قضايا الأسرة

يلفت نظرك إعلان طرقي يتحدث عن اختيار أفراد الأسرة جميعهم نوعاً معيناً من الغذاء، أما الصورة المرافقة لذلك الإعلان فتضم إلى جانب المنتج الغذائي صورة الأب و الأم و الصبي و البنت. إعلان آخر يخص الهيئة السورية لشؤون الأسرة، يتحدث عن الأسرة السورية معيداً رسم صورة الأب و الأم و الصبي و البنت!


تتابع الدراما السورية فتراها في كثير من الأحيان، حتى عندما تتحدث عن أسرة تسكن المخالفات أو العشوائيات- بحسب التعبير الدرامي- فإنها- أي الأسرة- تكتفي بصبي و بنت!
نتساءل هنا: هل الهدف من وراء تكريس هذا الأمر يتعلق بالطموح الذي نعيشه لجعل الأسرة السورية مقتصرة على الأب و الأم و الولدين؟
إذا كان الأمر كذلك فنحن أول من نؤيده، و لكن دون أن ننسى السؤال عن موقع ذلك الطموح من الواقع المعيش، إذ في كل يوم يطالعنا نموذج يجعلنا ندرك أن الأسرة السورية التي تتحدث عنها الإعلانات ما هي إلا أسرة افتراضية، و أن وضع الصبي و البنت في الإعلان ربما كان من باب ضيق مساحة الإعلان ليس إلا!
التقيت منذ أيام بأحد أصدقاء المدرسة الثانوية، و بعد السلام و السؤال عن الأحوال انتقلنا إلى موضوع الزواج، ففوجئ الرجل عندما علم أنني لم أتزوج بعد برغم تجاوزي سن الخامسة و الثلاثين!
وعندما سألته عن وضعه أخبرني أنه متزوج مذ كان طالباً في السنة الجامعية الثانية، و أن لديه الآن خمسة أطفال!ابتلعت ريقي، و أمعنت النظر في وجه صديقي الذي يحمل ماجستير في الهندسة الميكانيكية، و يعمل في الجامعة. حاولت أن أجد له مبرراً، فقلت:" من يتزوج مبكراً مثلك من الطبيعي أن يرزق بعدد كبير من الأطفال!"
ابتسم قائلاً:" لا علاقة للأمر بسن الزواج، فالكثير من أصدقائي الذين سبقوني للعمل في الجامعة، و أوفدوا للدراسة و الحصول على شهادة الدكتوراة. عندما عادوا كانت أعمارهم تتراوح بين 33 و 35 سنة، وبعد أن تزوجوا كانت الحصيلة خمسة أطفال بل ستة، فما رأيك؟"
أحس بالكدر الواضح على وجهي، فعاود ابتسامته قائلاً:" الموضوع تتحكم فيه أمور كثيرة لا صلة للعلم و الثقافة بها. في حالتي أنا مثلاً: الابن الأكبر في أسرة فقدت معيلها، تزوجت و لم أرزق بصبي إلا بعد ثلاث بنات، و هذا يعني أنني لن أرتاح و أسلم من تلميحات أمي و أقاربي و الجوار إن لم يصبح لابني شقيق، يعني هناك مشروع ولد سادس على الطريق!"
لم ينتظر تعليقي بل تابع كلامه،" و في حالات كثيرة تلعب الغيرة دوراً مؤثراً."
" عن أي غيرة تتحدث؟" سألت مستفهماً.
" غيرة النسوان!" قالها مبتسماً ثم أضاف،" الحمل و الولادة يتحولان إلى موضوع غيرة عند السيدات. تلك ترى جارتها أو قريبتها حاملاً فتغار و تريد هي الأخرى أن تنجب ولداً جديداً. و هو أمر منتشر كثيراً في مناطق بلدنا الشعبية، و ما أكثرها! ."
ضحك صديقي و هو يهم بالنزول من السرفيس، أما أنا فبقيت غارقاً مع تساؤلاتي: إلى أين سيصل بنا الأمر إن استمر تكاثرنا السكاني على هذا الشكل؟
تذكرت صحافتنا المحلية التي كتبت منذ سنوات عن تعدادنا السكاني الذي كان مماثلاً لتونس في ثمانينيات القرن الماضي، أما الآن فقد وصل عدد سكاننا إلى ضعف عدد سكان تونس!
هل نحن في الطريق إلى انفجار سكاني حقيقي أم ماذا؟


عبادة تقلا، (أسرة سورية نموذجية!)

عن "الثرى"، (12/2009)

0
0
0
s2smodern