قضايا الأسرة

يلتقي أبناء الأديان والمذاهب المختلفة في كلّ مكان، فهم جيران، أصدقاء، زملاء عمل أو دراسة.. في أجواء كهذه لا يمكن تجنّب حدوث حالات الحبّ بين مختلفي الدّين، وهذا أمر طبيعيّ ووارد لأنّ الحبّ لا يعرف دينا ولا مذهبا، والعلاقة مع الله تبقى علاقة شخصية وليست عامة،

 لكنّ المقدمين على هذا الزّواج يصطدمون بعوائق قانونية واجتماعية واقتصادية كثيرة لها أثارها عليهم وعلى الأولاد، لقد وضعنا مجموعة من الأسئلة- لإلقاء الضوء على هذه الحالات كأمر واقع يجب معالجته- الجزء الأول من الأسئلة: يتمحور حول الأسباب الاجتماعية لرفضه التي تصل إلى حدّ قتل النساء المقدمات عليه، والصعوبات التي تواجه هذا الزواج وأسباب فشل كثير من العلاقات، وهل ت/يقبل زواج أبنائهم من مذاهب مختلفة، وكيف يتمّ التعامل مع أسئلة الأولاد بخصوص الدّين.. كانت لدينا مجموعة من الإجابات الهامّة لأشخاص مختلفين دينياً وعمرياً،وفي عدد أولادهم، وتجربتهم.
 
 الذكور ليسوا رجالا
 السيد "ب" وزوجته السيّدة"إ" يعتقدان أنّ الصّعوبات التي يواجهها هذا النوع من الزواج تأتي بسبب حدّة الاستنكار الاجتماعيّ له، والمقاطعة الاجتماعية التي تقع على الأسرة، وأحياناً يتمّ اتّهام ذكور العائلة بأنهم"ليسوا رجالا"و"من حقّ البعض استباحة عرضهم"، ويضيفان بأننا إذا تخلصنا من العشائرية فيمكن أن نتخلص من كثير من المشكلات، فالفرد حين يخرج من طائفته يبدأ بتطوير أفكاره ويتقدّم بالنقد ويثق بذاته، ويكوّن قناعات جديدة، وتأيّدهما لهذا الزواج من أجل تحقيق إنسانية الإنسان ما دام الزوجان اختاراه، فهو يطوّر المجتمع، ولا يبقيه أصولياً، وبذلك يمكن أن نتحوّل نحو المدنية، وإذا تكاثرت هذه الزيجات سيخفّ تأثير وتدخّلات رجالات الدّين، وهو ما سيعزّز قيم المدنية وفصل الدّين عن الدولة.. أمّا العلاقات التي لا تنتهي بالزّواج فهي تقدّم صورة سيّئة عن زواجنا الجديد، وتساهم في تمسّك الرافضين له بكلّ ما هو سيّء بخصوصه،وهؤلاء كمن يقول بمبادئ معينة ويتصرّفون بعكسها وهي حالة شائعة في بلادنا، وأحيانا تلعب التربية دورا هاما في عدم نجاح العلاقة أو تكون مشاعرهم غير متبلورة، وهناك الخوف وعدم الجرأة إذ لا بدّ أن يحمل هؤلاء-كما يؤكدان- مفهوم الثورة في داخلهم حتى تنجح علاقتهم..
 
أما إمكانية معارضة هذا النوع للزّواج بالنسبة لأولادهم، قال السيد "ب"،إننا لا يمكن أن نعارضه، لأنه أبسط حقّ في الاختيار للبشر، وأوضحت "إ" إنها لم تشعر بمعاناة كبيرة فأسرتها التي تملك وعيا متقدّما "يساريّا" لم تتخلّ عنها، ووقفت إلى جانبها، إنما أتت المعاناة من معطيات أخرى، أوّلا: مشكلة تغيير المذهب وتقول رغم أنني لست مؤمنة إلا أنّ قانون الأحوال الشخصية يجبر الفرد على أن ينتمي لمذهب ما، ثم هناك المحاكمة الأخلاقية المجتمعية التي ترفض قطعاً هذا الزواج، بدءاً من الأهل والقاضي والمحامين، وعقّب السيد "ب" إنّ الرفض أتى من الذين مع الزواج المدنيّ أو الموافقين عليه..!! وقد لعبوا "بدهاليز القانون" لمنع هذا الزواج، وتعرّضنا للتوقيف مدّة شهر ونصف، هي بسجن النساء وأنا بسجن الرجال الذي رأيت فيه قاع مجتمعي لأوّل مرة فقد كنت فيه بين مجرمين حقيقيين، ومن يتعاطون الحبوب، وهناك اللوطيون والقتلة ومجرمو اغتصاب المحارم، وغير ذلك.. واكتشفت أنهم يدخلون ويخرجون دائماً من السجن، قد نراهم في حياتنا اليومية ولكن لا نعرفهم..!! وأنا أتساءل من يحقّ له سجنّنا لأمر لا يحقّ لأحد التدخّل فيه!! لم نخرج إلا برشوة القاضي، وادّعى القاضي بأنّ السجن من أجل حمايتنا من القتل!! ورغم قولي لمحاميّ الخاصّ أنّ الفتاة في سجن النساء أريد أن أتزوّجها،إلا أن حرباً كانت تدور بين المحاميين، فكلّ منهما "يحمل عنّا المسؤولية دون أن نطلب ذلك".. ولم ترغب"إ"في الكلام عن تلك الفترة لشعورها بجرح كبير ألمّ بها، وبعدم فهم واستيعاب كلّ ما جرى ولماذا ؟؟!! رغم أنّ زواجهما مضى عليه أكثر من أربع سنوات ورزقا بطفل. لكنها تقول تعرّضت لمقاطعة من أحد إخوتي -رغم أنه لا يرفض هذا الزواج الذي ترفضه كلّ العائلات المحيطة بنا- رفضه بسبب دخولي السجن، ولكنه بعد قرابة عام تفهّم الأمر وأصبحت علاقتنا جيّدة. وتتذكّر قائلةً: المشكلة أنّ أسرتي وأبي أكثر من عانى، إذ تمّت المقاطعة له، حتى من أقرب المقرّبين لنا..!! وإخوتي البنات تضرّرن كثيراً خصوصا عندما تنشأ خلافات مع أزواجهن الذين يمثلون جزءا من مجتمعنا المتخلّف الذي ينظر لأسرتي "بكونها فاقدة لشرفها"، ومكانتها أقلّ من غيرها...أمّا التعامل مع الأولاد بالنسبة للديّن قال"ب" إنه من أسرة يساريّة ولم يتطرّقوا لموضوع الدّين وأكثر ما يعرفه أنهم مسلمون.وأنا لن أعلم ابني أنّ له مذهبا محدّدا وسأجيبه بأنّ الأديان كلها تنادي بالأخلاق وتسعى للخير، وهي لصالح الإنسان.
 
