قضايا الأسرة

لم تكن تتوقع يوماً أن تصل الحال بهما إلى ما وصلت إليه؛ على حدّ تعبير "زينة. ن" التي تزوجت من "ربيع.س" وعاشت معه ست سنوات بأفضل حال، إلى أن جاءت اللحظة التي قرَّر فيها زوجها أن يدخل في علاقات غير شرعية مع سيدة تعرَّف عليها من خلال أحد أصدقائه.
 
SWOزينة أخبرتنا عن معاناتها بسبب زوجها، عندما أدركت متأخرة أنه يخونها. وعندما حدثتنا عن الخيانة، بدت وكأنها تعيش اللحظة لتوها: "خيانته الأولى لم تكن وحدها السبب في دخول الخلل إلى حياتنا وحياة أبنائنا، لاسيما أنه تلتها خيانة تلو أخرى، حتى انقلبت حياتنا رأساً على عقب، حيث كنت في كل مرة أحاول الانسحاب والحصول على الطلاق، إلا أنه كان يعود ليتوسل، وفي المقابل كنت أفكر بأبنائي الذين مازالوا صغاراً، فأتراجع عن اتخاذ هذه الخطوة، إلى أن أصبحت حياتنا كالجحيم (توترٌ دائم، وشجار، وصراخ، وغضب). وهذا بالتأكيد أثَّر على شخصية أبنائنا. أما أنا فقد فقدت ثقتي بنفسي، حتى بدأت أبحث عن كل الطرق لإرضائه، ظناً مني أن الخلل يكمن بي، ولم أترك عملية تجميل. ومع هذا أنظر لنفسي على أنني قبيحة وينقصني الكثير لأكون امرأة كاملة.

وبعد هذا التوتر، تغيَّر الوضع الآن ومضى كل شيء في سبيله، وقد تغيّر زوجي وعاد كما كان. لكن ماحصل قد حصل، وأصبحت أدمن التدخين بشدة، وصحتي تدهورت، ونفسياً تغيرت كثيراً ولم أعد قادرة على أن أعود كما كنت تلك المرأة المرحة المبتسمة والواثقة من نفسها، إضافة إلى أنَّ الشك فيه دائماً يلازمني بسبب أو من غير سبب".
هذه حال أغلب نساء مجتمعنا ممن يعانين من وجود امرأة أخرى في حياة أزواجهن، لكن ليست كلّ امرأة تملك الشجاعة لكي تتكلم عن وجود هذه المشكلة في حياتها؛ وذلك كي تحافظ على أسرتها من التفكك أو لخوفها من أن تخسر أولادها، فـ"تعضّ على الجرح وتسكت" وتتحمل ذلك من أجل أولادها.
جميعنا يعرف أنَّ التعدّد في الزوجات من حقّ الزوج، وأنَّ هذا ليس بحرام يُعاقب عليه الزوج. لكن بعض الرجال استغلوا هذا الحقّ، وأسرفوا في الزواج، سواء لأسباب قاهرة أم لا. لكن وفي وقتنا الحالي، إضافة إلى تعدّد الزوجات، أصبح هناك شيء آخر منتشراً بكثرة ألا وهو لجوء أغلب الرجال ليكون لديهم علاقات بالسر ومن دون علم أحد، وذلك إما حفاظاً على البروتوكول الاجتماعي أو لأنَّهم غير قادرين على الزواج أو هرباً من المسؤولية، فيصبح لدى الواحد منهم علاقة سرية غير مطالب بشيء تجاهها، مما يؤثر سلباً على الأسرة وعلى الزوجة. فالرجل ونتيجة لمعطيات كثيرة اجتماعية ونفسية وسلوكية، يلجأ إلى علاقة في السر، وحتى في حال عرفت الزوجة وجود امرأة أخرى في حياة زوجها تبقى غير قادرة على فعل أيّ شيء إزاء هذه المشكلة. وكما تقول منى: "منذ أن تعرف زوجي إلى امرأة أخرى، انقلبت حياتنا في المنزل رأساً على عقب، وبات زوجي يصطنع المشاكل فقط لكي يصرخ أو يشتم؛ ففي البداية لم أكن أعلم أنه كان يخرج مع امرأة أخرى، وبعد معرفتي (كبست على الجرح ملح وسكتت)، ثم أصبحت لا أتكلم معه كثيراً، وكأننا غرباء نعيش في منزل واحد، ومازلت على هذه الحال منذ سنتين ولا أريد الطلاق حفاظاً على أولادي".
الخيانة الزوجية من أبشع الأمور التي من الممكن أن تتلقاها الزوجة ولا تقدر أن تفعل حيالها شيئاً؛ إذ تكتفي معظم النساء المتزوجات بالسكوت وعدم التكلم خوفاً من الفضيحة.. وكم سيكون هذا الشيء مؤلماً لها، وكم سيترك جرحاً كبيراً من الصعب معالجته، والأثر الأكبر سينعكس على الأولاد الذين يشاهدون أمهم في هذه الحال؛ فالفتاة ستفكر هل سيفعل زوجها الشيء نفسه في المستقبل، والشاب أيضاً سيرى أنه محلل له أن يفعل ذلك عندما يتزوّج؛ كما تشير أم أحمد: "لقد أصبح هناك جفاء في عائلتي بين أولادي وأبيهم، لاسيما بعد اكتشافهم خيانته لي وصحبته لامرأة أخرى غيري أنا. رضيت بهذه الحال، وأخبرت زوجي أنه يحقّ له أن يفعل ما يشاء، لكن عليه ألا يقصر في واجباته تجاه المنزل والأولاد، ونحن على هذه الحال منذ ثلاث سنوات".
لكن في المقابل هناك نساء أخريات يرفضن السكوت ويعاملن أزواجهن بالمثل كما حدث مع إحداهن؛ فالخيانة الزوجية أيضاً وجدت طريقها وسكنت في حياة شخصين تزوجا رغماً عن أهلهما، لكن الخيانة لم تعرف يوماً معنى للحب أو النقاء. خيانة الزوج (ع. ع) المتكررة، والتي شملت أكثر من امرأة لم تترك مجالا للزوجة إلا للتصرف بالمثل، حيث تقول ر.و: "أن أتحمل وجود أخريات في حياة زوجي أمر صعب وأن أعود إلى بيت أهلي أمرٌ بالغ الصعوبة، وبكل صراحة أقولها فليعش كل منا حياته كما يشاء، وأعيش حياتي كما أشاء، ولن يحصل شيء للأولاد، فهم معقدون نفسياً بكل الأحوال، وليتحمل هو عاقبة أفعاله وليس أنا".

