قضايا الأسرة

(خ.ي) إحدى حالات الزواج المدني التي التقيتها، هي مسلمة تزوجت من مسيحي، الزواج بالنسبة لها ولزوجها لم يكن قراراً اعتباطياً خاصة مع الوعي والمعرفة لما ينتظرهما بعد هذا النوع من الزيجات، أو حتى ما يرافقها من مشكلات تطال الزوجين، ففي حال كان كل من الطرفين متجاوزاً لموروثه الديني، هل يتجاوز ذلك المجتمع ممثلاً بالأسرة والبيئة.
 
في تجربة كل من (خ.ي) و(ع) لم يكن المجتمع بعيداً عن التدخل والممانعة لقرار يمس حياتهما فقط، ومسببات التدخل عديدة وأبسطها المثل الشعبي المعروف (اللي بياخد من غير ملتو بيموت بعلتو).
يقول (ع): (تعرفت على "خ" في مطلع التسعينيات وتزوجنا في أوائل عام 2000، الزواج بالنسبة لي كان متأخراً ونتيجة ضغط اجتماعي من والدي، اتخذت قراري لأنها تناسبني، وعندما تزوجت كان عمري "42" عاماً كنت ناضجاً، وأعرف ما أريد، أسرتي لم تعترض لأنهم يعرفون أني ناضج، وأن هذا قراري لأنها حياتي أنا بالنهاية).
المجتمع .. ضربة استباقية:
غير أن الممانعة كانت من جهات أخرى كما يقول (ع): (اعترض أصدقائي في قريتي على الزواج، رغم أني لست الحالة الأولى في القرية، وإنما يوجد العديد من الحالات الأخرى، وسبب الاعتراض أن هذا الخيار الذي اتخذته سيشجع أولادهم على مثل هذا القرار، وهم يفضلون ألا يفتح المجال لهذه الحالات، لأن هذا سيسبب لهم مشكلات فيما بعد مع أولادهم).
رغم ذلك اتخذ (ع) قراره، وتم الزواج في حفل بسيط في الكنيسة بإكليل دعوت إليه أناساً من القرية نفسها منهم من عارض هذا الزواج، وحضره البعض كشهود على هذا القرار وعلى هذا الزواج.
في حال رغبنا بلعب دور محامي الشيطان، ربما سيكون الحال بعد الزواج بتبني وجهة نظر المعترضين على الزواج نفسه بسبب اختلاف البيئة والعادات والتقاليد والطقوس والفرق بين الحديث النظري والحياة الفعلية.
بالنسبة لـ(خ) ما حدث بعد الزواج هو صورة عما حدث قبله من ممانعة أسرتها، الممانعة ترسم أشكال متوافقة مع الانتماء، فهي ابنة رجل قروي من إحدى المحافظات السورية لم يعارض زواجها، في حين أن والدتها السيدة الدمشقية المتدينة رفضت ولا تزال ترفض هذا الزواج.
تقول (خ): (كان الخوف عندي أكبر، يوم الزواج حاولت أن تكون كل أسرتي موافقة، والدتي رفضت الزواج كذلك أخي، في حين وافق والدي وأختي وأخ آخر لي وعمي وأبناء عمي، أما أخي الذي رفض الموضوع عرفت بعد العرس أنه كان يريد اللحاق بي لافتعال مشكلة بقتلي أو ضربي، غير أن أبناء عمي منعوه عن ذلك، ولا تزال العلاقات مع الأسرة منقطعة، أزورهم غير أنهم يرفضون زيارتي).

أين الحل في الكنيسة أم الجامع أم البرلمان؟
التكليل في الكنيسة كان مخرجاً كما يقول (ع): (كان الخوري فيها منفتحاً ليتفهم أن هذا الزواج كان سيتم بشكل أو بآخر لذلك تمم الزواج بورقة عمادة كعضو لزوجتي "خ" في الكنيسة، وهو إجراء شكلي لتسهيل إتمام الزواج ولإيجاد مخرج، وهذا تسامح من قبل الكنيسة).
ورقة العمادة هي مشكلة لزوجته (خ) اليوم لأنها تعني الردة، والردة في الإسلام أمر محسوم بالنسبة للبعض، تقول (خ): (في البداية خفت لم أجرؤ على الخروج من المنزل وتركت وظيفتي، خشيت أن ينتظرني أحد أفراد أسرتي وأتعرض للأذى منهم، لذلك قمت بعمل مراسلات معهم).