الحدّ لا يقام إلا على الفقراء
 السيد"ع" وزوجته "ل" قالا، لقد ألمّت بنا صعوبات كثيرة عندما طرح الموضوع أمام العائلة والمجتمع والأصدقاء، ومزحا بالقول إنّ أحسن أوقات العلاقة كانت قبل الزواج.أمّا الصعوبات فقد أتت تحت حجج كثيرة، منها الحفاظ على العائلة، وغضب الأهل، العشيرة، النبذ الاجتماعيّ، ومشكلة إلصاق تهمة العار على أهل من يقدم على هذه الخطوة. ثم إنّ لفشل هذا الزواج أثارا خطيرة جدّا على المرأة -وقد يؤدّي إلى قتلها حتى بعد سنوات من الزواج، كما حدث أكثر من مرة،" لماذا كلّ هذا الظلم"- ولكنّ خطورته أقلّ كثيراً على الرجل فقد تصالحه أسرته بعد فترة مقاطعة.. وإنّ القتل الذي يمارس على النساء هو جريمة يجب أن يحاسب عليها القانون، وليس من عذر لها إطلاقاً لأنّ الزواج يخصّ الزوجين ولا يحقّ للآخرين التدخّل بما هو شخصيّ وخاصّ، وإن عدم وصول بعض العلاقات للزواج متعلّق بتخلّف الفرد وعلى الدّين ألاّ يتدخّل فيها كي ينجح هذا الزواج. أكّد "ع" أنه، لا يعارض أبدا تزويج أولاده بأشخاص من خارج مذهبه فأنا مارست هذا الفعل، وربما يجب مساعدتهم على إزالة العقبات كي لا يعانوا ما عانينا نحن. أما السيدة "ل" فقالت: بالنسبة لابنتي، لن أوافق على زواجها خارج مذهبنا الذي فُرض علينا وفق قانون الأحوال الشخصية إلا بعد أن أعرف كلّ ما يخصّ شريكها المستقبليّ، فما عانيته لا أريد لها تكراره. وشرحا قائلين: نحن نعاني، والآخرون لا يحسّون بنا ومجتمعنا لا يزال متخلفاً ..هذا يحزّ في النفس، وأشارا أنّ الفقر مشكلة كبيرة قد تؤدّي إلى إفشال هذا الزواج. فالثريّ تحميه ملكيته ومنصبه الاجتماعيّ ولا أحد يقدم على نقده، ولم يعانِ أثرياء طائفتنا من هذا الزواج أبداً، والأغنياء لا يواجهون مشاكل رغم زواجهم من طوائف مختلفة و" الغنيّ يده فوق الكلّ" وكأنّ "القانون صُنع للفقير، ولا يقام الحدّ إلا عليه". ويسألون من تدبّ فيه الحمية حين يتزوّج أبناء الفقراء، لماذا لا يفعل الشيء ذاته مع الأغنياء، هذا تناقض صارخ لا يمكن تفسيره ولا تقبله..!! بالنسبة لتعليم الدين للأولاد قال "ع": أنا لا أعلّم أولادي أمور مذهبي الخاصّ بل أشيد بكلّ الأديان، كلّها لصالح البشر، وتنادي بالأخلاق والقيم. وأضاف رغم انقضاء أربعة عشر عاماً على زواجي، وأصبح لديّ أربعة أطفال، فوالداي لم يزوراني أبداً..!! وعلّل الأمر بأنه لا تزال النفوس"غير راضية ورافضة"حتى طريقة تعاملهم مع الأطفال تشعرني بالغبن جهتهم مقارنة مع أطفال إخوتي الذين تزوّجوا من نفس الطائفة. وذكر أنّ والده قد حرمه من الميراث، ولكنّه عاد بعد سنوات وأعطاه جزءا منه ولم يكن كميراث إخوته، وأسرّ لي بشيء محيّر أنّ "والدتي تسلّم على زوجتي أما أختي الكبرى فترفض ذلك"؟!!.

 القتل جريمة
 السيدة "س" قالت: أؤيّد هذا الزواج لأنّه جزء من حريّة الفرد في الاختيار، وهو ما قمت به حين تزوّجت، وأرفض جريمة الشرف بالمطلق.. ثم إنّ امتناع البعض عن الإقدام على هذا الزواج هو بسبب الخوف من الأسرة أو المجتمع، وكذلك من الضريبة التي ستدفع اجتماعيا وهناك الخوف على الأطفال في المستقبل. إنّ الذي يقدم على الزواج من غير مذهبه عليه أن يكون متطوّرا وواعيا لما يقوم به، والعبء الأكبر في هذا الزواج يقع على كاهل الفتاة فهي تدفع ثمن كونها فتاة وكونها خرجت عن المذهب وتمردت على سلطة الأب البطريركية.. وأضافت لن أعارض زواج أولادي إن اختاروا شركاءهم من مذهب آخر، المهمّ أن يوجد الحبّ والقناعة والتفاهم فهي فقط شروط الزواج. والمشكلات المادية أخطر ما يواجه الأفراد قبل الزواج، مع ارتفاع أسعار كلّ مستلزمات "فتح منزل للزوجية"، ذلك كون الأهل يرفضونه ولا يقدّمون أية مساعدة، وأيضاً عدم تقبّل الآخرين كالمجتمع المحيط والأهل وحتى الأصدقاء وهو ما يشعر الزوجين بالعزلة والنبذ وكذلك الخوف من الفشل وربما القتل. أما بعد مجيء الأولاد فالمشكلات تخفّ، وأولادنا يحتاجون لفترة زمنية حتى يعوا مسألة الدين ولاسيما عند مجيء الأعياد وسؤال أبناء الجيران لهم عن دينهم وهم يسألون بدورهم ماذا نحن. أما بالنسبة لمن يرفض الإنجاب بسبب هذا الزواج، فلا يستحقّه أبداً. وبالتالي يجب أن يكون الأولاد جزءا منه كما كلّ العائلات، وبذلك نجنّب كثيرا من البشر ما عانيناه ويتقدّم بلدنا بعيداً عن عقلية المذاهب والطوائف. ونحن نجيب على أسئلة أولادنا حين يسألون عن الدين بأنّه معاملة، وكلّ الأديان تسعى لخير البشر. وتلعب المدرسة هذا الدور بعجره وبجره.

 الزواج المدني أو الهجرة
 
 الآنسة" أ" قالت أنا الآن على استعداد للتضحية بنظرة المجتمع لي والزواج من ديانة أخرى إذا وجدت الشخص المناسب، ولكن للأسف سأضطر للعيش خارج وطني حتى لا أعتبر مرتدة وأقتل، هذا بسبب القانون. فلماذا لا يكون هناك زواج مدنيّ ويحافظ كلّ شخص على دينه. بالنسبة لأطفالي أتمنّى عندما أنجبهم أن لا أسجّلهم في أيّ دين حتى يكبروا ويختاروا دينهم أو معتقدهم وليختاروا من بعدها الشخص المناسب للزواج.
 
