قضايا الأسرة

عند صعوده درج المنزل، كانت رائحة الطعام المفضل لديه تغزو البناء، فبعد غياب دام يومين قضاها لدى والدته، "غضباً" من زوجته، عاد حسام إلى منزله.
عندما وضع المفتاح في شق الباب، سمعت هي الأخرى في الجهة المقابلة صوت طقطقة المفتاح، فارتعدت دقات قلبها وطقطقت فرحاً وحزناً؛ فرحاً لأنه عاد، وحزناً.

لتتكلم ذاكرتها عنها، فقبل يومين كانت تلك المشاجرة الكلامية مع حسام والتي جعلته يترك المنزل.
بعد دخوله بدأت لحظات العتاب تشقُّ طريقها داخل العينين؛ قالت له: "أهلاً بك في منزلك"، فهزَّ برأسه دون أيِّ كلمة، وحده بريق عينيه كان كافياً ليقول "أنا آسف".
بعد سكون قتل شغف عودته لديها، بدأت تفكر ماذا يحدث.. ولماذا عاد.. وماذا يريد مني؟ حتى إني لا أدري لماذا غضب.. لماذا هرب.. لم يكن هكذا قبل الزواج.. ماذا عن ذلك الحب؟. هذه الأسئلة سرعان ماترجمت إلى تفكيرٍ بصوتٍ مرتفع واجهت به حسام.. جلسا على شرفة المنزل، وعلى رائحة القهوة التي غطت عطر الحب تعاتبا.
قال حسام: "ليس القلب وحده مسؤولاً عن انخفاض إحساسي تجاهك، نحن بحاجة لشهر عسل جديد، نطهر به حياتنا".
ردت: "بالحب وحده صنعت المعجزات، لاتعاملني وكأني قطعة أثاث في منزلك، أرجو أن تنفض الغبار عن حبك لي".

 انقراض عاشق
قيم الحضارة وكلمات الحب الرنانة التي تقرع طبول آذان الأزواج لم تعد كافية؛ "فلقمة العيش، والأولاد، والعمل، والمادة، وقد تدخل العولمة والحداثة وغيرها من أصول التطور" عوامل بدأت الحتَّ في صخور الحبّ الممسوحة بين الأزواج في المجتمع السوري.
وعليه لماذا يختلف الحب قبل الزواج عما هو حاصل بعده، وهل لازال العشق عشقاً في هذا الزمان، أو أنَّ الترحم على عتبة الزمان بات سيّد الموقف في حياة الزوجين؟
يقول ماهر (موظف في قطاع النقل، ومتزوج منذ خمس سنوات): "لم أشعر بطعم الحب إلا في السنة الأولى من زواجي. بعدها عوامل عدة تداخلت في حياتي مع زوجتي، وبدأت المشاكل تشقُّ طريقها، والحلول الإسعافية محور حياتي الزوجية".
في المقابل يرى صالح (مدرس ومتزوج منذ سنتين فقط) أنَّ الحب والهيام مع الزوجة بدأ بالانقراض، ويقول: "تزوجت بعد حالة حب دامت عاماً كاملا مع زوجتي، ولكن طعم الحب غدا بلا نكهة، نتيجة اختلاف بهارات الحياة، ولاسيما وضعنا الإقتصادي، حتى باتت (المادة) بارومتر الحب بيني وبين زوجتي".

 المصلحة فوق الحب
"الحبُّ وحده لايكفي، الثقة في الماضي تزعزعت اليوم بيني وبين زوجتي"؛ هكذا عبَّر أبو روان البالغ من العمر 40 عاماً والمتزوج منذ 10 أعوام، والذي أضاف: "المصلحة قضت على الحب، طغت المادة والتفكير بالمال على لحظات جميلة جمعتنا معاً ولم تعد تهمني.. اليوم المال هو مايصنع الحب".
في المقابل يعارضه أمجد البالغ من العمر 30 عاماً، والمتزوج منذ ثلاث سنوات، فيقول: "رغم أنَّ المشاكل كثيرة بعد الزواج، إلا أنها سرعان ما تحلُّ أمام مايجمعني مع زوجتي من روابط. في لحظة قد نختلف على أمور تخصُّ عائلتي أو عائلتها، وقد لانتفق على طرق تربية ابنتنا الوحيدة، ولكن في النهاية تختفي هذه العقبات أمام الحب".
ويضيف: "أموال الدنيا كلها لن تؤثر في طريقة حبي لها، لن أنسى تلك اللحظة التي رأيتها فيها أول مرة".

