قضايا الأسرة

واقفة أمام المرآة تنظر الى وجهها وجسمها وشكلها، إنها ليست المرة الاولى التي تنظر في المرآة ولكن هذه المرة تختلف عن سابقاتها، فاليوم أتمت أربعين عاماً ولا تريد الاعتراف بذلك، وهي لا تستطيع أن تخفي ذلك عن المرآة التي رافقتها سنوات عمرها، منذ أن بدأت تشعر بأنوثتها وهي لم تبلغ العاشرة بعد،

 واليوم تشعر بأثر الزمن وثقله وهي تنظر الى شعرها الذي بدأت تتغلغل فيه بضع شعيرات بيضاء صارخة ومعلنة بأنها لم تعد صغيرة. حتى جسمها تراه اليوم يختلف، حيث بدأت تظهر فيه كتل شحمية في أماكن مختلفة جعلتها لا تستطيع أن تواكب ألبسة هذه الأيام، فكلما جربت صرعة من صرعات الموضة تجد نفسها وكأنها لا تنتمي الى هذا الزمن، فهي تنظر الى ابنتها الشابة وهي تلبس وتتغندر ثم تتحسر على نفسها قائلة: لماذا لا أستطيع أن ألبس مثلها ومثل باقي الشابات، وجّهَت الى جسمها في المرآة نظرة قاسية، نظرة تحمل كل معاني الغضب والكره والحسد، عندها وكأن صحوة أعادتها من غيبوبة كانت تغوص فيها فتمدها بدماء تجعلها تحسد ابنتها وتغار منها، وضعت يدها على رأسها وهي تفكر هل أنا أغار من ابنتي وأحسدها...؟ لا هذا لا يمكن فأنا لست كذلك ولا تفكيري يصل الى هذا المدى، تجمعت قطرات دمع وسالت من عينيها على خديها. هل هي دموع حسرة وندم على شباب ذهب؟ أم دموع خوف على مستقبل عمر لا تعلم كيف سيكون؟

فٌتِح باب الغرفة ودخل زوجها ورأى آخر قطرات الدمع على خديها فاقترب منها وقسمات وجهه ترسم سؤالاً واضحاً دون أن يتكلم.. لماذا هذه الدموع!!! اسندت على كتفه واخبرته عن هواجسها ثم سألته أما زلتَ تحبني كما كنتَ عندما تعرفناأيام الجامعة وجمع الحب بيننا، فأنا لم أعد كما كنتُ في تلك الأيام الفتاة الصبية الجميلة الأنيقة وكأن سنوات الزواج والاولاد والبيت وكذلك العمل خارج المنزل استهلك جمالي وشبابي، نظر الزوج في عينيها نظرة حب ووله وعشق دائم وقال لها وهو يمر بأصابع يده على شعرها، وهل أنا كما كنتُ حينها، إن سنوات الزواج والعشرة بدت آثارهم عليّ أيضاَ كما زادوا من حبي لك أضعاف حبي السابق، فأنا اليوم لا أرى فيك الفتاة الصبية الجميلة فقط؟ بل أرى أيضاً السيدة الناضجة والمربية والأم الحنون، أرى في عينيك ازدياد العشق بيننا وكأننا ما زلنا في سنوات الحب الاولى، وإذا كنت قد رأيت دموعك فهي يا حبيبتي الماء الذي يسقي حبنا ويجعله يستمر، ثم أخرج من جيبه قلا دة جميلة وأزاح خصلات شعرها وزّيّن بها جيدها وضمها الى صدره وكأنه يحميها من الزمان حتى لا يستطيع الوصول إليها وهمس بأذنها (لا أحد يا حبيبتي يمكنه أن يصل الى جمالك طالما أنا معك).

انسابت من عينها دمعة لم تكن كدموعها السابقة، هي دمعة شعرت من خلالها بالإطمئنان والسكينة. ونظرت من جديد الى المرآة فرأت سيدة جميلة واثقة من نفسها ناضجة بتفكيرها، فضمت زوجها وقبَلته قبلة العاشقة والحبيبة والزوجة والصديقة والرفيقة. ثم خرجا من الغرفة معاً ليحتفلا مع الأولاد بعيد ميلادها.


أ. نشأت نزهة، (هواجس أنثوية)، عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

خاص: نساء سورية

0
0
0
s2smodern