 ازدواجية قاتلة: البنات شيء والذكور شيء آخر؟
 
 السيد "ط" زوج السيدة "س" قال السيد "ط": أرفض القتل بسبب هذا الزواج لأنّ هناك حلولا أخرى في الحياة فهو جريمة ولا أستطيع تخيّل أب أو أخ يمكنهما القيام بقتل ذويهم. لكن لكلّ أسرة وضعها الخاص. كما لا مشكلة من زواج الأولاد الذكور بغير طوائف وإبقاء زوجاتهم على دينهم أو طائفتهم مع إني أفضل أن يتزوّجوا داخل الدين حتى لا يشعروا بتشتّت، أما البنات فأرفض هذا الزواج لهنّ لأنّ الرجل حتى لو أشهر إسلامه من أجل الزواج لن يكون مسلما حقيقيا والرجل يؤثر في بناء الأسرة أكثر من المرأة.. أنا لا أخبر أولادي عن الدين شيئا فالمدرسة تقوم بواجبها في هذا الموضوع. أمّا زوجته فقالت: لقد تعرّضت لمقاطعة أهلي فترة من الزمن وقد أثّرت تلك الفترة في حياتي كثيرا خصوصا حين أنجبت ابني فهم لم يصالحوني إلا بعد أربع سنوات، وأنا من الأشخاص الذين يتعلّقون بالأسرة، وتُكمل لديهم أسبابهم: مثلا يخافون أن يتزوّج أخرى أو يمكن أن يطلّقني لأيّ سبب كان، وأنا فكّرت بهذا سابقا وخفت. فهو حسب تربيته واعتقاده وقانونيا يمكنه أن يتّخذ الطلاق كحلّ قبل البحث عن الحلول السلمية، لكني الآن لا أخاف من هذه الأمور فأنا أعرفه تماما، وقد اتفقنا على كثير من الأمور منها هذه، ومنها عدم عرض الصور الدينية داخل المنزل، وعدم اعتناقي دينه، ومراعاة المحيط من حيث الثياب، فنحن نعيش قريبا من أهله، وهم جيّدون في تعاملهم معي ومع أولادي، وليسوا متعصّبين إطلاقا، وبالنسبة لأولادي -الذين صاروا شبابا الآن- رغم أنهم توصّلوا للاقتناع بشكل أو بآخر إن عليهم أن يعيشوا وفق طقوسهم الدينية، إلا أنّه لا توجد لديهم مشكلة بالتعامل مع أشخاص من غير دينهم. وأنا لا مشكلة لديّ من زواجهم بغير طوائف وأتمنّى أن يكون لأولادي ولكلّ العالم حريّة الاختيار بالنسبة للديانة التي يودّون إتباعها أو البقاء على دينهم، فأنا أؤمن أنّ هناك مجالا واسعا للمعايشة دون النظر بشأن الأديان. لكن هنا الحالة القانونية هي التي تفرض تحديات كثيرة والمجتمع يزيد الأمور قسوة أحيانا على واقع الزواج. فالحبّ بعد فترة لا يبقى كما كان. فنحن نحتال على الزمن ونتطبّع بطباع بعضنا كي نستمر في زواجنا وهذا لا علاقة له بالأديان، إنها حالة الزواج بشكل عامّ، وبناء الأسرة أيّ أسرة يتطلب الكثير من التنازلات والجهد.
 السيد "ع" والسيدة "د" رأى السيد ع، إن هذا الزواج له ضريبته الاجتماعية، أنا لا أشعر بوجود اختلاف كبير بيني وبينها، لكن إذا تدخل أهلها بتربية الأولاد فأنا أكون غير مرتاح وهم أحيانا ينظرون للأمور بطريقة سيئة ويسمعوننا بعض الكلمات غير المحبّبة. السيدة" د" هناك كثيرون يتساءلون عن هذا الزواج منهم من باب الفضول ومعرفة اختلافه عن أيّ زواج عاديّ، ومنهم من باب الغيرة، ففي رأيهم أنّي قادرة على الخروج عن المألوف دون أن أدفع ضريبة كبيرة. وبخصوص علاقتها بأسرتها تقول لم تكن لديهم مشكلة وهو لم يغيّر دينه، فالزواج هو زواج وستكون له ملحقاته حتماً، وبخصوص أولادها تؤكد، أنا لن أمانع أياً كان الشخص الذي يختاره أولادي طبعا حتى لو أسلموا أو بقوا على دين أبيهم، المهمّ أن يعرفوا الشخص الذي سيبنون حياتهم معه جيّدا، وأن يكون حتى الأهل مرتاحين، لأنهم يوترون البيت من حيث لا ندري. حتى في الزواج العادي أحيانا للأهل دور غير جيّد وهذا تابع لوعي الأسر التي نأتي منها، لكن في حالتنا يزداد مبرر الإزعاج أكثر للأهل وللمجتمع.
 
 مأساة الطلاق في الزواج المختلط
 السيدة "ر" تقول: أنا الآن مطلّقة، لم يكن طلاقي بسبب زواجنا المختلط أبدا. إنما تعرضنا لمشكلات لم نستطع حلها إلا بالطلاق، وهذا افرز نتائج سيئة جدا، لقد حرمت من رؤية أولادي بصورة مطلقة، فأنا لست أمّهم حسب طريقة زواجنا وقد أخذهم زوجي وهاجر إلى الخارج، وبقيت وحدي هنا لا أستطيع المطالبة بهم ومعالجة وضع حضانتهم بسبب طريقة زواجنا اللاقانونية. إن الضريبة في حالتي دفعت مرتين، مرّة بسبب المجتمع أو التقاليد التي أدت إلى حرماني من أهلي في فترة زواجي والثانية حرماني من أولادي بسبب الطلاق وما ترتب عنه اجتماعيا، فالمطلقة لها وضعها الخاص إن كانت متزوجة من نفس الدين فكيف في حالتي، فرغم أنّ أهلي استقبلوني بعد الطلاق وأنا أعيش عندهم الآن لكنهم لن يتوقفوا أبدا عن إلقاء لومهم وتهمهم التي ترمى جزافا على أنّ طلاقي بسبب مغامرتي السيئة بالزواج من غير ديني. ولا مانع لديّ أن أزوّج أولادي من أيّ أحد مختلف دينيا عنهم. فأنا قد جربته وأعرف أنّ الأديان لن تكون سببا في صعوبات هذا الزواج والمهمّ هو الانسجام والقدرة على العيش المشترك.

