قضايا الأسرة

أخذت الهيئة السورية لشؤون الأسرة على عاتقها مهمة التنسيق بين الشركاء الحكوميين وغير الحكوميين للقيام بما يخدم قضايا الطفولة في سورية، ولا يخفى أنها أحرزت تقدما أهّلها لتحتل كرسيا في الأمم المتحدة.

 فعلى مدى خمس سنوات أي منذ تأسيسها استطاعت المشاركة و القيام بالكثير من المؤتمرات الهامة المتعلقة بالأطفال كالمؤتمر الوطني تحت عنوان (حماية الطفل في مناهج التعليم العالي) وشاركت في أعمال المؤتمر الوطني الأول حول الطفولة، وأعمال المؤتمر الوطني لحماية الطفولة عام 2004 ، وغيرها وقدمت خطة وطنية من أجل حماية الطفل، في عام 2005، وأقامت برلمان للطفل وشاركت في ملتقى الأطفال العرب الذي أقيم في دمشق ووضعت استراتيجية للطفولة المبكرة.. الخ.
 
وكان لها بعض النتائج الملموسة:
- إلغاء التحفظات الواردة على المواد 20-21 من اتفاقية حقوق الطفل المتعلقة بالأسرة البديلة وكفالة اليتيم..
- عملت على تعديل بعض التشريعات القانونية المتعلقة بالأطفال كفرض عقوبات مشددة بحق كل من يقوم باستغلال الأطفال في المادة (493)، ورفع المحاسبة على الجرائم من عمر السبع إلى عشر سنوات.ورفع سن عمل الأطفال من عشرة إلى خمسة عشر عاماً، ومنع زواج الأطفال حيث عدلت الهيئة المادة القانونية في الأحوال الشخصية المادة (16) وساوت بالعمر بين الصبي والبنت ليصبح ثمانية عشر عاماً. وغيرها من قوانين تتعلق بالوصاية للمرأة.
- في مجال الصحة: كان هنالك تحسن ملحوظ بالأرقام من حيث الانخفاض في معدلات وفيات الأطفال والأمهات، وبرنامج التلقيح الوطني حيث بلغت نسبة الأطفال الذين استكملوا جميع اللقاحات 87,8% عام 2006 حسب إحصائيات المسح العنقودي متعدد المؤشرات الثالث في سورية. وغيرها كثير في هذا المجال تحديدا .
- في مجال التعليم: ازداد عدد رياض الأطفال من 1180 في عام 2000-2001 ليصبح 1638عام 2006-2007 . ودمج التعليم الابتدائي والإعدادي ضمن التعليم الأساسي المجاني والإلزامي حتى خمسة عشر عاماً وإدخال مفاهيم حماية الطفولة المبكرة في الكليات ذات الاختصاص ..
- في مجال الخدمات الاجتماعية: ساهمت الهيئة في الشراكة مع الجمعيات الأهلية لتتغير من مفهوم العمل الخيري إلى العمل التنموي القائم على الحقوق, بالإضافة إلى محاولات لدمج الأطفال المعاقين والاهتمام بهم.

وماذا بعد؟
هذه جولة تتعلق بما فعلته الهيئة على أرض الواقع لكن تساؤلنا يتعلق بمدى أهمية وفعالية الخطط والمؤتمرات والاستراتيجيات التي وضعت، والتي شكلت حركة لا بأس بها لكن لم تتحقق بعد ومنها ما لن يتم تحقيقه نظرا للحاجة إلى تكامل من جميع الجهات والمستويات لم تتوفر ولن تتوفر بالسهولة المتوقعة.
وإذا أردنا تقييم عمل الهيئة فإننا سنلمس التحسن في مجال الطفولة لكن هذا التحسن لا يوازي الخطط والمؤتمرات والاستراتيجيات وما أنفق لأجل هذا التغيير في عالم الأطفال والذي لا زالت الهيئة السورية لشؤون الأسرة تعتبر أن العمل لأجله هو عمل لأجل التنمية ولأجل بناء مستقبل الوطن!! فتقول في مقدمة تقديمها لعملها من أجل الطفولة:
"انطلاقا من مبدأ التنمية البشرية أولاً... فان للطفولة مكانها الحقيقي في عملية التحول.. والتطوير.. وتحقيق التنمية المستدامة، فالأطفال هم مستقبل الوطن، لذلك يصبح من المهم توفير متطلباتهم الأساسية.."

