قضايا الأسرة

خمس سنوات ارتبطنا فيها, كانت سنوات للدراسة والحب والعبث, سنوات مضت لم نشعر بها أمضيناها معا في الدراسة, لم نترك شارعا ولا حديقة إلا طبعنا عليه أجمل ذكرياتنا, تقاسمنا خبزنا ومصروفنا الذي كان بالكاد يكفينا, وأحيانا كثيرة طعامنا الذي كنا نجلبه من بيوت أهلنا..

أفكارنا الحرة والطامحة بمستقبل ينتظر ارتباطنا جعلنا نصبح اقرب إلى بعضنا, وأصبحت بدوري لا أستطيع الاستغناء عن وجودها إلى قربي, كان يكفيني في حال سفرها إلى أهلها ان اكتفي بسماع صوتها, وهي بادلتني نفس مشاعر الحب والتفاهم.

مضت السنوات الخمس بسرعة ووصلنا إلى مرحلة التخرج, وكان إحساسي يزداد يوما بعد آخر بأنها هي من ارغب بأن امضي حياتي معها كما أمضيت هذه السنوات الخمس بكل سعادة..

اقترب الفحص النهائي لتخرجنا, واتفقنا على الخطوبة ثم الزواج سريعا, رغم وضعي المادي السيئ,  فانا لازلت طبيب أسنان متخرجا لتوي, واحتاج إلى الكثير من المصاريف لأكون قادرا على فتح عيادة لأبدأ بها مشواري المهني, وكذلك هي فقد اتفقنا سويا بعد التخرج ان نعمل معا وسويا..

وبدأنا بأول خطوة لجعل ارتباطنا رسميا وأمام الجميع, ولن أخبركم عن أول زيارة لي إلى منزلها لأتعرف على أهلها, علما أنها كانت زيارة تمهيدية لزيارة الأهل الرسمية طلبا ليدها من أهلها كما سرت عليه العادات والتقاليد, ولم يكن حال أهل نهى بعيدا عن حالة أهلي المادية وهذا جعلني اشعر بالراحة.

كانت زيارتي الأولى لهم  كنوع من الاستجواب والتحقيق عن كل ما يخطر ببال أم العروس, علما أنهم في صورة علاقتنا منذ فترة, ويعرفون عني كل شيء بما فيه كم زوجا من الأحذية امتلك!!

ولم تتوانى والدتها منذ الزيارة الأولى ان تضعني على كرسي الاعتراف وتسألني عما أملك؟ وكيف سأعيش؟  وكيف لنا ان نتدبر امورنا؟

وكنت عند سؤال واستفسار انظر إلى نهى معاتبا بنظرات لم أتبادلها معها يوما, وكأني اسألها وأجيب عنها بنظراتي: "الم نتفق على أن تضعيهم بصورة كل شيء لنّوفر على بعضنا الإحراج والمشقة؟!"

ومضت تلك الاجرءات التقليدية وأخيرا جاء أهلي وتم طلب الخطبة وتمت خطوبتنا عندما لبسنا محابسنا, ولن أخبركم عن مدى سعادتي بهذه الخواتم,  فقد شعرت ان نهى الآن قربي, أكثر من أي وقت مضى..

لم يمض شهر على خطوبتنا حتى بادرتني والدتها في إحدى زياراتي لهم عن ضرورة الإسراع بالارتباط والزواج, علما أننا كنا قد  اتفقنا عند الخطوبة على الارتباط بعد سنتين على اقل تقدير, وكانت حجة الأم بأن ألسنة الجيران بدأت تتلكم عنهم بالسوء, وكم استغربت هذا الحديث, فقد ارتبطنا بعلم الأهل لخمس سنوات وخارج محافظتنا, ولم يكن هناك من مشكلة, والآن عند خطوبتنا أصبح ارتباطنا الرسمي مشكلة!!

كان فرض الزواج السريع علي أمرا صعبا, فانا لم أتحضر لهذه المصاريف بعد, وكنت لازلت في  خضم سعادة ارتباطنا الوردي..

