قضايا الأسرة

السيدة " ليندا " مسنة في السبعين من عمرها، تركها أبناؤها " الأطباء " وحيدة، فحنا عليها ابنها " المعتوه " الذي حاول (بحسب قدراته العقلية) رعاية أم بكت فرحا بنجاح أبنائها في يوم من الأيام.
ذات الدموع عادت، فبكت وبكت قهرا وحزنا، وبكى معها جسد امرأة جفت دماؤه، فجلست وحيدة في بيت مؤلف من ثمانية غرف تحولت إلى " مكب للنفايات "، جلست بصمت دوى بصمته المكان.
في شارع من أفخم شوارع حلب تعيش، في بيت تركه زوجها الذي رحل ورحل معه ضمير أبناء أصغرهم يحمل شهادات تملأ الجدران، أبناء تعلموا الطب ونسوا الانسانية، فكانت إنسانية شقيقهم " فاقد الأهلية " وسام يفوق بإنسانيته تلك الشهادات.
وبدأت القصة بمجموعة شكاو تقدم بها جيران السيدة "ليندا " التي تقطن في حي " محطة بغداد " بحلب حيث تحدث الجيران عن رؤيتهم لامرأة مسنة يخرجها ابنها عارية على شرفة المنزل، فتابع عكس السير الشكوى وكانت المفاجأة..

برد قارس.. ومسنة عارية على الشرفة
وقال أحد الجيران لـ عكس السير " رأيت السيدة المسنة أكثر من مرة يخرجها ابنها إلى الشرفة عارية، يغسلها بالماء، ويجلسها على كرسي عارية، قبل أن يدخلها مرة أخرى ".
وقالت إحدى الجارات " كان المنظر فظيعا، المسنة كانت ترتجف من شدة البرد ".
وتقدم سكان الحي بشكوى لدى قسم شرطة العزيزية، قامت دورية من القسم على إثرها بإحضار ابن المرأة المسنة، إلا أنهم أطلقوا سراحه لأنه " فاقد للأهلية ".

أبناؤها " أطباء " ولكن..
وعلم عكس السير ان السيدة " ليندا " تقطن في مبنى ورثته عن زوجها، وأن لديها ثلاثة أبناء درسوا الطب في إحدى الدول الأوروبية، وان أحد أبنائها يعيش في نفس المبنى.
وقالت إحدى الجارات " جميع أبنائها أطباء، وأحدهم يعيش في نفس المبنى لكنه لا يكلف نفسه حتى أن يسأل عن أحوال والدته ".
وتابعت " ويعيش الثاني في بيت مجاور للمبنى، أحواله المادية ممتازة، ولكننا لم نعرف حتى الآن سبب هجرهم لوالدتهم ".
ويعمل الابن " فاقد الأهلية " طوال النهار، يجمع بعض المال ليشتري الطعام له ولوالدته ويعود إلى المنزل، فينظف ما يحاول تنظيفه ويجلس بقرب المدفأة التي تكون مطفأة في معظم الأحيان.
وعلقت إحدى الجارات " هذا المعتوه أفضل من هؤلاء الأطباء، يعتني بوالدته، يعمل لأجلها أما الباقون فهم أطباء ولكن.. " وقطعت الدموع حديثها فسكتت.

