قضايا الأسرة

يأتي الدستور (شيخ القوانين) في أعلى المراتب، فهو يمسك دفة الوطن ويقوده بالاتجاه المحدد بوساطة نصوصه وقواعده ومبادئه. وليس لأي تشريع أو مادة قانونية مخالفته نصاً أو روحاً.

وكل مخالفة للدستور معرضة للإلغاء من قبل المحكمة الدستورية العليا التي نص عليها الدستور في المواد / 139-148 /. كما أنه من واجب القضاء عدم تطبيق أي مادة قانونية غير دستورية.
عليه فالدستور هو رمز الوطن وتجسيد لسيادة المجتمع. مما يقضي معه أن تكون كافة التشريعات دستورية وأيضا يجب أن تعمل هذه التشريعات على تحقيق أهداف الدستور.

بالرجوع إلى قوانين الأحوال الشخصية التي تنظم الأسرة، والتي تستند على الأساس الديني لكل طائفة، فعددها ثمانية! أي أنه لدينا ثمانية محاكم مختلفة بقوانين ثمان للأسرة السورية، وبنصوص مختلفة!
وتضم معظم هذه القوانين مواد تنص صراحة على بطلان الزواج ومنعه باختلاف الدين! فالفقرة /2/ من المادة 48 من قانون الأحوال الشخصية 59/1953 تنص على:
"2- زواج المسلمة بغير المسلم باطل".
وتنص الفقرة ك المادة /18/ من قانون الأحوال الشخصية للروم الأرثوذكس 23/2004 على منع الزواج (باختلاف الدين)!
والسؤال هنا: هل هذين النصين (وأمثالهما) دستوريان؟ أو أنها نصوص تخالف الدستور، مما يعني بطلانها قانونياً من جهة، وعدم الأخذ فيه قضائيا كونها مخالفة للدستور؟
برأيي أنها نصوص غير دستورية، بل ومعارضة للدستور ويجب إلغائها كونها تتناقض معه، وهذا سبب كاف لإلغائها.
كما يجب إلغاؤها أيضاً لعدم وجود سبب أو مصلحة للمجتمع في مثل هذه النصوص. فالدستور يعتبر المواطنين متساوين في الحقوق والواجبات، ولا يميز بينهم لأي سبب، بل ويؤكد على الارتقاء بالمجتمع اعتمادا على الأسرة /الخلية الأساسية /:
مادة 44 - الدستور السوري (دستور رقم (208) تاريخ 12/03/1973):
-1 الأسرة هي خلية المجتمع الأساسية وتحميها الدولة.
2 - تحمي الدولة الزواج وتشجع عليه وتعمل على إزالة العقبات المادية والاجتماعية التي تعوقه وتحمي الأمومة والطفولة وترعى النشء والشباب وتوفر لهم الظروف المناسبة لتنمية ملكاتهم.".
 وفي المادة /25/ ينص الدستور على تساوي المواطنين وقداسة حق الحرية وسيادة القانون.
 مادة 25 - الدستور السوري (دستور رقم (208) تاريخ 12/03/1973):
1 - الحرية حق مقدس وتكفل الدولة للمواطنين حريتهم الشخصية وتحافظ على كرامتهم وأمنهم.
2 - سيادة القانون مبدأ أساسي في المجتمع والدولة.
3 - المواطنون متساوون أمام القانون في الحقوق والواجبات.
4 - تكفل الدولة مبدأ تكافؤ الفرص بين المواطنين".
 وفي المادة /35/ ينص أيضاً على حرية الاعتقاد وممارسة الشعائر الدينية على أن لا تتعارض مع النظام العام الذي يعني الأمن وسلامة المجتمع أي الدستور.
مادة 35 - الدستور السوري: ( دستور رقم (208) تاريخ 12/03/1973):
1 - حرية الاعتقاد مصونة وتحترم الدولة جميع الأديان.
2 - تكفل الدولة حرية القيام بجميع الشعائر الدينية على أن لا يخل ذلك بالنظام العام."
هذه المواد وروح الدستور تؤكد بأن أي شرخ في المجتمع أو أي تمييز فيه على أساس الانتماء أو الجنس أو الشخصية أو الدين فهو غير دستوري... وإن أي عمل من شأنه أن يؤدي إلى تداخل المجتمع وازدياد تقاربه وتلاحمه فهو دستوري.

