الدول المدرجة في الدرجة الثانية.ليبيا يتعرض الضحايا للعمل الإجباري، والانتهاكات الجنسية، وتستخدم أراضيها لنقل الضحايا إلى أوروبا، ومن الدرجة الثانية، أما موريتانيا فتصدر الأطفال، وتستقبلهم لاستغلالهم في العمل الإجباري، ومن الدرجة الثانية، لكن المغرب اعتبرت من الدول في نقل الضحايا منها، وإليها وعبر أراضيها للاستغلال الجنسي، والعمل القسري، ومن الدرجة الأولى، والأردن ينقل الضحايا إليها، وعبر أراضيها، ويتعرضون لانتهاكات جنسية، والعمل الإجباري، ومن الدرجة الثانية.

أما سوريا فأشار تقرير دعم حقوق الإنسان، والديمقراطية سجل الولايات المتحدة 2005 – 2006"، الذي أصدره مكتب الديمقراطية، وحقوق الإنسان، والعمل في وزارة الخارجية الأميركية في 5 نيسان/أبريل 2006  أنها بلد تتوجه إليه النساء القادمات من جنوب، وشرق آسيا، ومن إثيوبيا في إطار أعمال المتاجرة بالأشخاص الرامية لاستغلالهن في سوق العمل، أما النساء القادمات من أوروبا الشرقية، فكان الغرض من قدومهن إلى سوريا استغلالهن جنسياً، ويشير التقرير أنه لا توجد إحصائيات متوفرة حول مدى، ونوع نشاط الاتجار بالأشخاص المحتمل وجوده في سوريا، إلا أن التقارير الواردة من منظمات غير حكومية، ومن الصحافة أشارت إلى احتمال تعرض النساء العراقيات لاستغلالهن في الدعارة في سوريا على أيدي شبكات إجرامية عراقية، لكن تلك التقارير لم يتم التحقق منها.

الأمم المتحدة طالبت حكومات العالم بتكثيف الجهود لمواجهة ظاهرة تجارة البشر لأغراض الاستغلال الجنسي، أو العمل بالسخرة التي تؤثر على جميع مناطق العالم، أما وكالة مكافحة المخدرات، والجريمة التابعة للأمم المتحدة طالبت في تقرير لها الحكومات بحماية الضحايا، وتقديم من يقفون وراء الظاهرة إلى العدالة، ووجدت الدراسة إن ضحايا الظاهرة من 127 دولة مختلفة ينتهي بهم المطاف للاستغلال البشع في 137 دولة.

التقرير يذكر أن غالبية الضحايا من النساء، والأطفال يتعرضون للاختطاف، أو التأجير من أوطانهم، وينقلون عبر دول أخرى ليتم استغلالهم في "دول المقصد"، كما حذر من تصاعد ظاهرة الاتجار لأغراض الاستغلال الجنسي، وأشار التقرير إلى بعض من "دول المقصد"، ومن بينها ألمانيا، اليونان، وهولندا، فيما يأتي الضحايا غالباً من دول أفريقيا، ووسط وجنوب شرقي أوروبا، ودول الاتحاد السوفيتي السابق، وأمريكا اللاتينية فضلاً عن دول الكاريبي، وينتهي المطاف بضحايا "تجارة البشر" غالباً في دول أوروبا الغربية، الولايات المتحدة، إسرائيل، واليابان بجانب تركيا، وتايلاند، وتشكل كل من ألبانيا، بلغاريا، هنغاريا، إيطاليا، بولندا، وتايلاند نقاط عبور، وفي أفريقيا، حيث منشأ العديد من الضحايا، تقف نيجيريا في مقدمة الدول في تجارة البشر، وتليها بنين، غانا، والمغرب، وينتهي مطاف الضحايا الأفارقة في أوروبا الغربية، وغرب أفريقيا، مما يشير لوجود شبكة إتجار داخلية، إقليمية.

وبحسب التقرير، تلعب آسيا دور "دول المنشأ" بجانب "دول المقصد" ويقول التقرير إن تايلاند، اليابان، الهند، تايوان، وباكستان هي نقاط لشبكات تهريب داخلية، وفيما تقف تايلاند، والصين على رأس قائمة أكثر الدول شعبية في تجارة البشر، تعد الهند، بنغلاديش، كمبوديا، وماينمار كأكثر الدول إنتاجاً للضحايا، ويذكر التقرير أن ضحايا التهريب من آسيا ينتهي بهم المطاف في اليابان، إسرائيل، تركيا، وتايلاند، التي تعلب دور "دولة "المنشأ" و"المقصد" في آن معاً.