محسنة تتدخل
وحاولت إحدى المحسنات التدخل لحل مشكلة السيدة " ليندا " واقترحت ان تقوم بنقلها إلى إحدى دور الرعاية التي تفاعلت مع القصة وقبلت استقبال السيدة " ليندا "، لكن أحد أبنائها رفض إخراج والدته من المنزل، ففشلت محاولات المحسنة.
وطلبت السيدة المحسنة من الكنيسة التي تتبع لها عائلة السيدة " ليندا " التدخل، فتقدم المطران " يوحنا جنبرت " بطلب إلى محافظ حلب طلب فيه السماح بتفويض المحسنة لاستلام السيدة " ليندا " والإيعاز لمن يلزم لتسليمها لها لكي تستطيع نقلها إلى دار للمسنين، بحسب الكتاب.
وقالت المحسنة " لم يرد المحافظ على الكتاب، بل ترك للمطران حرية التصرف ".
ومن جهته قال المطران " يوحنا جنبرت " لـ عكس السير: " أحلنا هذا الموضوع إلى اللجنة الاجتماعية في الكنيسة وهو قيد المتابعة ".
وتابع " لا نستطيع ان نفرض على الأبناء أن يكونوا رحيمين مع أمهم، سنحاول مساعدتها بنقلها إلى دار للمسنين ".
خبير نفسي " هؤلاء الأطباء يشكلون خطرا على المجتمع "
وقال الأخصائي بعلم النفس " أحمد عيسى " لـ عكس السير: " بحسب معطيات الموضوع نستطيع ان نؤكد أن هؤلاء الأبناء يعانون من شخصية مرضية هي على الأغلب " anti social " أي الانعزالية والعدوانية وعدم نضج في الضمير ".
وتابع " هناك عدة عوامل تؤدي لإصابة الانسان بهذا المرض تتعلق بطبيعة الأسرة التي نشأ فيها، وطبيعة المجتمع الذي عاش فيه ".
وأضاف الخبير النفسي " هؤلاء الأطباء(أبناء السيدة ليندا) يشكلون خطرا على المجتمع، فطبيعة هذا المرض تجعل الإنسان عدوانيا، قد يؤذي أقرب الناس إليه، وتحتاج معالجة هذا المرض إلى فترة طويلة، وهي غير موجودة في سوريا، لذلك يكون الحل على الأغلب بالحجر ".
يذكر أن أحد أبناء السيدة " ليندا " حاول قبل عامين تقريبا ذبح زوجته بالسكين، إلا ان الزوجة نجت حينها، وذلك بحسب إحدى جارات السيدة ليندا.
وعن تأثير المرتبة العلمية للمريض وعلاقتها بهذا المرض قال الأخصائي النفسي " إن الدراسة والمرتبة العلمية لا علاقة لها بهذا النوع من الأمراض، فالعلم ينمي المعرفة لكنه لا ينمي الضمير، وكثيرا ما نواجه من خلال عملنا أشخاصا من مرتبة علمية عالية، إلا أنهم يعانون من هذا المرض، ولعل هؤلاء الأطباء (أبناء السيدة ليندا) هم أفضل مثال ".

مدير مرصد نساء سوريا " لا يوجد قانون يعنى بالمسنين في سورية والمجتمع المدني يتحمل جزءا من المسؤولية "
وقال مدير مرصد نساء سوريا " بسام القاضي " لـ عكس السير "لا يوجد قانون يعنى بالمسنين في سورية.. لكن الثغرة الأساسية هي أنه يجب أن يلحظ القانون تدخل الحكومة مباشرة في العناية بالمسنين، وتحمل مسؤولية اتخاذ قرار نقله إلى دار مسنين في حال الحاجة إلى ذلك، خاص حين يهمل الأبناء مصير أهلهم".
وتابع " كما يشكل قانون الجمعيات في سورية عائق أساسي أمام عمل منظمات المجتمع المدني، بضمنها المنظمات والجمعيات العاملة في مجال رعاية المسنين، وطالما بقي هذا القانون على ما هو عليه، فلا يمكن تأمل الكثير من تلك المنظمات ".
وأضاف " لكن ذلك لا يغفر للجمعيات العاملة في هذا المجال تقصيرها، فمن المفترض أنها جمعيات غير ربحية، وبالتالي يجب أن يكون لها دور ما في التعرف على المسنين أصحاب الحاجة، والوصول إليهم، والتعامل معهم بما في ذلك نقلهم إلى الدور المخصصة في حال الحاجة إلى ذلك ".
وختم " القاضي " بقوله: " جزء آخر من المشكلة أن هذه الدور (دور رعاية المسنين) تكلف كثيرا جدا، بحيث أنها ليست في استطاعة إلا قلة قليلة من الناس، يجب أن تكون رعاية المسنين جزء من نظام الحماية والضمان الاجتماعي، وليس فقط للقلة الثرية ".
يذكر ان السيدة " ليندا " لاتزال تحت رعاية ابنها " فاقد الأهلية " تعيش " عارية " وابنها، لا تستطيع الحركة أو حتى الكلام، بانتظار تدخل جهة " تنقذها " من أبناء هجروها وهجروا معها أخا " فقد عقله " لكنه لم يفقد ضميره.


علاء حلبي، {أطباء يهجرون والدتهم المريضة "مقعدة "..وأخوهم " فاقد الأهلية " يعتني بها}

عن عكس السير، (2/2009)

0
0
0
s2smodern