ضوابط اجتماعية وأخلاقية تحكم الرجل
وبما أنَّ هذه الظاهرة تؤثر في المجتمع والأسرة، حدثنا الدكتور أحمد الأصفر الاختصاصي في علم الاجتماع العملي، عن الدوافع والأسباب التي تدفع بالزوج لمصاحبة امرأة أخرى غير زوجته: "هناك أسباب تتعلق بمنظومة القيم التي يحملها الرجل عندما يكون لدى الإنسان قيم الحلال والحرام وقيم أخلاقية؛ فأيّ تغيير في الأسرة يخضع لنوعين من العوامل؛ عوامل الدفع المرتبطة بطبيعة علاقته مع زوجته وطبيعة ظروف الحياة الزوجية والضوابط الاجتماعية أي هي التي تدفع بالرجل ليبحث عن امرأة أخرى، وهناك عوامل الجذب التي تتمثل بالطرف الآخر أي بظروف الصديقة الجديدة، فطبيعة عمله والبيئة التي توفر له التواصل مع أصدقاء ونساء غير زوجته. وهذا كله يرجع لمنظومة القيم الأدبية والإنسانية التي تؤثر في طبيعة الرجل؛ فإذا كانت عوامل الجذب قوية والضوابط الأخلاقية ضعيفة لديه، فإنه ينجذب لامرأة أخرى، أما إذا كان مستوى الضوابط التي يتمسك بها قوية فهذا يمنعه من الانجذاب، وإلى جانب ذلك هناك الضابط الديني (الحلال والحرام)، فالمجتمع التقليدي لا نرى فيه هذه الظاهرة إلا في نطاق محدود جداً. وفي حال ضعف الضابط الديني والاجتماعي يصبح الرجل ريشة في مهب الريح ليس له ثبات".