هناك صور جميلة جدا لأسر كثيرة.. أعمام الأولاد مسلمون وأخوالهم مسيحيون، أو بالعكس. أي أن اختلاف الدين بين الزوج والزوجة يؤدي إلى اختلاط اجتماعي وتقارب ونجاح أكيد للأسرة في تحقيق مستقبل باهر. وتعميم هذه الحالة يساهم في نهوض المجتمع وتطوره، فكم من الرائع أن تتداخل كافة الأديان في بلدنا لرسم أسرة فيها كافة الألوان السورية، وكل لون فيها يفيض بجماله معلنا الحب والإخلاص لوطن اسمه سوريا.

ولندقق في أسر فيها الأعمام علويون، الأخوال أرثوذكس.. أعمام الأعمام سريان، وأخوالهم مسلمون أو كاثوليك أو.. وهكذا حتى تدخل كافة الأطياف والألوان التي أعرفها والتي لا أعرفها في رسم أجمل لوحة سورية اسمها الأسرة أو العائلة... وعلى مدى عدد قليل من الأجيال سنجد أن أعضاء المجتمع أقرباء وأصدقاء ومندمجين ومتقاربين في الثقافة ومتحابين. وهذا التقارب من أهداف الدستور.

كما أن عرقلة اندماج المجتمع لأي سبب كان فهو غير دستوري ويجب إلغاؤه. وبالتالي يكون منع الزواج باختلاف الدين، وإن كان له ما يبرره في بداية الدعوات الدينية، إلا أنه اليوم -في زمن الأوطان- لم يعد له ما يبرره. فربما كانت علة المنع في تأمين الحماية للمرأة. أما الآن ومن خلال الدستور فهي محمية بالقوانين والسيادة الوطنية. والأهم لهذه الناحية السؤال الذي تسأله حالة (المنع): لماذا هذا المنع؟! هل لأحد أن يجيب على هذا السؤال دون أن يدخل في مغبة التمييز في أبناء المجتمع الواحد والذي يخالف الدستور؟!
 
مقدمة أخيرة:
المواطنة قرابة من الدرجة الأولى، ودرجات القرابة الأخرى تأتي درجة ثانية وما بعدها. والمجتمع بمؤسساته هو من يحمي أفراده بتأمين المعالجة المجانية بالمشافي الوطنية والتعليم وبمؤسسات التأمين وحالات العجز والشيخوخة وإدارة الاقتصاد والأمن والقضاء والجيش.... ولا يمكن لغير الدولة أن تقوم بهذه الخدمات.
فالتساوي في الحقوق هو حق يكفله الدستور. وبغير التساوي نخالف الدستور ونناقضه. ولا بد للمجتمع من قانون واحد للأحوال الشخصية, يتساوى فيه المواطنون كافة دون أي تمييز سواء لجهة الحق في التبني أو الزواج أو الإرث أو غيره من الأحوال الشخصية.

فالسوري جميل إن كان علويا أو مسيحيا أو سنيا أو أرثوذكسا أو كاثوليكيا أو شيعيا.. ولكنه أجمل وأروع إن كان سورياً: مسيحياً مسلم علوياً سنياً أرثوذكسياً كاثوليكياً شيعياً... بذات الوقت.

(مادة 66 - قانون الاحوال الشخصية للطوائف الكاثوليكية - القانون رقم (31) لعام 2006 - قانون رقم (31) تاريخ  17/06/2006):
- التبني عقد قضائي احتفالي ينشىء بين شخصين روابط مدنية لأبوة وبنوة شرعيتين(.


المحامي بديع وسوف، حمص، (شيخ القوانين السورية.. والأحوال الشخصية)

خاص: نساء سورية

0
0
0
s2smodern