قضايا الأسرة

للأسف جرى ما كنا قد توقعناه. فقد أعفيت الأستاذة سيرا أستور من مهامها كرئيسة للهيئة السورية لشؤون الأسرة، بعد المواقف التي اتخذتها الهيئة بشأن مشروع قانون تمزيق سورية إلى دويلات طوائف، وهي المواقف التي أثارت رعب الظلاميين، وقرروا إثر نجاح المجتمع السوري في رد هذه الهجمة الأصولية أنه حان الوقت لمعاقبة الهيئة السورية لشؤون الأسرة على مواقفها تلك، وهو ما سبق أن قلناه في افتتاحية سابقة من أنها "أكلت يوم أكل الثور الأبيض"!

Imageيمكن للأستاذة سيرا بالطبع أن ترد بأن ذلك غير صحيح، وأن الأسباب هي في مكان آخر (شخصي على الأرجح)! فقد اعتدنا مثل هذه الردود والتبريرات.

لكن الواقع الذي تعرفه هي، ويعرفه الجميع، وسبق أن قلناه، هو أنها تتلقى الآن العقاب على "ما اقترفته يداها"!

بالطبع، في هذا البلد لا أحد يذكر ميزات من "يمضي". وسبق لنا أن اختلفنا مع الهيئة مرات عدة. لكن خلافنا ذلك كان دائما على أرضية عملنا من أجل مجتمع أفضل. لذلك نشعر اليوم أن من حق الأستاذة سيرا علينا، ومن واجبنا، أن نقول لها شكرا لكل ما فعلته أثناء وجودها رئاسة الهيئة السورية لشؤون الأسرة. وهو ليس بالقليل. وبالطبع، ما فعلته ليس فعلا فرديا، بل هو فعل جماعي لكل من كان مهتما بالهيئة بالعمل من أجل مجتمع أفضل..

في الواقع أن الهيئة أنجزت العديد من القضايا الهامة خلال هذه الفترة التي قادتها فيه الأستاذة سيرا أستور. منها خروج مشروع قانون حقوق الطفل، ومنها خروج مشروع صندوق النفقة والتكافل الاجتماعي، ومنها أيضا، وربما أهمها، التوصيات التي صدرت عن المتلقى الوطني حول جرائم الشرف والتي شكلت نقطة مضيئة يتيمة في تاريخ الحكومة السورية فيما يخص موقفها من هذا الموضوع، ومنها أيضا عدة دورات أجريت لضباط شرطة حول حقوق الطفل، ونشاطات أخرى مختلفة لا تقل أهمية.
إضافة طبعا إلى الموقف الذي تدفع الأستاذة سيرا الآن قسطها الخاص من ضريبته، وهو موقفها الصريح والواضح (وإن كان غير المعلن) ضد المشروع الطائفي العنصري الأسود.

أما ملاحظاتنا على الهيئة وعملها، خلال الفترة نفسها، فقد سبق لنا أن أشرنا إليها في حينها على صفحات "مرصد نساء سورية".

لكل ذلك، وددنا أن نقول للأستاذة سيرا أستور: شكرا لكل الجهود التي بذلتيها خلال فترة وجودك في الهيئة، وكنا نتمنى لو أنك لم تختاري عدم الإعلان عن مواقفك من كل ذلك، وبالتالي أن لا تسمحي للمضللين أن يلعبوا باسمك واسم غيرك من الهيئة على نحو سيئ. ونعتقد أن ذلك كان أفضل للهيئة، ولك شخصيا. لكنه خيارك في النهاية. فشكرا لك.

أما د. إنصاف الحمد، التي باتت اليوم رئيسة للهيئة السورية لشؤون الأسرة، فلا بد أن نقول لها: أهلا بك. نحن ما زلنا نطرح الشراكة مع الهيئة في كل عملها. وهي شراكة موجودة أصلا موضوعيا بغض النظر عن الإرادات. لكن الإرادات المفعلة للشراكة سيكون لها أثر أفضل بكل تأكيد.