التقرير يعد خطوة أولى، وهامة تتخذها المنظمة في محاولة لاستقصاء الملابسات المحيطة بتجارة البشر حول العالم، والوقوف على أسباب، وجذور المشكلة في ظل غياب دراسات، وإحصائيات دقيقة تتناول هذا الملف، نظراً لحساسيته، ولعدم إبداء الجهات المعنية اهتماماً، وجدية كافية به.

المتاجرين غالبيتهم من أصول آسيوية، ومن ثم أوروبية، وذلك بحسب التقرير (60 في المائة منهم من شرق أوروبا، و40 في المائة من غربها) وبرزت كل من ألمانيا، بولندا، واليونان في مقدمة الدول التي تستورد الضحايا من بلدانها الأم في إطار شبكات إجرامية منظمة.

إن أكثر المناطق تأثراً بتجارة البشر هي أوربا الشرقية، وآسيا بحسب تقرير الاتجار غير المشروع بالبشر الصادر عن الأمم المتحدة فقد سجلت تايلاند، والصين أعلى معدل كدول "منشأ"، ويتم اصطحاب معظم الضحايا إلى اليابان، وإسرائيل،وتركيا، الهند، وباكستان، وتسجل تايلاند أعلى المعدلات كدولة منشأ، ومقصد، وأيضاً ترانزيت لتجارة البشر.

أما أوروبا الشرقية فكانت دول المنشأ التي سجلت معدلاً مرتفعاً هي ألبانيا، بلغاريا، ليتوانيا، ورومانيا. بينما كانت بلجيكا، ألمانيا، واليونان من أهم دول المقصد، وأوضح التقرير أن معظم الدول العربية سجلت معدلاً منخفضاً، أو شديد الانخفاض طبقا للمقياس العالمي، باستثناء المغرب التي سجل معدلاً مرتفعاً كدولة منشأ، والمملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة سجلتا معدلاً مرتفعاً كدول مقصد.

كثيرة هي الأسباب التي تقف خلف هذه الكارثة الإنسانية، ولعل أهمها الأوضاع الاجتماعية، والاقتصادية الرديئة التي تمر بها المجمعات في دول العالم الثالث، وضعف التشريعات القانونية، والإجراءات الوقائية، كما أنه تشكل الحروب، والكوارث سبباً هاماً جداً لازدياد هذه الظاهرة التي تزيد من تشرد الأسر، وتدفع بأبنائها لدخول عالم تجارة الرق، والجنس، والبحث عن العمل المهين بأبخس الأثمان خارج الأوطان فراراً من الموت، والقتل، والأخطر في هذا كله هو عدم جدية بعض الحكومات في مكافحة هذه التجارة غير المشروعة، وذلك للأرباح الكبيرة، والعظيمة، والسهلة التي تحققها عائدات الشبكات الإجرامية تحت مظلة السياحة الجنسية، وتشغيل الأطفال، والإتجار بالنساء، والأطفال مما يؤدي إلى قوننة هذه الجرائم في ظل نظام قانوني غافل عن هذه الانتهاكات.

تساؤلات كثيرة حول أسباب هذه المأساة أهمها: كيف يسقط الضحايا؟ وأين دور الحكومات، والمنظمات الدولية والقانون؟ وما موقف الدول من هذه التجارة؟ بالرغم معرفة الجميع أن القضاء على هذه المشكلة يتطلب بالدرجة الأولى تضافراً في الجهود الدولية، والتزام الشفافية في تقديم المعلومات التي من شأنها الحد من عواقب جريمة الاتجار بالبشر، والكشف عن هويات الوسطاء الجناة، وسوقهم إلى العدالة، فضلاً عن ضرورة العمل على استئصال أسباب الفقر في دول العالم الثالث التي يغادرها الكثيرون طمعاً في وضع اجتماعي، ومادي أفضل، أو هرباً من حكم ديكتاتوري جائر، والبحث عن ملاذ أمن للعيش بعيداً عن الحروب، والكوارث المختلفة.

الإتجار بالبشر مأساة إنسانية حقيقية، وجريمة قذرة على الحكومات في كل دول العالم محاربته، وسن قوانين صريحة، وواضحة للحد منه، وإلا فإن استمر الوضع كما هو عليه الأن فإننا سنكون أمام كارثة إنسانية خطيرة جداً تهدد الملايين من الجنس البشري الذين يتعرضون بكل فظاعة إلى شتى أنواع الاستغلال الجسدي، والجنسي ناهيك بأنه ينجم عن هذا الإتجار انحلال لقيم سامية، وانتهاك واضح، وصريح لأبسط الحقوق الإنسانية الأساسية.

مسعود عكو- (الاتجار بالبشر أو الرق مرة أخرى)

موقع الثرى (3/2/2007)

0
0
0
s2smodern