قضايا الأسرة

صفق الباب خلفه وخرج من البيت والغضب يتملّكه والتوتر يسيطر عليه، أصبح في الشارع، هو فتى في مقتبل العمر لا يعرف إلى أين تقوده قدماه، لم يشعر بنفسه إلا وهو أمام البحر الذي يعشقه،

 بدأ يمشي الهوينى على شاطئ البحر وينظر إليه فرأى أمواجه تتلاطم بقوة وقسوة كما هو غضبه، نظر إلى الأعلى ليجد السماء ملبدة بغيوم رمادية داكنة وكثيفة تنذر بقرب هطول المطر وهي تشبه أفكاره السوداء القاتمة. تابع المشي ونظر للبحر مرة أخرى ليخبره مكنونات صدره المكبوتة عن الخلاف بينه وبين والده. فكل شيء يقوم به لا يعجب أباه، وكل ما يطلبه أباه منه لا يريده هو،حتى أنه بدأ يتحاشى اللقاء مع أبيه كي لا يولد الاحتكاك انفجارا بينهما، لماذا لا يتفهمني أبي ويقدر ويحترم رغباتي تساءل الفتى فأنا أحب الرسم وأقضي ساعات لابل أيام في ترجمة أحاسيسي ومشاعري إلى لوحات على الورق، فينظر والدي إليها ويبدأ بانتقاداته بأنها مضيعة للوقت ويقول: بدل أن يزداد اهتمامك بدراستك الجامعية تضيع وقتك بأمور لا منفعة منها علما بأنني غير مقصر بدراستي ولكن يبدو أن والدي يريد أن يراني دائما وأنا أدرس في الكتب الجامعية، وحتى إذا اشتركت مع فرق موسيقية راقية لأزيد من معرفتي الموسيقية التي أحبها أيضا لا يعجبه ذلك.
 مشى الفتى مسافة كبيرة وهو يسرّ للبحر بما في قلبه وكأنه يسأله العون، بدأ رذاذ المطر يلفح وجهه الذي ترتسم عليه علامات الضيق من تصرفات والده معه فيقول لنفسه : هل والدي لا يحبني؟ لأنه ينتقدني باستمرار ويعطيني ملاحظات لا تقارب واقعي ورغباتي. إنني ياصديقي البحر أفكر جديا في الهرب من المنزل، لابل من المدينة كلها فأنا لم أعد أستطيع الصبر على انتقاداته ولا تحمل كلامه الجارح، هنا ازداد هطول المطر وأصبح مزعجاً فثيابه ابتلت واحتار أين يذهب، وبعفوية وبراءة قال لابد لي من العودة إلى البيت، ولكن كيف سأتعامل مع أبي وبدأت قدماه تأخذه باتجاه البيت وعندما اقترب من المنزل رأى أخاه الأصغر يسير باتجاهه وهو يحمل مظلة يتقي بها المطر فقال له الحمد لله أنني صادفتك فقال له أخاه إن أبي هو الذي قال لي أن أذهب وأفتش عنك، لقد انشغل باله عليك لأنك لم تأخذ المظلة معك. عندها انسابت من عيني الفتى دمعة اختلطت مع قطرات المطر التي تبلل وجهه وغسلت أفكاره السوداء التي عشعشت في خاطره وقال في نفسه لقد ظلمت أبي فهو يحبني ويخاف علي. تبدلت التعابير القاسية التي كانت ترتسم على وجهه وانفرجت أساريره، وتابع مخاطبة نفسه إن والدي له طريقته الخاصة في المحبة وكيفية الحياة التي يتبعها منذ سنين عديدة ولا يستطيع تغييرها أو تغيير قناعاته لذلك يجب علي كفرد من الجيل الجديد أن أستطيع التكيف مع تفكيره وأن أجد السبل الكفيلة لكي تتلاقى تطلعاتي ورغباتي مع بعض ما يرغب والدي به وأن أجد الطرق التي يمكنني بها اقناعه بما أريده لمستقبلي وتصرفاتي. ثم تابع سيره مع أخيه حاملا مظلة حتى وصل إلى البيت ودخله والابتسامة تعلو وجهه المشرق.


أ. نشأن نزهة، (أفكار يغسلها المطر)    عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

خاص، نساء سورية

0
0
0
s2smodern