الدين يحرّم على الرجل مصاحبة امرأة أخرى
 وحتى وجهة نظر الدين غير موافقة وتعارض هذه الحالة؛ يقول الدكتور محمد وهبة (باحث إسلامي ومدرس في معهد الفتح الإسلامي): "إنَّ وجود صاحبات وعشيقات للرجل المتزوج حرام من الشقّ الديني فقد يلجأ الأزواج إلى التعرّف على نساء أخريات غير زوجاتهم فيدعون الحلال ويقبلون على الحرام. ولهذا أسباب عديدة اجتماعية ودينية، يمكن أن نوجزها بأنه يمكن أن يكون هناك نوع من الملل عند الزوج من جراء الحياة الاعتيادية والمكررة في حياة زوجته، فما تلبث الزوجة أن تتزوج حتى تنغمس في أمور المطبخ وتربية الأولاد على حساب رشاقتها وجمالها وجسدها وحالتها النفسية والروحية مع زوجها، والكثيرات من النساء نراهنّ يتزيّن لغير أزواجهن، فإذا ما كانت مدعوة إلى مناسبة وسهرة فإنها تهتم بأناقتها وعطرها، أما في بيتها فلا تهتم بكل هذه الأشياء، وزوجها في المقابل يرى زميلاته في العمل أو في الشارع أو في غير ذلك وهنّ متزينات، فيقارن بين هذه وتلك، وتغلب عليه شهوته ونزواته، فيفضل الغريبة على زوجته. وبهذا تكون المرأة قد ارتكبت حراماً بإهمالها لزوجها وبتزينها لغيره". ويضيف وهبة: "المطلوب أن تتزيّن المرأة لزوجها، حتى تلفت نظره واهتمامه، وأيضاً المطلوب من الزوج أن يتزيّن لزوجته كما يجب أن تتزين له"، مشيراً إلى أنَّ العذر الموجود لدى الرجل لإقدامه على هذا العمل هو الهروب من البيت والملل والروتين، حيث يجد في صاحبته الأخرى تعويضاً عن هذا النقص. لكن هذا لا يبرّر شرعاً، ولا يجوز أصلاً، فالنبي حذّر ممن يبيت عند امرأة لا تحلّ له تاركاً زوجته الحلال، وشبّه ذلك بمن يأكل اللحم الفاسد تاركاً اللحم الطازج الممتاز. ومن الأسباب التي تدفع الرجل للذهاب إلى امرأة أخرى غير زوجته الارتكاس إلى الشهوات والمضي وراء النزوات والائتمار بأمر الشيطان والنفس والهوى. وهذا كله قد نهانا عنه ربنا. وإذا ما أشبع الإنسان غرائزه دون ضوابط، فهو أشبه بالحيوانات بل الحيوانات أفضل منه، لأنه غير مسؤول أو غير مكلّف؛ فعلى الأزواج أن يقنعوا بما قسم الله لهم، وعلى الزوجات أن يبدين اهتمامهن بأزواجهن ويجعلن من البيت جنة يسارع الرجل في المجيء إليها، والمرأة الصالحة إذا نظر إليها الزوج سرّته ولا يتركها إلا كارهاً ولا يأتي إليها إلا ولهاً.
صحيح أنَّ من واجب الزوجة الاهتمام بنفسها لأجل زوجها، لكن يجب على الرجل ألا ينسى أن يهتم بنفسه من أجل زوجته.. هذا ليس حكراً على الزوجات فقط، فمن قال إنَّ المرأة لا يصيبها الملل جراء الحياة الروتينية، فأغلب الرجال في مجتمعنا يحللون لأنفسهم ما يحرّمونه على الآخر، فيعطون لأنفسهم الحقَّ في ممارسة أي شيء وفي فعل ما يحلو لهم".

وجهة نظر
وبرأي بسام القاضي مشرف مرصد نساء سورية، "إن الزوجة تشارك في الحياة اليومية القاسية والصعبة والتي حُلوها أقل بكثير من مرها كما نعرف جميعاً، وغالبا ما تدفع هذه الزوجة أضعاف ما تحصل عليه. وأعتقد شخصياً أنَّ الصحيح هو أن تكون العلاقة أحادية، أي أن تكون بين رجل واحد معين وامرأة واحدة معينة. فالعلاقة بين الرجل والمرأة هي علاقة تشاركية، ومن الصعب أن يكون هذا التشارك عندما تتعدَّد الأطراف، لاسيما أنَّ التعدد هنا هو تعدّد غير متكافئ. فالرجل هنا يحصل على الدعم الحياتي من زوجته، ويحصل على متع إضافية من محظيته أو صاحبته! وبعيداً عن توصيفات جاهزة مثل الـ"خيانة"، لنقل إنَّ هذا نوع من الاستغلال الواضح للمرأتين؛ للزوجة التي تتحمل كافة أعباء المشاركة ومن ثم يجري توجيه المشاعر الجميلة والتعامل اللطيف والتوهج الجنسي إلى امرأة أخرى!، وللصاحبة التي تقدم كل ما لديها عادة في هذه العلاقة بينما هي مجبرة على الاحتفاظ بعلاقتها ضمن نطاق معين أو سرية تامة، ومحرومة من المشاركة الحياتية اليومية مع هذا الشخص!".
ويضيف القاضي: "هذا يعني بوضوح أنَّ الرجل يعيش ازدواجية، إضافة إلى الاستغلال المزدوج الذي يمارسه. ومن الطبيعي أن ذلك سينعكس سلباً على ما يقدمه لأطفاله من مشاعر واهتمام، عدا عن المثال الذي يقدمه لهم، وعدم الثقة التي يزرعها بهم. وأظن أنَّ أغلب أولاد الرجال من هذا النوع يعرفون بشكل أو بآخر سلوك آبائهم. وإضافة إلى أنَّ هذا السلوك سوف يدخل في منظومتهم الفكرية والقيمية، فهو سوف يجعل من التوازن (الذي يفترض أن يحقق تشارك الزوج والزوجة في العناية بأطفالهم) توازنا مختلا، بكل ما يتركه من آثار نفسية قد تكون شديدة السوء. وهناك الكثير من الأمثلة على هذا الخلل".
برأيي: حين يقرّر الرجل (أو المرأة) أن يذهب باتجاه الاهتمام بشريك آخر، فأول ما يجب فعله هو أن يقطع العلاقة الخاصة مع شريكه الحالي. هذا أقل ما تقتضيه كلمة "الشرف" التي غالباً ما نحمّلها معانيَ بالغة السوء.


ماريشا زهر، (لأنها ليست إحدى حكايا شهرزاد... الخيانة الزوجية..)

عن جريدة بلدنا، (11/09/2008)

0
0
0
s2smodern