 لا مردّ لقضاء الله
 السيد "إ" والسيدة "ه" قالا: لا شكّ أنّ لهذا الزواج صعوباته لكن هذا لا يلغي تأييدنا له، فهو جزء من الحرية الشخصية وهو قرار واعٍ لشخصين، وإن رفضه عند البعض ناتج عن مجموعة أمور: منها العادات التي تفرض على أبناء الشرق علاقة خاصة بالأسرة، ومنها المسؤولية أمام هذه العلاقة ونظرة أفراد المجتمع- المتقوقعون داخل الأديان والعادات والتقاليد- على أنها خارجة عن المألوف،( مع إننا إذا نظرنا إليها من الناحية الدينية فهي مباركة ضمن مقولة " لا مردّ لقضاء الله"، ومن الناحية العقلية فهي مباركة لأنها قرار واع وحقّ من حقوق الإنسان).. وإنّ القتل مرفوض مطلقا في هذه الحالة وفي غيرها وهذه مشكلة من المشاكل القانونية أكثر منها الاجتماعية فلو أجاز المشرّع السوريّ قانوناً يمنع قتل الشرف ويقرّ معاقبة مرتكبيه كمجرمين، لما أقدم أفراد المجتمع على فعله أياً كانت درجة تخلّفهم..
بلا شكّ، يعتبر الأولاد المحكّ الحقيقيّ لهذا الزواج فتربيتهم في مجتمع مؤطّر دينيا تفرض تلك الصعوبة، وخصوصا أن التربية لا يقوم بها فقط الأهل إنما كل المحيط من الشارع، حتى المدرسة التي يتعلمون فيها دينهم، والتي تجيب عن أسئلتهم تجاهه دون الدخول في التفاصيل، والأطفال في عمر معيّن لن يستطيعوا استيعاب الاختلاف الدينيّ، إنما يمكن تعليمهم ببساطة احترام كل الأديان على اختلافها والتمتع بما تدعو إليه من أخلاق، وهذا يعطيهم نوعا من التوازن الروحي حين يكبرون، حيث يستطيعون من خلالها التعامل مع قضية وجودهم في بيئة مختلفة دينيا، وهذه ميزه خاصة بالزواج المختلط، تساعد الأولاد على تشكيل قناعاتهم بشكل منفرد، ألم يقل جبران خليل جبران أولادكم ليسوا لكم، أولادكم أبناء الحياة، إذا فلتأخذ الحياة أبناءها بشكل حرّ وواعٍ.
 
 الزواج حقّ حصريّ للشخصين المعنيين به
 الأستاذ بسام القاضي، رئيس تحرير موقع نساء سوريا المتميّز في طرحة قضايا المرأة والمشكلات التي يسبّبها المجتمع لها. قال: إنّ الزواج المختلط ليس "نوعا" من الزواج لأقبله أو أرفضه، هذا حقّ بسيط للإنسان أن يختار شريك/ة حياته بناء على الرغبة والإرادة المشتركة من قبل الطرفين دون تدخّل من أيّ جهة أخرى، وهو حقّ حصريّ للشخصين المعنيين به، وليس حقّا للسلطة من أيّ نوع، ودور السلطة-أي الدولة الحديثة- تسجيل هذا الزواج في وثائق تكفل حقوق الطرفين وفق قاعدة حقوق الإنسان. كما أنه ليس هناك قتل "مشروع" وآخر"غير مشروع"، بغضّ النظر عن أسبابه ودوافعه وأساليبه وغاياته. فجرائم القتل التي تطال النساء، يجب أن يعاقب عليها القانون. والقتل بهذه الذريعة هو انتهاك سافر لحقّ الإنسان المطلق بالحياة، ولحقه باختيار شريك/ة حياته بناء على رغبتهما وإرادتهما المشتركة، ومن أساسيات العدالة أن يعاقب كل منتهك لأيّ من حقوق الإنسان، فكيف بحقّ على هذا المستوى من الخصوصية؟!.

هناك مسؤوليتان تفسّران عدم انتهاء هذه العلاقات بالزواج،الأولى مسؤولية السلطة (سلطة الدولة، سلطة رجال الدين، وسلطة المؤسسات المجتمعية..). وهي سلطة قوية وفعالة لأنها معزّزة بالقوانين، وبإمكانيات لتنفيذ حكمها على البشر، وهذه السلطات هي من تشرّع وتفرض على الناس أن يعيشوا في جاهلية التصورات المغلقة للدين، وتساعدهم على الاستسلام لأسوأ ما في الثقافة المجتمعية. أما الثانية فمسؤولية الأشخاص المعنيين مباشرة، فالتضحية بالقرار المشترك في زواج مبنيّ على الحب والرغبة والإرادة المشتركة خضوعا لـ"مشاعر الأهل"، أو لأسطورة "العادات والتقاليد" والخضوع لسلطة الآخرين المبنية على "ملكية" الأهل لأبنائهم ورجال الدين لرعيتهم، هو تنازل عن المستقبل وعن الحقوق، وهي تضحية غير مبرّرة.. في النهاية: الحياة الزوجية هي خيار المستقبل، في رأيي هذه خيارات حياتي، أنا وشريكتي سنعيشها بحلوها ومرّها، مع أنّ ضريبة ذلك قد تكون شديدة الوطأة (خاصّة على النساء)، إلا أنّ هناك مبدأين أساسيين في الحياة: أن أكون فاعلا، أو مفعولا به. أما صعوبات هذا الزواج فهي نتيجة لائحة طلبات السلطات المختلفة (الأهل ورجال الدين..) المبنية على "حقّ" ملكيتهم للشخص، وهي لا تنتهي عند حدود إذا ما سمح لها بذلك. مثلا، أهل زوجتي وأهلي ينتمون إلى الطائفة نفسها، مع ذلك تعرضنا لحرب شعواء لا تقلّ عن الحرب التي تشنّ بسبب الزواج من خارج الطائفة، وهناك الكثيرون في مثل وضعي. من هنا يجب على الأشخاص المعنيين أن يتخذوا مواقف حاسمة لتحقيق خياراتهم. وبالنسبة لمن يمتنع عن إنجاب الأطفال بسبب الاختلاف الدينيّ، هؤلاء أشخاص لا يستحقّون الحياة المشتركة التي يعيشونها، والأجدر بهم أن ينفصلا ويذهب كل منهما في سبيله. حين تتخذ خيارا في حياتك يجب أن تكون مسؤولا عنه أمام نفسك قبل الآخرين وتدافع عنه بجدارة. من هنا ليس لدين الآخر أو طائفته أيّ اعتبار، وليس لرأي الأهل في زواج أبنائهم بكل تفاصيله إلا الاستشارة. لأنّ حقّ القرار النهائيّ هو حقّ حصريّ ومطلق للأشخاص المعنيين به (الشاب والصبية)، وفي موضوع الدين بالنسبة للأطفال، قال لو كان لديّ أطفال (وهو ما أفعله مع أطفال آخرين) أجيب على الأسئلة الدينية بصدق ووفق مستوى وعيهم. والأساس في إجابتي أنّ عليهم أن يؤجلوا التفكير في هذا الموضوع إلى وقت آخر. تماما مثل العديد من المواضيع التي تعطى فيها بعض المعلومات المناسبة لسنّ الطفل، وفي الوقت نفسه يوجّه الطفل إلى أنّ عليه أن ينتظر أن يكبر قليلا ليعرف أكثر. دون إغفال ضرورة التأكيد المستمر على أنهم "سوريون"، أي أن "دينهم" الأساسيّ هو المواطنة.
 
