قضايا الأسرة

عيون مشدوهة، تتابع ذلك المشهد الطويل والمتكرر لتلك القبل الساخنة التي عادة ما تختتم بها تلك الحلقات التي جاوزت الخمسين بعد المئة..

 وأخيرا.. تظهر الشارة المعتادة التي تعلن انتهاء الصمت في المنزل، وبين أفراد العائلة، وكذلك إنهاء حظر التجول الإرادي الذي فرضه سكان مدينتنا الصغيرة على أنفسهم.. وبشكل طوعي نزولا عند جمال عيون وجسد بطلات الإغراء التركيات!!
يبدأ الحديث بعد ساعة كاملة من الصمت المطبق الذي لا يكسره إلا أنفاس الصدور الحارة وأصوات المدبلجين.
باستعراضي لعائلة صغيرة تألفت من الأب وإلام ومراهقين وطفلة..
الأب وبكل سعادة يطفيء الريموت كنترول، وابتسامة الرضى تعلو وجنتيه، والقبول واضح على عينيه القريرتين..
 تساءلت طفلته الصغيرة التي لم تتجاوز الخامسة من عمرها:
"بابا.. ليش من مين لميس حامل؟! هيي ما نامت معو بس باستو؟"
الأب وبكل فخر: يا بابا.. لاء صار.. بس حذفوها..!!
تمضي نصف ساعة أخرى قبل أن يعود كل من أفراد العائلة إلى وضعهم الطبيعي كل منهم لديه ما يشغله بشيء ما..
تخرج الفتاة من غرفتها مرتدية ملابسها.. تهم بالخروج..
يستوقفها الأب:
لوين..؟
تخبره بموعدها مع صديقتها لتدرسا معا..
يرفض الأب بشدة ويطلب منها العودة إلى غرفتها رافضا فكرة خروجها من المنزل لوحدها، وفكرة ذهابها إلى منزل لا يعرف ساكنيه، مبديا امتعاضه مما كانت ترتديه.. ينادي أم العيال وينبهها ويقّرعها لسوء اختيارها لملابس الفتاة الفاضحة والضيقة!!
تعود الفتاة إلى غرفتها ممتعضة.. غاضبة.. وبعد قليل باكية.. من قرار والدها الدكتاتوري المعتاد، مغلوبة على أمرها، من عدم قدرتها حتى على نقاشه بأنها تفضل الدراسة مع صديقتها، وبأن ذلك يعود عليها بالفائدة أكثر..

وفي ساعة أخرى..
 يلوم الأب ابنه على سوء علاماته ولا يلبث أن يتهم أم العيال أيضا، وكما العادة دائما.. بذلك التقصير منه في دراسته.. يحاول الابن إقناع والده بأنه لا يستطيع المتابعة في الفرع العلمي، لأنه غير قادر على استيعاب المواد الرياضية، يحتدم النقاش، وتنتهي الجولة بخسارة الابن لرغبته الحقيقية أمام تعنت وجبروت الأب وتشبثه بقراره الغير مبرر!!

مساء...
تعلو أصوات الزوجين.. يصرخ الزوج:
" ألتلك عرس بنت أختك ما بروح عليه "!!
تحاول أن تقنعه بأنها ستكون محرجة فيما لو لم يذهب.. وسيكون الحرج اكبر فيما لو ذهبت بدونه إلى الزفاف، عبثا تحاول استجرار موافقة واهية، تارة بالإقناع.. وتارة بالصراخ..
وينتهي الأمر بقناعتها بأن ذلك الجبل لن يهتز له جفن إلا بمعجزة إلهية!!

ينتهي يوم، ويبدأ يوم جديد يمر كما سبقه من الأيام وتعود العائلة الكريمة لتتابع بكل شغف، وفي نفس الساعة حلقاتهم المفضلة!!
تمضي عدة أيام ويصادف الحلقة الأخيرة من هذا المسلسل بداية لحلقات جديدة من مسلسل يعرض في أحداثه النقيض الكامل لما تابعته الأسرة قبل شهر رمضان.. ومع ذلك تتم المتابعة بنفس الشغف والحب والتوق لرؤية المزيد من الحلقات من الفضائيات هنا وهناك..