ضد القانون؟!
عمل من هذا النوع يعتبر تمرداً على الأسرة الذكورية في المجتمع الشرقي، وعلى الشرف الذي يعتبر ذكورياً وتعتبر المرأة إحدى أدواته. تضيف (خ): (رفض أخي الحديث معي لأني "بنت" أولاً ولأني خريجة جامعة بعكسه هو غير متعلم).
كل من (خ) و(ع) يؤكدان أن (علاقتهما الزوجية ممتازة لأنها غير خاضعة للموروث الديني، غير أن هذا الموروث الديني يعود إليهم بأشكال مختلفة خارجية للتدخل. منها الأسرة ومنها المجتمع الذي لا يحمل شيئاً في قوانينه لتنظيم هذه الحالات).
لذلك المعاناة لم تكن من داخل المنزل بقدر ما هي من خارجه ومن القوانين فكل من (خ) و(ع) بعرف المجتمع يعتبران غير متزوجين، وبالنسبة لـ (خ) الأمر أصعب كما تقول: (المرأة تعاني أكثر لأنها توضع عليها علامة لأنها لا تحمل دفتر عائلة ولأن الزواج لا يثبت في السجلات المدنية في الدولة وبالتالي لا تتمتع بإجازة أمومة، وفي حال أنجبت الولد لا يسجل لأن زواجها غير شرعي بمنظور المجتمع).
ولكن وبالعودة للقانون فإن حالات زواج المسيحي بالمسلمة تتم في حال أشهر إسلامه وهذا حل آخر يعتبر قانونياً وفقاً للشريعة التي يستند إليها التشريع والقانون.
يقول (ع): (تزوجنا بالكنيسة ولم يثبت بالدولة، وثيقة العمادة هي "لفة" على القانون، لماذا التعقيد؟، وفي حال أسلمت، وهي ليست بمشكلة من حيث المعتقد بالنسبة لي، ولكن هذا يعني من منظوري لقراري بالزواج أني أفقد قيمة قراري وموضوعي، نحن نريد مواجهة المجتمع بقرارنا وإذا تحايلت على قوانين الدولة بإشهار إسلامي، أكون كمن لم يفعل شيئاً، أنا ضد هذه القوانين لأني علماني).
وبالنسبة لـ(خ) ترى فرقاً بين الفكرتين (فهناك فرق بين من يقدم على زواج ليثبت أنه حر باختياره والدين لا يؤثر، ولأثبت هذا الموضوع ممكن أن أسلم أو أن أصبح مسيحية، والفكرة الثانية هي إمكانية الزواج مع المحافظة على الدين لإثبات إمكانية نجاح الزواج بين شخصين من دينين مختلفين).
(ع) يطالب بمناقشة الموضوع في المجتمع، وفي مختلف مؤسساته بما فيها مجلس الشعب، لإيجاد مخرج لهذا الموضوع لكي تعيش هذه الأسر دون هذه المشكلات الإدارية البسيطة، يضيف: (نحن نعيش حياة زوجية مستقرة وناجحة، والسؤال لماذا لا يسجلوننا رسمياً ولماذا هم ضدنا؟ ليبحثوا الموضوع).

حدث:
وكانت الحكومة السورية قد استبدلت الهويات القديمة التي كانت تسجل ديانة حامل الهوية، بهويات جديدة لا تسجل ديانة حاملها، وهي خطوة عدها البعض تحركاً إيجابياً بالاتجاه المنطقي والصحيح.
وسبق لسوريا أن استقبلت العديد من الوفود الكنسية الغربية للاطلاع على تجربة التعايش الديني والإخاء، ويعتبر مفتي سوريا في هذا المجال الدكتور (أحمد بدر الدين حسون) من رجال الدين البارزين في سوريا بالانفتاح الفكري والديني.
وبالوقت نفسه في سوريا تعتبر المؤسسات الدينية نفسها بمنأى عن الحديث عن الزواج المدني أو التدخل به، وتعد بالوقت نفسه الزواج الذي يتم بالشكل العادي بين طرفين من دين واحد زواجاً مدنياً وذلك من خلال لقاءات قمنا بها مع عدد من رجال الدين المسلمين والمسيحيين، علماً أن كلاً من الجهتين لا تمنح بركتها لهذا الزواج، وعلى سبيل المثال تعتبره كل من الجهتين زواجاً باطلاً، ومن خلال المشايخ والكنيسة إن صح التعبير يعقد القران، فيما بعد لا علاقة لهما بالزواج وكل الأوراق تحول للسجلات المدنية التي تعترف أولاً وآخراً بالزواج بناء على القانون، القانون هو قانون الأحوال الشخصية المستمد من الشريعة الإسلامية والفقه الإسلامي. والذي (ينص على زواج المسلمة بالمسلم فقط أو بالمسيحي بعد أن يشهر إسلامه).
رغم ذلك وربما فوق القانون أو خارجه يوجد في سوريا حالات زواج مدني تنتظر التثبيت، التقينا بعض هذه الحالات التي تود عدم ذكر أسماء أصحابها حفاظاً على السرية والتي قد نتابعها في تحقيق آخر.


سهى مصطفى، (ارتددت عن ديني.. لأتزوجه مدنياً..!!)

عن مجلة "أبيض وأسود"، (5/2009)

0
0
0
s2smodern