 إنّ هذا التحقيق سيفاجئ قارئيه بأسماء الأشخاص"س"و"ع"و"ل"، وسيعتقدون أنهم يقرؤون مسألة جبر، ولكنّ ذلك كان نتيجة الدخول في موضوع حسّاس اجتماعيا، فتحوّل أفراد تحقيقنا إلى معادلات بلا روح، وكأنّهم تجريد فكريّ محض بلغة الرياضيات!!والسؤال، أيّة آلام يعانيها البشر ولا يستطيعون التعبير عنها..في مجتمعنا الذي يقاطع وينبذ ويربط الشرف بـ"فرج"المرأة!! مع كل هذا فإنّ الواقع أثبت أنّ الزواج من مختلفي المذاهب من قضايا الحياة اليومية سواء أجاز القانون ذلك أم رفضه..!! وهو ما يدفع الكثيرين منّّا لاعتبار الهجرة هي الحل، وذلك ليستطيعوا الزواج بمن يحبّون. فأيّ بلادٍ هذه التي تمنع عنّا خيار الحبّ..!!. سنقول في نهاية الجزء الأوّل من هذا التحقيق فكرة، ربما ستكون مفاجأة أيضاً، وهي أنّ الحلّ لمشكلة الزواج المختلط يحتّم علينا بالإضافة لحقّ الزواج المدنيّ كتشريع ضروريّ ووضعيّ، أن نتبنّى في داخلنا فكرا منفتحا يحترم الأديان ويفسرها دون أن يخضع لتأويلات فقهائها الأصوليين وهو ما يساعد على فهم أكبر وأعمق لجوهر الأديان السماوية التي تدعو للمحبة والإخاء والسلام وضرورة أن تتقبل الزواج متعدّد المذاهب..

تبرز المشكلة الحقيقية لهذا الزواج في أنّ مجتمعنا لا يزال محكوماً بأحوالٍ شخصيةٍ تنتمي للقرون الوسطى، وكأننا لا نزال نعيش فيها، ويحقّ عندها السؤال، هل أصبحنا فعلاً في العصر الحديث!! فالقانون في موضوع الزواج مرتبط بالعقيدة، وهي مصدر القوانين والتشريعات!! أما في منظور المواطنة فإنّ العقيدة هي موضوع شخصيّ لا يجوز أن تنسحب على أرض الواقع. وعلى هذا يفترض أن يواكب التشريع حركة المجتمع، لا أن يكون عائقاً لها، لكنّ الحلول الفعليّة تبقى خارج دائرة الممكنات، حيث أنّ فكرة الزواج المدنيّ في سوريا مرفوضة حتى على الطريقة اللبنانيّة التي تُجيز أن يتزوّج المختلفان مذهبيّا خارج لبنان ويجري تسجيل الزواج والاعتراف به في المحاكم..أمام عجز القانون والدين في استيعاب مسألة الزواج المختلط بين الأديان والمذاهب كأمر واقع، وضعنا مجموعة أسئلة، تتمحور حول الوضع القانونيّ ورفض الأديان له، وكيف يزعزع هذا الزواج الدّين في رأيّهم..!!
الأقليات تخاف الانقراض:

السيد "ب" وزوجته السيدة"إ" يعتقدان أنّ قانون الأحوال الشخصية يتناسب فقط مع الأغلبية السنيّة في سوريا ضدّ بقية الأديان والمذاهب، وكلّ سنّيّ تزوّج من غير دينه يكسب ثواباً إضافياً، أما بقيّة الأقليّات فيجب أن يغيّروا مذهبهم إلى المذهب السنّيّ إذا أرادوا الزواج بأفراد ينتمون إليه، فلا دخول إلى المذهب الدرزي أو الدين المسيحي أو غيره،هذا يعني أنّ الشخص لا يستطيع تحقيق رغباته وحرّيته الشخصية في الاختيار. وأضاف السيد"ب" قد يكون رفض هذا الزواج لغاية سياسيّة يقصدها النظام لزيادة سيطرته بتعزيز العقليّة الطائفيّة وتفريغ أيّ بعد طبقي ضدّه، ما دام الجميع يخوض صراع البقاء عبر مذاهب مطلقة الصحّة في نظر أتباعها، وكل رجالات الدين مترابطون معاً ومع الدولة لرفض هذا الزواج. فهم يشرّعون القتل اجتماعيّاً والدولة تحمي القتلة قانونيّاً، وتخلّف الأهل يدفعهم للفعل الإجراميّ. وينبغي هنا أن تغيّر الدولة قوانينها وأن تعتبر القتل بسبب الزواج من طائفة أخرى جريمة ككلّ جرائم القتل، وعلى رجال الدين ألاّ يشجّعوا ذلك القتل، وأكّد "من الممكن تفهّم المقاطعة الاجتماعية أمّا القتل فأمر حيوانيّ محض" ثم أوضح سبّب رفض المذاهب الدينيّة الزواج المتعدّد أنّ متعصّبي الأقليّات يشعرون بأنهم يفقدون مصداقيتهم، فهم بالأساس خارجون عن مذهب أهل السنّة، وهذا الزواج يزعزع الدين وقد يؤدّي إلى التلاشي، وإمكانية "الانقراض مع مرور الزمن".
السيد"ع"وزوجته"ل" قالا، إنّ قانون الأحوال الشخصية في بلادنا لا يُمسّ به إطلاقاً وهو أمر متخلّف جداً يمنع البشر من الاختيار الحرّ، كالسيف المسلط على كلّ من لا يتقيّد به، ويجب أن يتغيّر بعيداً عن الرؤية الدينيّة والمذهبيّة، فالزواج مسألة إنسانيّة بغضّ النظر على دين الفرد، لهذا يجب ألّا يكون الدين شرطا وألّا يحاول أحد الزوجين شدّ الأخر له دينيّاً ثم إن الاستقلاليّة في الدين أساس لهذا الزواج، والاندماج يذوّب أبناء المذهب بغيره..!! المشكلة أنّ هذا الزواج يواجه مذاهب يعتقد كل منها أنه الأفضل والأصلح للبشر..!

الإسلام السنّيّ يفترض تغيير القيد المدنيّ للأقليات:
السيدة "س"رأت أنّ قانون الأحوال الشخصية يستند إلى الإسلام السنّيّ، وهو يمنع الزواج بين المذاهب أو يُجبر الفرد أن يصبح سنيّاً ولا سيما الرجل. فالسنيّ ليس مضطراً لتغيير دينه إذا كانت شريكته مسيحيّة أو درزيّة. كما يُفرض على الدرزيّ تغيير ورقة القيد المدنيّ الخاصّ بأسرته وهذا لا يسري على العلويّ أو الاسماعيليّ. ثم أشارت إن المذاهب الدينيّة ترفض الزواج المختلط، بسبب التعصّب. والمفترض ألا يكره المؤمنون أحدا على الإيمان، والقرآن يؤكد أنْ لا إكراه في الدين. كما تلعب التقاليد دوراً خطيراً في رفض هذا الزواج وقد توصل إلى القتل، وهو ما تم في حالات معينة، وربما يزعزع زواجنا- فهي متزوّجة من مذهب مختلف- الاستقرار الديني بالمفهوم السلفيّ فقط، ولكنّ الدين بحاجة إلى تطوير، وهذه مهمّة الفقهاء المنفتحين،إنْ وجدوا..!!

