قضايا الأسرة

جالس في مقعده ينظر الى جدار الغرفة ويتأمل صور أولاده، فهذا ابنه البكر في أول سنة له في الجامعة، وهذه ابنته في الصف الأول الثانوي، وتلك الصغيرة ذات الأعوام السبعة هي الصغرى بين أبنائه. نظر ملياً الى وجوههم وهو يستعرض علاقته معهم كأب!

إن زوجته تقول أنه قاس جداً معهم ولا يوجد أي رابط أو سبب يجعلهم يطمئنوا ويثقوا به ويصرحوا له ما يجول في أذهانهم من أفكار، حتى أنهم يحجمون عن سؤاله أو الاستفسار منه عن أي شيء يصادفهم، لا بل وحتى عند مجيئه للبيت يتحاشون الوجود معه في نفس الغرفة.
أشعل سيجارة وبدأ يستعرض الأيام الماضية وكيف كان يتصرف معهم متذكراً أن ابنه عندما اختار الفرع الذي سيدرسه في الجامعة، حاول معرفة تفكير والده وأخذ النصيحة منه واستشارته، فكان رده جافاً وقاسياً حيث قال له (لن تفلح في أي شئ تدرسه)! لماذا قال ذلك؟! سأل نفسه ولم يجد إجابة مقنعة سوى أنه كان يحاول أن يتبع طريقة والده في التربية والذي كان يؤمن بأن الأب يجب أن يبقي بينه وبين أولاده حاجزاً! فهو لا يضحك معهم ولا يتكلم معهم كثيراً ولا يجوز أن يتحركوا أو أن يلعبوا أثناء وجوده في البيت!
أخذ نفساً عميقاً من سيجارته وقال لنفسه: حاولت أن أكون نسخةً عن أبي المرحوم في تربيتي لأولادي، هل كنت مخطئاً في ذلك!!! فأنا أحب أولادي كثيراً وأبذل الغالي والرخيص في سبيلهم كي أراهم في مستقبل مشرق وحياة سعيدة، ثم تدافعت الأفكار في رأسه وبدأ يقلبها ويصنفها "صحيحة أم خاطئة"k مسترسلاً مع أفكاره وهواجسه "أبي، أريد أن أذهب لبيت رفيقي للدراسة معه".. سمع الأب هذه الكلمات التي أعادته إلى الواقع، فنظر إلى ابنه وقد عادت إلى رأسه أفكار وطريقة والده، كما تغيرت تعابير وجهه وملامحه قائلاً: لا، ادرس في البيت.
أدار الشاب ظهره وخرج دون أي كلمة. لماذا لم يردّ؟ تساءل الأب.. ولماذا تصرفتُ هكذا؟ فأنا أحب ابني، وأرى نفسي فيه، وأتمنى له المستقبل الزاهر! دخلت زوجته إلى الغرفة قائلة: لماذا تصرفت هكذا؟ ألا تعلم أن ابنك مطلوب منه كتابة بحث من كتاب لا يملكه ولا يريد إرهاقك بشرائه، وأراد قراءته عند رفيقه؟!
ضرب الأب يده على رأسه ونظر الى زوجته خجلاً من نفسه، ولم يستطع الرد! فتابعت الزوجة كلامها: كما أن ابنتك خافت أن تطلب منك الموافقة على ذهابها الى بيت رفيقتها التي دعتها لعيد ميلادها! يا رجل! لماذا جعلت أولادك يخافون منك مع أنهم يحبونك ويحترمونك.
استجمع الوالد تفكيره وارتسمت على وجهه علامات الحب والحنان والتي قلّ ما كان الأبناء يرونها على وجهه، وخرج من الغرفة ليقول لابنه: بنّي، اذهب وادرس ولا تشغل بالك بالوقت، فأنت رجل. ونظر إلى ابنته وهو يقول: هيا يا حلوة لنشتّر لرفيقتك هدية ثم أوصلك الى بيتها..
ضمت الطفلة الصغيرة أمها وقبلتها وقالت: ماما إن بابا يحبنا! فنظرت الزوجة إلى زوجها نظرة حب وتقدير وابتسمت ابتسامة الرضى وغمزت له بعينها نحو ابنتهما الصغرى وهي تضمها، فقال الأب أما أنت يا شقية ماذا تريدي أن أجلب لك عند عودتي؟
ركضت الصغيرة تاركة حضن أمها لتستقر على حجر والدها وتقول له دون خوف، بل باطمئنان: "شئ طيب يا بابا".


أ. نشأت نزهة، (جردة حساب أبوية)، عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

خاص: نساء سورية

0
0
0
s2smodern