بدأت باستجماع أفكاري فقد كان علي ان ابدأ البحث عن منزل للأجرة لنسكن به, وفاجأني أخي الأكبر بأن استأجر لي منزلا رخيصا وصلت أجرته إلى 6000 شهريا وقد دفع لي أجرة ستة اشهر مقدما هدية عرسي, وبذلك أصبح المنزل جاهزا..

حملت هذا الخبر إلى محبوبتي وكنت احلم بأني سآخذها من يدها ونذهب سريعا لنعاين حلمنا الصغير..

ولكن كانت هناك الأم ومن جديد.. لتذهب معنا وتعاين حلم ابنتها.. الذي حولته إلى حضيض عندما بدأت برشق التهم والتعليقات الغير مرغوبة على سوء اختياري للمنزل فلم يعجبها لا المنزل ولا المكان الذي يقع فيه وكأنها هي التي ستسكن في المنزل وليس ابنتها..
لم اعر لتعليقاتها اهتماما بقدر ما أقلقني صمت نهى عن المنزل..
لماذا لا تعطي رأيها؟ ولماذا كل هذا الهدوء..
لم أفكر بالموضوع فقد اعتقدت حينها ان نهى تحاول تجنب أي اصطدام مع والدتها..
خطوات جديدة باتجاه ارتباطنا.. كان أولها الاتفاق على الشكليات التي تترافق مع عقد زواجنا
وكانت هذه الشكليات هي نفسها الإشكاليات التي كادت ان تودي بارتباطنا..
بدأ حلمنا يتلاشى من بداية هذه شكليات هذه الارتباط..
رغم ان أول جملة تلفظ به الأهل بين بعضهم: "اعتبروا البنت بنتكن  واللي بتفصلوه هي بتلبسوا"
وكان أولها: الاتفاق على شراء الذهب.. وفاجئني طلبهم  بمبلغ (50000) ألف ليرة على الأقل, وأنا لا أملك مما طلبوا قرشا واحدا..

حاولت إقناع والدتها باعتبار ان نهى فضلت الصمت كعادتها بأن الذهب شكليات لا طائل منها وان نكتفي بقطعة ذهبية إلى جانب الخواتم, ولكن كنت كمن يوقد النار في الهشيم, فما طرحته كان بمثابة إهانة للعائلة حسبما أوضحت أم نهى..

وكان المنقذ هذه المرة هي والدتي التي خلعت من يدها سوارا ذهبيا قديما لم أتذكره إلا وهو في يد أمي, لتقول بأنها خبأتها لهذا اليوم  ولم ترى أي غضاضة من طلب أهل نهى واعتبرت الذهب قيمة لهم ولابنتهم  بعكس ما نظرت للموضوع تماما..
 فما نفع الذهب إذا كنت لا أملك  ثمنه؟
وان كنت سأجعل من أمي تبيع ما ملكته لأكثر من أربعين عاما, لأجل ما تعتبره نهى وأهلها.. قيمة, وأية قيمة هذه؟!
وكيف لنهى ان تقبل بهذه الإجراءات؟!

 حاولت ان أناقشها بان هذه الأمور لا تقدم شيئا في ارتباطنا العزيز على قلبينا, وفاجأتني وربما صعقتني بطريقة تفكيرها تماما.. فقد كنت أتكلم في واد وهي في واد آخر تماما,  فما اعتبره شكليات كان برأيها يساوي مقدار ما أكنه لها من حب وتقدير!!

وتم شراء الذهب الجديد, ببيع الذهب العتيق.. وعدنا إلى ما تبقى من شكليات, او حسب رأيهم قيمة لهم ولابنتهم..

حاولت ان اشتري ما تيسر لي خلال ستة اشهر من عملي ضمن عيادة خاصة كوني أجلت مشروع فتح العيادة بعد إنجاز مشروع زواجي, فاشتريت غرفة للنوم سيئة الصنع, وضمن إمكانياتي المتواضعة جدا,  بعد ان رفضت نهى ان نؤجل شراء الغرفة إلى ما بعد الزواج, وحاولت شراء النذر القليل بعد إقصاء الكثير من قائمة طلبات نهى وأهلها, وكنت عند كل زيارة لها اشعر بأنها تبتعد عني فكريا لتتمسك بقيم وعادات لم تعتد هي أصلا على الخوض بها, فهل هي حقا نهى التي عرفتها طيلة خمسة سنوات, عدا عن اكتشافي الأخير بأنها ضعيفة او ربما معدومة الشخصية بوجود أهلها وعلى الأخص والدتها..

