قضايا الأسرة

اليوم قلت لابنتي الصغيرة ما قالته لي أمي قبل ربع قرن تماماً.. مستخدمة نفس التعبير، وذات اللهجة، وبحدة تلك النظرة التي تتقن تصويب الرعب في القلب الصغير: لا تذهبي مع غرباء!

لكن ما يزيدني حدة عن أمي؛ هو استيقاظ ذاكرتي على مشهد من طفولتي، التي تبعد وتنمحي، بينما تبقى مثل هذه الذكرى عالقة في جدار المشاعر، تخدشها لتدق فيها مسمار قلق، وهاجس يحلل الاحتمالات التي كان من الممكن أن تكون..

كنت خارجة من منزلي وعمري لا يتجاوز السادسة.. ما إن ابتعدت قليلاً عن المنزل وإذ بسيارة تقف قربي، ويفتح سائقها الباب ويناديني باسم أبي، يطمئنني بأنه صديقه، ويعرض علي أن أركب معه ليوصلني.. لكني امتنعت متذكرة قول أمي ببساطة تفكير: أني لا أعرف هذا الرجل.. وانطلق في سبيله، لكني لم أره مرة أخرى في حياتي!

هل كان صديق أبي حقاً؟.. هل كان يريد أن يقلني؟ حتى لو كان صديق أبي وعرفته؛ هل من الممكن أن أركب معه؟

وأتذكر تماماً عندما أخبرت أبي عن صديقه هذا؛ كيف رأيت خناجر عرب استُلت من غمد عينيه، ونبهني بأن لا أتحدث مع الغرباء حتى لو قالوا مثل هذا.. ولم أفهم لماذا؟ مثلما الآن صغيرتي لا تستطيع أن تفهم سبب شرر عيني المتوفز الذي تراه وأنا أحذرها من الغرباء.. وأحياناً من الأقرباء أيضاً..

أفكر، وبأسف العاجز، أني لا أقوى على شرح أسباب خوفي لابنتي.. وبأني قد أستطيع أن أشرح لها آلية عمل الكومبيوتر المعقدة ولا أستطيع الإجابة عن معظم تساؤلاتها البريئة حيال خوفنا وقلقنا الدائم عليها..

أفكر.. وأتأمل.. نحن الآن في زمن نذهل لذكاء أطفالنا، ونخشى سطوة وعيهم المتفتح باكراً، والذي يسبق توقعاتنا وتصوراتنا البطيئة.. كيف نصدق فعلاً أنهم سيقتنعون؟كيف نظن أن تساؤلاتهم ستشبعها أجوبتنا المتهرئة؟وهل علينا أن نتركهم لاستنتاجات عقولهم المبنية على عجزنا في توفير حريتهم ؟

أنا أفكر.. وأتحسر.. لأننا نحاول أن نلحق ونواكب جرف التطور العالمي.. التقني والعلمي والثقافي والفني.. حتى ولو على مزلجة التقليد الأعمى، إلا أننا مازلنا نلجأ لأساليب المراوغة القديمة ذاتها عندما نقف أمام مواقف نفسية اجتماعية كهذه.. فنبدأ بالتلفت والبحث عن حفر لندفن بها رؤوسنا، قانعين أنفسنا بأن أطفالنا أبسط من أن يفهموا إلا ما نقول.. كمن يكذب الكذبة ويصدقها. !!. متناسين أن الغرب الذي نتبع تطوره تطور بفضل إعلانه لما نعيبه فيه ونستره فينا.. لقد اعترفوا بالشذوذ وصرحوا به، حتى أنهم أعلنوا عن أسماء المعتديين على الأطفال، ومنعوهم من الاختلاط بهم، وشجعوا الشكوى ضدهم، مبرهنين أن اهتمامهم بحرية أطفالهم أهم من أي اعتبار.

وأنا الآن أفكر وأرجو.. أرجو أن لا تلجأ ابنتي لتحذير ابنتها، بنفس الخوف المقيد الذي يجر عكازات العجز أمامه.. أرجو لجيلها، المتّقد ذكاءً وفطنةً، أن يستطيع نسف جدار الحياء المقنّع، الذي عششت فيه مليون قنبلة موقوتة.. أرجو أن يبني منارات ساطعة ضخمة، تكشف ما يغوص من عميق الشرور، وتتيح لأصائل السفن بالمرور، محمّلة الإنسانية الحقة، لتعبر نحو تطورها وارتقائها الطبيعي..

أرجو وأرجو.
أرجو لك يا ابنتي الحياة الأفضل..



نسرين الخوري، (تفكير أمّ.. رجاء أمّ..)

خاص: مرصد نساء سورية

0
0
0
s2smodern