 حيران
في حين، أكلت الحيرة رأس غسان لاستغرابه من تصرفات زوجته سوزان، التي تخطَّت حتى حدود التفكير بواجباته كزوج؛ يقول غسان: "تزوجت بها لأنها الفتاة الوحيدة التي عوضتني عن فقدان أبي وأمي وعطفهم وحنانهم". ولفت غسان إلى أنَّ شيئاً ما حصل بعد الزواج، حيث لم نرزق بالأطفال طيلة سبعة عوام، وكان اهتمامنا ببعضنا وحبنا هو الأقوى لنسيان هذا الأمر، إلى أن شاءت نعمة الله علينا ورزقنا بطفل وطفلة. فرحتنا لم توصف بولادتهما". ويتابع غسان: "تغيَّرت أحوال زوجتي كثيراً، وبدأت تصرف انتباهها عني وتهملني نتيجة اتجاه كلّ مسؤوليتها الزوجية نحو الطفلين، ناسية مايترتب عليها من واجبات منزلية وزوجية". ويشكو غسان لـ"بلدنا" من أنه لم يعد يحتمل هذا الوضع؛ فالحب تلاشى، والاهتمام لم يعد له وجود، حتى نسمة الهواء التي تغار منها عليه تحولت (إعصار مشاكل يومية). غسان يجهل السبب، فكثيرٌ من الناس لديهم أطفال وحياة زوجية، ولكنهم يعيشون بسعادة لاتوصف!.

 البكاء على الأطلال
بكت كثيراً عندما التقتها "بلدنا"، دموعها لم تنهمر عن عبث؛ فخلف حزنها تقف القصة: سامية وحيدة بين أربعة جدران، تندب حظها للمرة المليون لزواجها بـصلاح، حيث تقول: "تزوجت به رغماً عن الجميع، تاركة أهلي ودعاء أمي بألا أهنأ في حياتي لأنَّ صلاح لم يكن على مستوى تعليمي، إضافة إلى أنه لم يكن يزاول أيَّ مهنة ومصروفه كان مقتصراً على أهله، والفرق بيني وبينه أنني حائزة على شهادة جامعية وموظفة"، مضيفة: "عشنا بعد الزواج في منزل (بالأجرة) في أحد أحياء دمشق، بعيدين عن كل المشاكل، والسعادة التي اتفقنا عليها وجدت ضالتها في هذا المنزل". وتشير سامية إلى أنَّ مصاريف المنزل كانت تسدها من راتب وظيفتها، إلى أن وجد صلاح عملاً يتحمل من خلاله مسؤولية المنزل. وتتابع حديثها عن صلاح، فهو -كما تقول- شابٌ خلوق يقدّس معنى الزوجة، ويحب بصدق، ولا يعرف (الزايحة)، ولا يهمه أحد في العالم سوى زوجته.. إلى أن كانت الصدمة الكبرى في حياة سامية؛ تقول: "ماحصل كان بعيداً تماماً عن حدود التفكير؛ فصلاح كان يبحث عن عمل ولم يجد ضالته، إلا في أن يرحل خارج البلد، فالكثير من رفاقه كانوا يشجعونه على الهجرة غير الشرعية طبعاً، والنتيجة أنه أذعن لكلامهم وقرَّر الرحيل، تاركاً وراءه الأمانة التي أمَّن نفسه عليها، والجرح العميق الذي لايلتئم إلا بعودته". وتضيف سامية: "رضيت بسفره على أساس أنه سيعود في فترة قريبة طالت لتصل حد سبع سنوات".
وتوضح سامية أنها في حيرة من أمرها، وهي خائفة على مصير زوجها وفعلته التي غيرت ظروف حياتها بعد زواجها به، آملة أن يعود في أقرب فرصة، لأنَّ الهم أثقل كاهلها.

مهمة بتفاصيلها
الباحث في شؤون المرأة ومدير تحرير موقع نساء سورية الأستاذ بسام القاضي، قال لـ"بلدنا": "هناك جانبان مهمان لابدَّ من طرحهما، ولعلَّ أولها يكمن في أنَّ الزواج، كمؤسسة مشتركة، يقوم بدرجة كبيرة على التفاصيل اليومية".
ويقول: "كثيراً ما يصدم الواحد منا بالآخر الذي لم يكن هكذا قبل الزواج. وهذا صحيح. لم يكن هكذا لأنه لم يجر الاحتكاك معه أصلا في تفاصيل يومه. وبينما يمكن لكلِّ شخص أن يقوم ببعض التنازلات والتعديلات في سلوكه اليومي، يصعب كثيراً إجراء تغييرات جذرية وواسعة. فعادة ما تكون هذه التفاصيل من النوع الذي اعتاد المرء عليه طوال حياته السابقة، ولم يعد من السهل تغييرها كلياً".
أما الجانب الثاني -وفق اعتقاد القاضي- فيكمن في أنَّ الزواج، كمؤسسة (مشتركة) أيضاً، تترتب عليه جملة من الالتزامات الجديدة التي لم تكن واردة قبل الزواج، ولا يكون حجمها وضرورتها مرئياً؛ سواء على الصعيد الاقتصادي أم الاجتماعي. وهنا عادة ما تختلف ردود فعل ومواقف الأشخاص تجاه القضية ذاتها. وهذا أيضا نادراً ما يناقش بشكل جدي قبل الزواج. وإذا نوقش فكثيراً ما تقال الكلمات العاطفية التي لا تؤدي إلى معنى حقيقي، أو تؤجل كلياً، على اعتبار أنَّ الحب الذي يجمع الطرفين كفيلٌ بحلها. لكنَّ الواقع أنَّ حلها لا يتوقف على الحب، رغم أنَّ الحب يساعد في ذلك. ويوضح القاضي: "حلها يتوقف على تقارب وجهات النظر العملية بين الشخصين. وحين تكون ردود الفعل ووجهات النظر متباينة إلى حد كبير، يصير تقاربها صعباً إلى حد كبير أيضاً".
ويعتقد القاضي أنَّ النقاش المستفيض والصريح والحقيقي حتى في التفاصيل الصغيرة قبل الزواج، ضرورة فعلية لجعل إمكانية نجاح الزواج أكبر.