وأصبح منزلنا شبه جاهز بعد مرور أكثر ستة اشهر على السعي لتأمين أولويات منزل جديد, مع العلم ان أهل نهى لم يساهموا بقرشا واحد او أي مساعدة مادية تخص منزل ابنتهم الجديد, إلا عدة قطع ذهبية تم إهدائها لها ضمن خطوبتنا..

ولم يتبق على موعد زواجنا إلا عقد القران والاتفاق على المهر من مقدم ومؤخر صداق, وكنت استبعادا لأي مفاجئة قد اتفقت مع نهى وبشكل جاد ولا يقبل النقاش على ما سيتم الاتفاق عليه عند قدوم كاتب المحكمة لعقد القران..

وكانت الطامة الكبرى, وربما كان الذنب ذنبي,  فقد كان علي ان أخمن ان نهى ضعيفة الشخصية أمام أهلها, وان ما اتفقت به معها قبل ساعات ذهب مع الريح..

فقد اتفقت معها عل تسجيل مقدم مقبوض (100000) ومؤخر صداق بمثلها تماما وكان اتفاقنا ان رابطنا هو في النهاية اطهر وأغلى من أي مبلغ يتم وضعه على ورق..

وكانت سعادتي حينها عارمة لأنها عندما تكون معي تعود نهى طبيبة الأسنان الواعية والمثقفة والتي لا تنحدر إلى مستوى الشكليات..

ولكن.. وكما نوهت ذهب اتفاقنا هباء عندما استلم الجلسة الأم والأخ الأكبر لها باعتبار ان والدها متوفى.

 وحين سأل كاتب المحكمة عما اتفقنا وقبل ان أتفوه بكلمة كان صوت أخاها الأكبر ينطق بما التف به رأسي, وكان علي الصمت والقبول لان أي اعتراض في تلك اللحظة, كان من الممكن ان يؤثر على أهم إجراء في ارتباطنا الذي فقد كل قدسيته واحترامه لدي..

لم اشعر أثناء عقد القران إلا أنني ضمن جلسة مالية لإحدى بورصات الأسهم, فقد سجلوا علي مؤخرا بمليون ليرة ومقدم مقبوض بـ (100) ليرة سورية فقط..

لفني دوار, وابتعدت بنظراتي عن أهلي وأخوتي فقد غدوت بنظرهم صغيرا جدا عندما أخبرتهم بأنني اتفقت مع نهى..

انتهت تلك التمثيلية ولم اشعر حينها إلا بثقل ينوء على كاهلي, وإعدام لكرامتي التي أهدرت عند تفريط نهى لها.. نهى التي منحتها قلبي وحبي وثقتي وكل ما املك وهي لم تكن بقادرة على منحي أي إحساس بالمسؤولية او حتى احترام اتفاقنا باعتبارنا أصبحنا للان زوجا وزوجة..

نهى التي ارتبطت معها لخمس سنوات تبادلنا خلالها أسمى العواطف والمشاعر الإنسانية, ودون ان نفكر كم هو خطير ما نقدم عليه لوجود ثقة عمياء بمشاعرنا واحاسيسننا.. ولكن حين الزواج أصبحت كأي فتاة تتزوج زواجا تقليديا وتتمسك بكل ما يفقد هذا الزواج من مضمونه.. وكأنها تتعامل مع رجل غريب  تعتبره فرصة لها.. عليها ان تقتنص منه كل قرش يستطيع تأمينه لزواجها..

بقيت لمدة أسبوع غير قادر على النظر في وجه نهى ولا حتى سماع صوتها, ولكن شوقي الساذج أعادني إلى حضها راضخا مشتاقا لوجهها, لكن هناك شيء ما في داخلي يجعلني اخفي شيئا يشبه الحقد..