التعليم يمايز بين الطوائف:
الآنسة" أ" شرحت موقفها عبر ثلاث مشكلات، أولاها تبدأ من القانون. وهي أننا نُسجل في دين معيّن دون أن نختاره، يعني أن تكون مسلماً ولا تمتّ بصلة للإسلام، وممكن أن تكون أفكارك علمانية ولكن لك دين معين سواء أعجبك أو لم يعجبك، وتضيف"أ" لا أعرف كيف يمكن لإنسان أن يُسجّل مسلماً قبل أن ينطق الشهادتين..!! وعادة عندما تريد الزواج تبحث عن شخص يشاركك أفكارك وليس اسم دينك على الورق، فلو كانت أفكاركما متشابهة إذن أنتما تنتميان لنفس الدين أو الاعتقاد عملياً ولدينين مختلفين اسمياً أو شكلياً. المشكلة الثانية هي فهم الدين الخاطئ بأنه ممنوع على المسلمة أن تتزوج مسيحيّا علماً وأنه بالعودة إلى القرآن نجد أنّ كلّ الديانات عند الله اسمها إسلام، فالإسلام ليس هو الدين المحمّدي فقط، وإنّما هو كلّ الأديّان من زمن سيدنا إبراهيم الذي هو أوّل مسلم. فتعريف المسلم في القرآن من أسلم وجهه لله، وليس من كان نبيّه محمد (ص)، وهناك آيات تؤكّد ذلك وتقول على لسان جميع الأنبياء إنّنا مسلمون ولا يوجد في القرآن كلمة مسيحيّ أو يهوديّ عند ذكر أيّ من الديانات .المشكلة الثالثة تتعلّق بقوانين الحكومة والتعليم الدينيّ حيث أنّ معظم مدارسنا مُقسّمة دينيّاً مسيحيّة أو إسلاميّة، وكلّ منها يُدرّس دينه، وبالتالي لا يأخذ الشخص فكرة عن الأديان الأخرى حتى يدرك أنّ الأديان السماويّة كلها سواء، ولا يعيش تجارب فعليّة مع أشخاص من أديان أخرى حتى يضعف إحساسه بهذا الفارق بينها. فمعظم الناس يرفضون الأديان الأخرى على أساس غير منطقي، وهو ردة فعل طبيعيّة تجاه شيء مجهول بالنسبة إليهم.
السيد "ط" زوج السيدة "س" أبدى رأيا متناقضاً ولكن بما لا يخالف مذهبه!، فرأى أن قانون الأحوال الشخصيّة لا يشكل أيّ أزمة، فهو يسمح بما يمكن السماح به..!! هذه هي الشريعة لأنّها تراعي التربية فكلّ طائفة أو دين له طريقته في التربية.. فالزواج من دين مختلف يفرض أن يكون الشخص متسامحاّ مع بقيّة الأديان أو ألّا تكون له علاقة وثيقة بالأديان وطقوسها ومفرداتها التربوية، لأنّ هذا الزواج يشعره بعدم الاستقرار لأنّ على كلا الطرفين مراعاة الوضع القائم في كلا الدينيّن واستيعابه.

هويتنا تخترقها العزلة والتناحر:
أما السيد توفيق. فأكّد أنّنا لا نختار ديننا ولا وطننا ولا أبوينا وإخوتنا أو بيئتنا. لكن مجموع ما لا نختاره هو جزء هام من هويتنا، وهويتنا ستكون القاعدة التي عليها نبني كثير من القناعات، وهي المؤشر الذي من خلاله نحلّل كلّ ما نتلقاه على كافة الأصعدة. بالتالي لم يعد الموضوع فقط مجموعة صفات تميّزني عن غيري من الناس بل إنّ كل فرد فينا عالق بتفكيره بهويّةٍ مفرداتها الأنا، العائلة، القبيّلة، الطائفة، الوطن. وأضاف، كفرد تستطيع أن تنأى بنفسك من أن يجرفك التيار، لكنّ ذلك يتطلب مستوى من الوعي، ربما يعزلك عن المجتمع، وهذا بكل أسف ما تعيشه النخبة، ولكن بذات الوقت ليس كل من يعتبر نفسه من النخبة يرتكز على هويّة واضحة الانتماء...!! فيمكن أن يكون المثقف حداثيّ التفكير ويرفض الزواج متعدّد الأديان. ثم إن البنية القانونيّة (خاصة قانون الأحوال الشخصيّة) تعتبر أساساً في هذا الموضوع، وفي أحسن الظروف لم تكن تسمح باندماج فئات المجتمع، التي تحول ولاءها الآن إلى ما يعمق العزلة الاجتماعيّة والتناحر بين مفردات الموزاييك الاجتماعي في مجتمع يعرف كيف يحارب من يخرج عن طوره وعرفه، على هذا ستكون ألاف العلاقات العاطفيّة التي فضلت المصالحة مع مجتمعها وقررت عدم إنهاء العلاقة بالزواج نتيجة طبيعيّة، وإنّ من يعيش قصّة حبّ جارفة ويريد أن ينهيها بالزواج سيدفعه قراره لتحدّي المجتمع، وسيجد الكثير من المعيقات القانونيّة والاجتماعيّة المتباينة في شدتها والتي أهونها القطيعة المؤقتّة وأشدّها القتل. إضافة لحزمة من التنازلات القانونيّة المتعلقة بالهويّة الدينيّة والوراثة وقضايا رعاية الاطفال في حال الطلاق وخلافه. ويقلقني ألّا نورّث لأولادنا بيئةً أنظف، ومجتمعاً أنظف، وقوانيناً أنظف حتى يكونوا قادرين على الاقتران بمن يريدون.