إن أمامك اليوم، وأمام الهيئة، ملفات أساسية لا معنى ولا مبرر لوجود الهيئة ما لم تعمل بكل جدية وشفافية أيضا على إنجازها. وهي ملفات سوف تكون دائما موضع اهتمامنا. منها:
- العمل على إخراج مشروع قانون حقوق الطفل من صيغته كمشروع لتحويله إلى واقع قانوني. دون السماح لمن يرغب بتحويله إلى كتلة مائعة بلا هوية أن ينفذ مآربه المؤيدة للعنف ضد الأطفال.
- العمل على إنجاز مشروع قانون صندوق النفقة والتكافل الاجتماعي، وتحويله أيضا إلى واقع قانوني، وأيضا هنا دون السماح لمؤيدي العنف والتمييز ضد المرأة أن يتسللو عبر تصوراتهم الذكورية ليخربوا هذا المشروع من داخله.
- العمل على الخطة الوطنية لحماية المرأة من العنف، التي سبق أن أنجزتها الهيئة ولكنها تنام في الأدراج. فبدون هذه الخطة، وإعلانها، وتبنيها، والعمل على تحقيقها عبر استراتيجية وطنية لحماية المرأة من العنف، لا معنى أصلا لوجود الأسرة، ولا هيئة لشؤونها. فأسرة تقوم على العنف والتمييز ضد المرأة هي ليست بأسرة، بل مرتع للعنف والتمييز والتخلف والتفكك.
- العمل على صياغة مشروع قانون الأسرة، ليكون بديلا عن "قانون الأحوال الشخصية"، وبحيث يبنى على اعتبار جذري هو المواطنة، ويتستظل بمفهوم المساواة على أساس المواطنة الذي يلغي كل "الحقوق" التمييزية، ويطور الحقوق المواطنية لكل من الرجل والمرأة في سورية. كما يأخذ بالحسبان دائما مصلحة الطفل على أنها المصلحة العليا في أي اعتبار أسري. ويدمج بوضوح الاتفاقيات والإعلانات التي وقعت عليها سورية وصادقتها، وعلى رأسها: الإعلان العالمي لحقوق الإنسا، اتفاقية مناهضة كافة أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو)، اتفاقية حقوق الطفل.
- العمل الجاد والعلني لضمان رفع الحكومة السورية لكافة تحفاظاتها على اتفاقيتي سيداو وحقوق الطفل، وإعمال الاتفاقيتين في القوانين السورية المختلفة.
- العمل على تحقيق توصيات الملتقى الوطني حول جرائم الشرف، وخاصة إلغاء المادة 548 من قانون العقوبات السوري (التي حملت اسما جديدا التفافيا هو: المرسوم 37 لعام 2009)، وإصدار حظر قضائي على تطبيق المادة 192 من القانون ذاته فيما يخص "جرائم الشرف"، إضافة إلى التوصيات الأخرى الصادرة عن المتلقى.
- العمل للضغط على وزارة الأوقاف بهدف إيقاف أي رجل دين يدعو إلى العنف ضد المرأة أو الطفل، مهما كانت ذرائعه ومبرراته، وحرمانه من أي منصب أو عمل على تماس مع الجمهور.
- إعادة الاعتبار للحملات الإعلانية الطرقية المناهضة للعنف ضد المرأة، والطفل، والتلاميذ. فهي وسيلة فعالة لإيصال رسائل إلى المجتمع ككل. ولولا أهميته الفائقة لما عمل دعاة العنف والتمييز على إلغائها وضمان عدم تكرارها.
- إعادة بناء شبكة العلاقات الإعلامية للهيئة بعيدا عن التصورات الضيقة لهذا الشخص أو ذاك، وعلى أساس الإعلاميين/يات الداعمين/ات للعمل من أجل مجتمع أفضل، فهم الشركاء الحقيقيون لتحقيق أهداف الهيئة بمجتمع أفضل.
- إيقاف تدخلات جهات حكومية أخرى في عمل الهيئة. وهي الجهات التي عملت منذ تأسيس الهيئة على تخريبها وتهميشها، ليس فقط بسبب معاداة هذه الجهات لأهداف الهيئة، بل أيضا لمصالح شخصية انتهازية لبعض المسؤولين/ات عن هذه الجهات.

إن هذه المهام جميعها، وغيرها، على طاولة د. إنصاف الحمد اليوم بعد أن صارت رئيسة للهيئة السورية لشؤون الأسرة. وعملها في منصبها هذا ينصب تحديدا على إنجاز المهام المتعلقة بتحسين الوضع الداخلي، القانوني والمؤسساتي والواقعي، فيما يخص عناصر الأسرة الثلاثة: الرجل، المرأة، الطفل. وبالتالي فإن النجاح في تحقيق تقدم ملموس على هذه المحاور هو المعيار لنجاح الهيئة، بما في ذلك رئيستها.

ونعيد التذكير، أن مرصد نساء سورية يقف دائما إلى جانب العمل على تحقيق التقدم المنشود، آخذا في الحسبان كافة الملابسات المتعلقة بأن الهيئة السورية ليست جهة مدنية، بل هي جزء من الحكومة، بكل ما يفرضه ذلك من صعوبات. إلا أن هذه الصعوبات لا يمكن أن ترقى  إلى مستوى تخلي الهيئة عن أهدافها، أو تحويلها إلى مجرد واجهة فارغة، أو صرف الجهود والأموال في أماكن بعيدة عن أهدافها الحقيقية.


بسام القاضي، (شكر لسيرا أستور.. ومهام أساسية أمام الهيئة السورية لشؤون الأسرة)

خاص: نساء سورية

0
0
0
s2smodern