وتحسنت العلاقات العائلية من جديد, وقبل أسبوعين من ارتباطنا النهائي المزعوم, فاجأتني والدتها من جديد بأنني قد نسيت ان أعطي نهى ثمن ملبوس؟!
وماهو الملبوس يا نهى؟
 وهل أنت عارية من الثياب؟!
وهل عليك ان تشتري ثيابا جديدة وأنت اعلم بوضعنا وما آل إليه حالي؟

حينها فقط لم يتلعثم لسان نهى كعادتها أمام أهلها,  بل على العكس أخذت تستحضر لي قصصا وأمثلة عن صديقاتها من هنا وهناك.. وهي على علم بالحالة المالية المزرية التي وصلت إليها, ولكن لم يعنى لها ذلك شيئا, وكأنها امرأة أخرى غريبة عني تماما..

حصرت عقلي كثيرا لأجد أحدا لم استدن منه بعد.. وكان لي صديق ان عرض علي مبلغ عشرون ألفا شرط أن أرد المبلغ له بعد ستة اشهر سبع وعشرون ألفا, وكان علي القبول لأنهي هذه المهزلة..

وكرجل مغلوب على أمره أعطيت النقود لنهى والتي لم تتوانى عن صرفها كلها في يوم واحد, وما أثار حفيظتي أكثر أنها لم تشتري لي أي شيء من هذه النقود..

وحين قلبت ما اشترت من أغراض راودني شعور سيء سرعان ما طردته من ذاكرتي, وهو ان هذه الأغراض لا تساوي قيمتها عشرون ألفا..
فأين ذهبت النقود إذا؟!

انتهت كل ما فرضته علينا عاداتنا وتقاليدنا البالية, ولم يتبق إلا يوم غد لأخذ زوجتي إلى منزلنا مع فواتير طويلة من الديون التي كلفنا به ارتباطنا..

كنت اجلس بهدوء, وأفكر بما مر علي من هذه التجربة.. وبما أقرأ واسمع  بأن النساء يطالبن بالحرية والمساواة بين الرجل والمرأة  في كل شيء, لكن بدون التنازل عن أي موروث اجتماعي!..
ان النساء ينتقدن المجتمع والقوانين والأعراف, وهن الأسرع إلحاحا لتطبيقها وعلى أنفسهن أولا..
فكيف لهن برفض مالا يتناسب مع تفكيرهن والأخذ فقط بما يناسب عقولهن؟..
إذا كانت نهى الطبيبة المثقفة والمطلعة تعود أدراجها لتتزوج كما مثيلاتها الغير متعلمات, فلن ألوم والدتها أبدا عندما وضعت شروطا معينة لابنتها التي أصابها الصمم, ولم تعد تسمع نداء العقل والمنطق والواقع!

وكيف لي أنا كرجل ألا انظر إلى المرأة التي تعاملت معي بمادية إلا كقطعة من قطع هذا المنزل,. الذي كلفتني هي أيضا أكثر من غرفة النوم وأكثر من أي غرض من أغراض المنزل..
أفكر الآن مليا ان أتعامل معها بلؤم وحقد شديدين..

أفكر ان أحاسبها ابتداء من يوم غد,  وهو أول يوم لزواجنا عن كل قرش تصرفه هنا وهناك..
سأجعلها تبدأ بالعمل فورا لتساعدني بهذه الديون المتراكمة, بل لتحمل جزءا كبيرا هي كانت سبب وجوده في بداية حياتنا, والتي كلفتني تنازلا عن كبريائي وكرامتي أمام الجميع, عندما بدأت بالاستدانة من هنا وهناك..

سأجعلها تدفع ثمنا غاليا مما اعتبرته مهرها وقيمة لها ولأهلها ..

لقد أصبحت لدي قناعة الآن ان مشكلتنا ليست فقط في القوانين بقدر ما هي مشكلة في طريقة التفكير.

ومشكلة الزواج ليس بوجود المهر كشرط أساسي للزواج بقدر ما هو مشكلة أساسية لازالت المرأة غير قادرة على تجاوزه وإهماله واعتباره كان لم يكن..


ربا الحمود، (هل المشكلة في عاداتنا أم في ضالة تفكيرنا) عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

خاص، نساء سورية

0
0
0
s2smodern