 الهروب إلى الأمام
"الزواج -كما يشير القاضي- ليس مؤسسة عمل، بل هو حياة مشتركة، في كل يوم منها عشرات القرارات الصغيرة والكبيرة التي تمسُّ الطرفين؛ بما في ذلك المواقف من قضية في مسلسل، أو مشكلة عند الجيران، أو رأي بما جرى بين ربِّ العمل وموظفة ما، وهذه الحياة اليومية تقوم بتغيير كلِّ من الطرفين، بغض النظر عن ادعاءات كلّ منهما بأنه هكذا طوال عمره"!.

الإشارة حمراء.. شرعاً
فلسفة العادات والتقاليد غالباً ما تصطدم برأي الشرع وضوابطه في المجتمع السوري. وبدى ذلك واضحاً، خلال حديث الدكتور عبد السلام راجح عميد كلية الشريعة في مجمع الشيخ كفتارو لـ"بلدنا": "الإسلام حريص من خلال منهجه على بناء العلاقة بين الرجل والمرأة، وتهيئة كلِّ الأسباب الكفيلة بنجاح هذا المشروع الكبير". ويوضح راجح أنَّ (موضوع الخطبة "هو مرحلة تمهيدية يتعارف الرجل من خلالها على المرأة، والعكس صحيح؛ بحيث يتعرَّف كلُّ واحد منهما على أمر شريكه المستقبلي (طباعه-أخلاقه-ميوله- ما يحب وما يكره). وعليه هذه المرحلة تعين على الزواج الناجح". وأشار الدكتور راجح إلى أنَّ "هناك كثير من الناس عندما يتجاوزون هذا المبدأ، ويدخلون البيوت من ظاهر أسوارها لا من أبوابها يقصدون من ذلك أن يظهروا بمظهرين (مظهر ماقبل الزواج حيث تغلب العاطفة والكلام المعسول والأماني، ومابعد الزواج باصطدام كل الاعتبارات بجدار الواقع)".
ويتابع راجح: "ما أحلى أن نلتزم بمنهج السماء الذي أراد أن تكون العلاقة بين الرجل والمرأة وفق ضوابط الشرع والعرف والتقاليد الموروثة والحميدة، مؤسسة لقاءً زوجياً يكون ظاهره كباطنه وسابقه كلاحقه".

 عودة
في رجوع ليس ببعيد إلى حسام وزوجته، قال هذا الأخير لها: "أرجو أن تفتحي الباب".. تفاجأت بما قاله، وفعلاً رنَّ جرس الباب بعد ثوانٍ من حديثه، لتجد شخصاً يقف على الباب وبيده باقة من الورد، كتب عليها "كل عام وأنت حبيبتي". حسام لم ينس عيد ميلاد زوجته رغم كل ماحدث.
في الأسطورة اليونانية القديمة، يتلخص موضوع الحب عندما أراد "الإله" أن يزرع البشر في الأرض لينشروا المحبة؛ فاختار كل كائن كثمرة متكاملة لا تحتاج إلى شريك آخر لتروي عواطفها وهواجس غرائزها، منعاً من الصدام والتصادم على حساب الخير. لكن ابن الإله وجد "كيس الثمر" في الليل، وكتكملة للحبكة تسلى بتقطيع كل ثمرة إلى جزأين متساويين، يرمزان إلى "الرجل والمرأة"، وعندما رمى "الأب" الثمرات من نافذة السماء، تناثرت الأنصاف وتباعدت، ليصبح النصف لا ينعم بالسكينة إلا إذا وجد نصفه الآخر.


محمد الحسـن، أسعد جحجاح ، (الزواج.. "الحب" زيت القلوب ماقبله.. و"المادة" بارومتر مابعده !!)

عن جريدة بلدنا، (20/6/2008)

0
0
0
s2smodern