هذا هو حال العائلة السورية، والتي تستطيع التكيف مع كل الحضارات، ومتابعة كل الثقافات، وقبول كل التيارات بكل ما تحويه من أفكار خاصة بهذا التيار أو ذاك.. مبدية كل الانفتاح اللازم لتكون على قدر من الوعي والحس العالي في المسؤولية لمواجهة كل التحديات!!
فالأسرة السورية أو بالاحرى.. رب الأسرة السورية لا يجد غضاضة من أن يكون قادرا على العيش في حالة لانفصام الشخصية الدائم، وعلى العيش ضمن ازدواجية تحت مبدأ:

" ما أرغب به سوف يطبق في بيتي وما انبذه أقصيه من قائمة المسموحات"

هذه التركيبة الغريبة التي تحيط بعائلتنا الشرقية والذي تقبل بأن تتابع تلك الترهات المدبلجة وإعطائها مساحة واسعة من وقتها وعقلها الظاهر!!
 علما إن العقل الباطن يرفض كل كلمة، وكل مشهد، ويرفض حتى ذلك النوع من الثقافة التي يتم التعامل بها في المسلسل وكذلك اللباس، وحتى تلك الأفكار الإباحية التي فيما لو فكر بها احد أفراد عائلته.. فان شرف العائلة سيرفع البطاقة الحمراء لمن تسول له أن يفكر مجرد فكرة بأن يعترف أو يشيرالى أي وجود للحب بين شخصين تحت أي بند كان ولو كان تحت وازع الارتباط بداعي الزواج.

 بينما هذه العائلة نفسها ترفض أن تعطي أطفالها أو منزلها دقائقا معدودة ليستمعوا إلى رغبات بعضهم البعض واحتياجاتهم بهدوء بعيدا عن أي عصبية فكرية أو تزمت عقلي!!

هذه هي العائلة السورية.. التي تمتلك القدرة الكبيرة على التسامح!!
سعيدة.. مصفقة لذلك الحب المطاط بين أبطال المسلسل، تارة تلوم البطلة.. وتارة أخرى تلوم عشيقها.. وفي أحيان أخرى تغفر الخيانات الواقعة بين المحبين والأزواج!!
فتلك أمور.. لا يجب أن يهدم حب الأبطال لأجلها! إذا لا بد أن أسرنا ترغب في الحداثة، وفي بعض التغيير!!

ولكن ما أن أطل باب الحارة الطويل والعريض.. حتى عاد مجتمعنا من جديد يصفق سعيدا ومبتهجا.. لذلك الماضي المدبلج ولكن بلغة الكاتب والمخرج معا، يحض في مشاهداته على ضرورة تأديب تلك.. وسخط تلك الأخرى.. مذكرا مشاهديه خاصة الذكور منهم بوضع أيديهم على شاربيهم متحسسين موضعهما.. حاسدين أحد أبطال المسلسل.. لأنه استطاع أن يكون مثل فلان الذي استطاع تأديب زوجتيه ووضعهما في منزل واحد..
ناظرا بطرف عينه إلى عائلته التي لا يتوانى بكل مناسبة، أن يطبق عليها بعضا مما يمليه عليه عقله الباطن!!

ماهو سبب هذا التخبط الفكري؟!
هل نعيش حالة انتقالية بين ما يفرض علينا إعلاميا، وبين ما تكدس عهودا في عقولنا!!
وما الذي يساهم في ترسيخ هذا التخبط؟!
هل هي العادات والأعراف فقط؟! أم تساهم القوانين أيضا بجزء من ذلك.. كونها تحمي استمرارية هذه الأعراف عن طريق تكريسها وتجسيدها من خلال دعم العنف ز ضمن الأسرة الواحدة والتمييز على أساس نوع الجنس.
لعل مجتمعنا يقف عند عتبات التغيير، راغبا بالتطور الحضاري، لكن عند كل خطوة إلى الأمام تجره عشرات القيود سواء التي تدعمها القوانين، إضافة إلى الأعراف والتقاليد..
لذلك نجد أن رغبات مجتمعنا تتخبط بين رغبتها بالتمسك بالماضي، متمسكة بأي شيء قد يدعوها إلى التغيير، فنقع في فخ الهجمات الإعلامية الفارغة والخالية من أي مضمون ايجابي أو ثقافي..
أمام كل هذا التخبط يتبادر إلى أذهاننا السؤال التالي:
إلى متى سيستمر هذا التخبط الفكري؟
والى أين نحن ذاهبون؟


 ربا الحمود، عضوة فريق عمل نساء سورية، (إلى أين نحن ذاهبون في تناقضاتنا؟)

خاص، نساء سورية

0
0
0
s2smodern