 وهذا يشكل تناقضا لمقدمة اتفاقية حقوق الطفل والتي يؤكد مدربي هذه الاتفاقية على أن تطبيق اتفاقية حقوق الطفل وإعطاء الطفل حقوقه ليس لمبدأ انه المستقبل ولا لأنه مهم في عملية التنمية بل علينا أن نعطيه حقوقه لأنه إنسان ولأن للطفولة قيمة بحد ذاتها وهو مبدأ متعلق بحقوق الإنسان بعيدا عن أنه مستقبل وبعيدا عما سنجنيه منه يوما وهذا يحمل في طياته الكثير فلماذا نعطي حقا لطفل مريض مرض موت سيعيش لأشهر ربما فهو ليس للمستقبل وليس مهما في التنمية؟! هنا وأمثلة كثيرة وأقوى نستطيع أن نؤكد ما تعني اتفاقية حقوق الطفل التي صادقت عليها سورية عام 1993 والتي تحمل مفهوم الحقوق للمواطن والإنسان.
 ولا يخفى أن سورية قد صادقت على الكثير من الاتفاقيات المتعلقة بالطفولة تصل إلى عشر اتفاقيات منذ عام 1947 حتى 2008 ما يعني أن سورية أصبحت ملزمة بتعديل قوانين كثيرة وهذا تابع لإرادتها الحرة فهي التي صادقت على جميع تلك الاتفاقيات وهذه المصادقة تضعها أمام حل لا خيار بديل له وهو تغيير القوانين وإيجاد قوانين للطفل أو بالأحرى أن تبرح مشاريع القوانين وخصوصا المتعلقة بالأسرة والطفل الأدراج لتأخذ الشكل العلني لأنه لا معنى من التباطؤ في عملية تغيير وتعديل القوانين.

وبالعودة إلى الهيئة السورية أيضا ما ورد في تقديمها لما قامت به بخصوص الطفل ذكرت في باب التقدم الملحوظ أنها عملت على إزالة التحفظات عن المادتين 20-21 من اتفاقية حقوق الطفل وأبقت على التحفظ الموجود على المادة 14 وذلك بحسب ما ذكرت "لاعتبارات لها علاقة بالنظام العام" مع أن المادة 14 تقول:
1- تحترم الدول الأطراف حق الطفل في حرية الفكر والوجدان والدين.
2- تحترم الدول الأطراف حقوق وواجبات الوالدين.. في توجيه الطفل في ممارسة حقه بطرقة تنسجم مع مقدرات الطفل المتطورة.
3- لا يجوز أن يخضع الاجهار بالدين أو المعتقدات إلا للقيود التي ينصّ عليها القانون واللازمة لحماية السلامة العامة أو النظام أو الصحة أو الآداب العامة أو الحقوق والحريات الأساسية للآخرين.

لم يفهم معنى الاعتبارات المتعلقة بالنظام العام والتي تؤيدها الهيئة هل في احترام الدول حق الطفل في فكره ودينه ووجدانه انهيار للنظام العام؟ وهل في احترام حقوق وواجبات الوالدين في توجيه الطفل تعدي للنظام العام؟ ألم يطرح البند الثالث احترام القيود المتعلقة بالنظام والسلامة والصحة والآداب؟!
ما معنى التحفظ على مادة في الاتفاقية نحن لسنا ضدها في مختلف أعمالنا وقوانيننا؟

وفي محور آخر أين التقدم المتناسب مع ما طرح ومع الإمكانيات المادية الموضوعة تحت خدمة الطفولة وحق الأطفال إن كانت ما تزال هنالك أسوأ أشكال عمل الأطفال في سورية وبأرقام مخيفة وما تزال هنالك حواجز قانونية تحول دون إيجاد مراكز حماية للأطفال بعيدا عن السجون للمتشردين والمتعرضين لأنواع العنف المختلفة وأهمها الاستغلال الجنسي؟!
التسرب من المدارس وعمل الأطفال والتشرد والعنف بأنواعه والاستغلال بأنواعه.. وتجاوز الكثير من الحقوق للأطفال كلها يعاني منها المجتمع السوري وبقوة نلحظها جميعا لا بل الإحصائيات الوطنية تعترف بها.

ختاما لقد حققت الهيئة تقدما ملحوظا لكنه ليس كافيا بل بطيئا بالموازاة مع الإمكانيات التي وضعت وبالتوقعات المترقبة من عمل الهيئة المميز في بداياتها من حيث الشراكة والاعتراف بالجمعيات الأهلية والتي تعمل بالحقيقة مع المجتمع.


رهادة عبدوش، (المنسق الوطني في مجال الطفولة: الهيئة السورية لشؤون الأسرة بين النظرية والتطبيق)

خاص، نساء سورية

0
0
0
s2smodern