قضايا الأسرة

يولد الإنسان صفحة بيضاء.. تخط عليها آثار ما يشاهده في منزله وما يقول الجيران وتقوله المدرسات وتلاميذ المدرسة.. وأثناء امتلاء هذه الصفحة تتشكل شخصية الطفل (والسنوات الخمسة الأولى التي يمر هي الأهم، )لكنها تظل تتطور وتتغير.. وتؤثر في هذه الشخصية الظروف والعوامل التي يمر بها هذا الشخص..

بنظرة بسيطة حولنا نرى الأشياء والمتغيرات التي تؤثر بأولادنا (مدرسة – جيران – أصحاب وهم الأكثر تأثيراً)، ناهيك عن الستالايت الذي يعد سلاحاً ذي حدين، لكننا نرى اليوم أن الحد السلبي هو الذي نشط وتغلب في تأثيره على الطفولة المبكرة، إذ يعلم الأطفال العنف والقوة العدائية.. كذلك محطات الأغاني الهابطة والخلاعية التي تأخذ الكثير من وقت المراهقين.. وتدخل على مجتمعاتنا كثير من العادات الغريبة المنبوذة..
وهؤلاء المراهقين بنظري شريحة مهمة وقد تكون الأهم لأنها تمثل الموجة القادمة من مجتمعنا وتعود عليهم بالكثير..

هناك أقاويل تتردد على مسامعنا أن هذا الجيل لا يشبه الذي قبله.. أما الجيل القادم فـ(الله يستر)! يعني كل ما تقدمت الأيام زادت أمور الشباب سوءاً، وقل الاحترام وصغرت وتقزمت القيم! ولا أقصد هنا أن يكون هذا الجيل نسخة عن الجيل الذي قبله.. فالتطور واسع، والتغير مطلوب، وإلا كيف ستسير سفينة وطننا إلى الأمام؟! لكن ما أقصده هو  أنه يجب أن يكون التطور الإيجابي هو السائد.. التغيير الشامل المطلوب يجب أن يحافظ أيضا على عاداتنا وقيمنا ومبادئنا. وتحقيق ذلك يتطلب كثيرا من سعة الصدر من الأهالي الذي عليهم أيضا أن يكونوا أهلا ومرشدين وقدوة لأولادهم، يستوعبون كل ما يدور حولهم، ويتعاملون معهم بشكل متوازن، فإذا حاسبناهم على كل غلطة صغيرة بشكل جذري وقاطع وحاسم أدى ذلك إلى غضب الشباب وابتعادهم، بينهما هم في مرحلة البحث عن الذات وعن الهوية الداخلية عن انتماء قوي لهم..

ويعبر الشباب عن إحساسهم أن لا احد يفهمهم. وهم حساسون بإفراط تجاه كل ما يحيطهم. لذلك لا بد أن يجدوا في البيت، عند كل من الأم والأب، القدرة على أن يقتربوا من الشاب. لكن الواقع أن الحسم والصلابة، إضافة إلى المشاكل العائلية المنتشرة والتفكك الأسري، هي أو ما يحكم هذه العلاقة بين الشاب وأهله، مما يتسبب بابتعاد الشباب بسرعة عن أهلهم، لاجئين إلى أصحابهم! من حسن حظهم أن يجدوا رفقاء خير وجيدين وصالحين.. ومن سوء حظهم إذا كانوا رفقاء سوء يجذبونهم إلى طريق سيء (بنظرهم قد يكون مريحاً ورائعاً يملأ كل ثغرات حياتهم) فقد يجرهم ذلك إلى التدخين والارتياد الدائم لمقاهي الانترنت والابتعاد عن الدراسة والمطالعة وعن الأرضية الدينية التي تردعهم عن كثير من امور السوء.. وتظهر نتائج هذه المرحلة المدمرة بعد سنوات.. عندها يتساءل الأهل: لماذا حدث ذلك؟! لماذا كل هذه النتائج الرهيبة؟! بينما السؤال الذي يجب أن يوجهه الأهل لأنفسهم: أين كنا حين احتاجنا أبناؤنا؟!
عادة يحتج الأهل بمشاكل ومسؤوليات الحياة، وأولها وأصعبها الوضع المعاشي الصعب الذي يرتب هموما (اكبر من أن نجلس ساعة نستمع لرومنسيات وأحلام وأفكار ابننا.. وتقلباته)!

هناك شريحة أخرى من الأهل تتابع أولادها، وتتفهم أوضاعهم، وتراجع المدرسة بشكل دوري للتعاون معها في متابعة أبناءها..

ونجد أيضا شريحة ثالثة من الأهل تريد أن يكون أولادها صورة عنها، تربيها كما تربوا هم تماما: بنفس القساوة والحزم! متناسين أن ما كان يصح لزمانهم لا يصح تماماً الآن! وقد تكون لأولادهم ردة فعل معاكسة عما يرغبون لهم!

وتقابلها شريحة من الأهل اللذين أصبحت لديهم ردة فعل على حزم وصلابة أهلهم، فيلجؤون إلى تعويض كل الكبت والحرمان الذي ذاقوه، بترك الحرية المطلقة لأولادهم، بحيث تتسرب أمور أولادهم من بين أصابعهم كما يتسرب الماء.. ويصير المراهق بلا حسيب ولا رقيب ولا رادع من شيء وكل شيء مباح..

سألت ابنتي البالغة من العمر 14 سنة عن أسوء أنواع الأهل برأيها؟ فقالت: أولئك اللذين (بيكرهوا الواحد عيشته)! يعني الطفل مخنوق معهم .. الشاب مخنوق.. أين ذهبت؟ لا تذهب؟ ما في سهر! ما في أصدقاء! ما في طلعة! ما في فوتة! يسمح صديقك الفلاني بزيارتك مرة بالشهر!.. الخ. يعني أصبح القيد ثقيلا.. والموت ارحم مما يترتب على هذه القيود..

وأما ابنتي البالغة 17 فقالت: أرى نوعين سيئين جداً: احدهما أم تشجع ابنتها على الحرية السلبية بغير قيود، نتيجة كبتها عند أهلها.. ونوع آخر أن يكون الأبوان في خطان متعاكسان: الأب رأيه وقساوته يجب أن تكون مفروضة، والأم تغار من ابنتها وتعاملها بسوء وتحرمها من ابسط حقوق الأنثى من ناحية، ومن ناحية أخرى متساهلة بالنسبة لأصدقاء ابنتها ودراستها وحرية حركتها.. أي أن تعيش الشابة بين قطبين متعاكسين (ماء بارد – ماء حار).. كان الله في عونها.
الحرص على الشباب يحتاج إلى اللطلف والتفهم والحوار.. والشاب يتحول في تلك الشرائح التي تحدثنا عنها سابقا إلى "قنبلة موقوتة" قابلة للانفجار في اي وقت.. وربما هم يصرخون: اين أنتم يا مجلأنا؟! ما أصعب أن نضطر للقول: لو أنكم.. لما كنا.. ليس ذنبنا..


غادة صلاح جمول، (آباء.. وأبناء.. إلى أين؟!)

خاص، نساء سورية

0
0
0
s2smodern