القانون يقرّ بإمرأة متزوجة وعزباء في آن واحد:
السيد "ع" والسيّدة "د" يريان أنّ قانونّنا السوريّ عاجز ولا يتطوّر بتطوّر الحياة، لقد تزوّجنا خارج القانون أو عبر التفافاته، فزوجتي تمتلك هويّة غير الهويّة السوريّة تسمح لها بتغيّير دينها. ثم أكّد "ع"نحن مثقفون ولا نفكر باختلاف البشر حسب مذاهبهم وليس لدينا أيّة مشكلة مع الأديان بشكل عام، فقد صارت مع الزمن مجرّد اختلافات تربويّة تعيق تطورنا الإنساني، ويجب أن نكون أكثر حريّة وسعة و أن نربّي أولادنا بهذه الطريقة. أما رجال الدين والأشخاص التقليديّون فلديهم طريقة ضيّقة بالتعامل مع كلّ شيء، فكيف سيستطيعون التعامل مع من يخرج عن السياق الذي صُنع منذ آلاف السنين. ويضيف، باعتقادنا يجب على القانون أن يسمح باختيار الدين، فأنا لا أتخيّل أن يكون ابني مسلماً وابن عمه الذي يقاسمه عالمه مسيحيّاً، وإن أحبّت ابنتي ابن عمها لا تستطيع أن تتزوّجه إن لم يعلن إسلامه، بسبب هذا القانون، وهذا سيكون أمراً سيئاً وكارثيّاً للأولاد..!! السيّدة" د" تقول لقد صدمت بحجم الجهد الذي سأبذله كي لا يشعر الأولاد بالاختلاف وبحجم التمزق الذي ينتابني حين يسأل أحدهم عن دين الأولاد بالمدرسة أو بغيرها!! أتمنى كثيرا لو أنّ هناك قانونا مدنيا للزواج فهو أكثر إنسانية من قوانيننا. وعبّرت عن حزنها العميق قائلةً: أنا أشعر بكثير من الاشمئزاز إذا سمعت أيّة كلمة تخص التربية المختلفة بين الأديان، فهناك اختلاف بالتربية بين الجميع. فنحن لا نتربّى بطريقة واحدة حتى ضمن البيت الواحد، البنات يتربّين بطريقة مختلفة عن الذكور وتختلف تربيتهم داخل الأسرة الواحدة. فالأهل ليسوا هم فقط المربين، فهناك الشارع والمدرسة والمجتمع وغيره.
وأضافت أنا موظفة على الهويّة السوريّة ولم استطع أن أحصل على أمومتي حين أنجبت أولادي، فأنا بالهويّة السوريّة عازبة!!
أمّ ليست أمّا:
السيدة "ر" أكّدت أن قانون الأحوال الشخصية هو سبب المشكلات وفي أعلى قائمة التخلف، ورجال الدين المتمسكون بالقشور هم أبعد ما يكون عن قبول أيّ شيء وإن تأثيرهم سيّء ويزداد سوءاً، وقد تزوجت من غير ديني واضطررنا للالتفاف على القانون. الذي يفترض أن يوضع لتنظيم شؤون البشر ومراعاة الحالات التي يفرضها الواقع، لكن في بلادنا يراعي بقاءه وتحجره، مما اضطرّنا للقيام بتزوير أوراق رسمية دفعت ثمنها لاحقاً. فقد دفعت بسبب قانوننا المتحجّر ضريبة أكبر من الضريبة الاجتماعية، حيث حُرمت من رؤية أولادي بصورة مطلقة فأنا لست أمّهم حسب طريقة زواجنا السابقة ولا استطيع المطالبة بهم ومعالجة وضع حضانتهم لأنه سيأتي ضمن الأوراق الرسمية التي سيظهر تزويرها. وأضافت لم يكن طلاقي بسبب اختلافنا الديني أبدا.. فالأديان أوسع من السقوط في خلافات الزواج العادية، والمهمّ أن يزاح عن كاهلنا القانون الذي يسمّى الأحوال الشخصيّة أو يعدّل ليتماشى مع التغيّرات الحاصلة في أشكال الزواج.

سوريا دولة علمانية ودينية معاً..!!
السيد "إ" والسيدة "ه" يعتبران أنّ سوريا من الدول العلمانيّة، لكنها بقيت محتفظة بالطابع الدينيّ الإسلاميّ في موضوع الزواج والعلاقات الأسريّة "الأحوال الشخصية"، وإن تميزها بالتنوع الكبير للأديان والمذاهب، (خمس طوائف إسلاميّة معترف بها رسميا، وحوالي إحدى عشر طائفة مسيحيّة، وفيها أكثر من سبع محاكم لها سلطة النظر في قضايا الزواج والطلاق تختلف أحكامها وقوانينها باختلاف مذهبها الدينيّ)، لم يترافق مع وجود تشريع يبيح الزواج بين مختلفي الدين سوى النص الشرعيّ الإسلاميّ الذي يعتبر الزواج بين الطوائف مشروعاً طالما تجمع بينهم كلمة لا إله إلا الله محمد رسول الله، وبالتالي عماد هذا الزواج هو الشهادتان ويصح فيه الزواج بين الطوائف بغض النظر عن السلوكيات، يضاف إليه قانون الأحوال الشخصية الصادر بالمرسوم رقم 59 لعام 1953 الفقرة 2 من المادة 48 التي تنص " زواج المسلمة بغير المسلم باطل". وهذا يعني إلزام من يريدون الزواج المتعدّد باعتناق الدين الإسلامي إلا إذا كان الرجل حصراً تابعا لدين الإسلام، وعليه لن يستطيع مختلفو الأديان الزواج أمام المحاكم الروحية للطوائف المسيحيّة، ولا أمام المحكمة المذهبيّة لطائفة الموحدين الدروز، وهذا يقضي بألّا يُسجل عقد الزواج في المحكمة، أي أن الزواج بين الطرفين يعتبر زنى والأولاد هم أولاد زنى وسيتم تحميلهم مسؤولية ما فعله الأهل، فكيف يمكن لطفل أن يكون غير شرعيّ وهو يعيش في كنف والديه ولهم أسماء وهويات ويعيشون معاً؟! أليس له حق التسجيل كغيره في هذا البلد حسب كل الشرائع الدينيّة والأرضيّة..!! وإن سوريا التي وقعت على قوانين اليونيسيف لحقوق الطفل، أغفلت تلك الحقوق في حالة الزواج المختلط، التي يسجل نتيجتها في دفاتر النفوس أولاد غير شرعيّين ومحرومين من أبسط حقوقهم المدنية. أما مبررات رفض هذه العلاقات فهي كثيرة ولها عدة نواحي، الأولى: إن الأديان ما عدا الدين الإسلامي "الفقه الحنفي" لا تمتلك نصوصا تخصّ حالة الزواج المختلط، ويأتي رفضها لهذا الزواج نتيجة طبيعيّة لاختلاف الطقوس وأيهما أفضل الأديان! وأحياناً كردة فعل نلاحظها ضمن الأسئلة التي تدور في الفلك القانوني. مثلاً لماذا على المسيحي أن يشهر إسلامه إذا تزوج من مسلمة، ألا يعتبر النص الديني الذي يقرّ بأن الزواج يخضع لأشرف الدينين إهانة للدين الآخر؟! أما الناحية الثانية: إن الأديان على اختلافها تسعى بطريقة أو بأخرى لتكريس وحدانيتها كطريق في الحياة، وقد تم تكريسها كعلاقات اجتماعية وتقاليد وعادات ومؤسسات، تستند بشكل كبير على قانون لا يقبل بأي تعديل مدني على الدين يواكب التطور، فكيف بفكرة "اللادين"؟ مع التأكيد إن الدين وُجد لأجل البشر وليس العكس، وما يحصل الآن هو عبودية تامة للقانون الديني المتحجر، الذي حوّل الدين لعامل تفرقة لا توحيد، وتم تعزيزه حتى صار الانتماء للدين قبل الوطن، هذه هي التربية المفروضة والقانون الشرعي الذي يحكم البلد والأشخاص!! وللمفارقة إن هذه مخالفة للجوهر الديني المغيّب. أما بخصوص كيف يمكن أن يزعزع هذا الزواج الدين، فنجد أن علينا أن نوضح في البداية – من وجهة النظر الدينية- أن الدين من الأركان الشرعيّة والضوابط لبناء الأسرة، وأن الزواج هو مسألة هامة في الأديان - فالمسيحي يعتبر الزواج سرّا مقدسا والمسلم يعتبره ضرورة دينية فهو نصف الدين- ولأن المعتقد السائد أن الآخر قد لا يحترم دين غيره فيهان الدين ويزعزع من خلال هذا الزواج. لكن من جهة الواقع الذي نعيشه فهو لا يزعزع شيئا ما دام الدين عبارة عن علاقة الفرد بربّه أياً كان، والأديان مجرد طريقة للوصول الى الله، بالإضافة إلى أن من اختاروا هذا الزواج يكونون قد شكّلوا قناعاتهم بشكل أو بآخر حول الأديان ووجدوا حلولهم تجاه الحياة والعلاقة مع الدين.. وأخيراً الأمور القانونية التي لا تتبنى الزواج المدني الاختياري، تعترض على مبدأ المساواة بين المواطنين الذي نص عليه الدستور السوري، فالمرأة المسيحيّة تستطيع الزواج بالرجل المسلم وتبقى مسيحيّة في حين لا تستطيع المرأة المسلمة الزواج بالرجل المسيحي، كما أن المرأة المسلمة تستطيع أن ترث زوجها المسلم، في حين لا تستطيع المرأة المسيحية ذلك.

أحوال شخصية جديدة تكرّس التخلّف:
الأستاذ بسام القاضي، رأى أن قانون الأحوال الشخصية السوري بني على أسس دينيّة وفق تصورات جامدة مستمدّة من رؤية القرون الماضيّة، حين لم تكن الدولة الحديثة ولا مفاهيم المواطنة هي العقد الأساسي والوحيد المعتمد بين السكان بغض النظر عن لونهم وعقيدتهم وجنسهم، وبدلاً من العمل على تطوير هذا القانون باتجاه تعزيز المواطنة، رأينا الاتجاه إلى مزيد من التفكيك المجتمعي والتخلف عبر إقرار قوانين أخرى مبنية على أسس دينية (الكاثوليك، الروم الأرثوذكس) تعمل على تكريس قانون للطائفيّة على حساب المواطنة! ونعتقد أن المواطنة هي الصيغة الوحيدة الصحيحة والمناسبة والمقبولة للخروج من نفق الانتماءات الدينية- المجتمعية إلى رحاب الانتماء إلى الوطن. فالأديان والطوائف عموما هي تجمعات مغلقة تخشى أيّ "تسرب" داخلها مهما بلغ تعدادها. على هذا إن رفض المذاهب الدينيّة الزواج بين الطوائف هو أمر طبيعي بالنسبة للذهنيّة التي تأخذ بالإنسان وفق "دينه" فقط، وتعتمد "الانتماء" بناء على الولادة من أب ينتمي للدين أو الطائفه نفسها، ويشكل حق الزواج بالشخص الذي نحبه ونريده خطراً فادحاً لأنه يعني انتماء الأولاد (أي المصدر الأساسي للمنتمين إلى هذا الدين) إلى دين آخر..تأكيداً لذلك نرى أن جميع الطوائف والأديان تتساهل نسبياً مع زواج ذكورها من نساء ينتمين إلى أديان وطوائف أخرى، لأن هذا "سيأتي" بمنتمين جدد إليها. بينما ترفض بشدة زواج نسائها برجال من دين أو طائفة أخرى لأنه سيعني العكس بالنسبة للأولاد. وليس نادراً أن ينتهي هذا الزواج بقتل الفتاة لأنها ضمن تصوراتهم المريضة: "خانت" دين ذويها!.أن جميع سادة الأديان يرفضون الحق المكرّس في الأديان نفسها .!! والذي ينص على حق الإنسان اختيار دينه بنفسه وبحرية. فهذا يشكل خطراً على بنية العقل المغلق الذي يسيطر على جميع الأديان، ولأن هؤلاء السادة يخافون على مصلحتهم، إذ غالباً ما يسودون ليس بناء على العقل الحر المؤمن إنما في قدرتهم على "تضليل الجموع" واستفزاز مشاعرهم. من هنا يأتي عدم القبول بحق الإنسان في اختيار دينه (بما في ذلك أن يكون لا دينيا) وهذا تهديد مباشر لسلطتهم. فهو يفترض العقل المفكر والباحث طريقا لاختيار الانتماء الروحي (الديني)، ويضعه فوق الاستلاب البشع الذي يعتمد اعتبار الابن ملكا لدين آبائه! فهؤلاء جميعهم يعتبرون الإنسان في خدمة الدين (أوالطائفة)، بينما الأصل أن الدين في خدمة الإنسان. والغريب أن "سادة" الدين هم أنفسهم من يؤكّد ليل نهار أن دينهم هو "اختيار حر"! ويضربون الأمثلة بمن تحول من دينه إلى "دينهم"! متجاهلين أبسط قواعد المنطق التي تقول إن الدين هو اختيار حر بالاتجاهين، أن تختار دينك، أو تختار غيره، أو تختار ألا تؤمن بأيّ دين!. متجاهلين ومنكرين أن هناك أشخاصا آخرين "خرجوا" من هذا الدين!..أما الدين الذي يزعزعه الزواج بين شخصين لا ينتميان (أو لا ينتمي أحدهما) إليه، هو دين غير جدير بالحياة أو الاحترام. هذا عدا عن أنّه لا يستحق صفة دين أصلا، لأنّه بذلك يتحوّل إلى سلطة قراقوشية على حياة البشر.
في النهاية نلاحظ أنّ قانون الأحوال الشخصية يصادر مبدأ المساواة بين المواطنين الذي نصّ عليه الدستور السوري، وهذا يفترض من المشرعين إيجاد قوانين تتماشى مع الحالات الراهنة كواقع يجب مراعاته وكحق من حقوق البشر؛ الذين هم مواطنون لهذه الدولة ولا يجب إهمالهم. وإن هذه الحالات التي تمّت دراستها توضح أن الجميع لم يتخذوا موقفاً حاداً من الدين فالكلّ سيعلّم أولاده القيم الإنسانية، وأن الدين لصالح البشرية، وهو موقف متقدم جداً على مواقف رجالات الدين الذين لا يعرفون من الدين إلا التعصب والانغلاق والأصوليّة، وجميع من سألناهم كانوا مع تعدّد قانون الزواج، مدنيّاً ودينيّاًً. هذه التعدّدية يحميها فقط نظام علماني، يحترم خيار البشر في مسألة زواجهم، وهو مطلب حقّ لهذه المشكلة عديمة المعنى..!! والمؤدية للقتل بسبب تخلف قوانيننا ومجتمعنا ورجالات ديننا.


*- نشرت في موقع الأوان على حلقتين في 2/11/2008، و6/12/2008


هوازن خدّاج وعمّار ديّوب، (لماذا لا يكون الزواج ممكناً بين الطوائف في سوريا؟)

عن موقع الأوان، (2008)

 

0
0
0
s2smodern