قضايا الأسرة

زواج عامر لم يتمّ لأسباب تمَّ اكتشافها فيما بعد، تتعلق بأنه والفتاة التي ينوي الزواج منها أقارب، ولوجود مرض وراثي داخل الأسرة (التشمع الكبدي). الشاب "عامر" علّق قائلا: "الفتاة التي أحببتها وعشقتها ستذهب مني، لسبب أنَّ أسرة الفتاة -وهم أقرباء لنا- مصابون بمرض الكبد، وهذا المرض من الممكن أن يحدث مشكلة موت الأبناء بعد الإنجاب".
عامر بدا مرتبكاً في سرده لقصته، وهو كأيّ شاب متعلم مع فكرة أن يقوم بإجراء الفحوص الطبية، ولكنه متخوف من قدره وقدر الشابة التي أحبها وقدر أطفاله في المستقبل، بعد أن اكتشف أنها مصابة بهذا الفيروس. وحقيقة رفضه لهذا الارتباط أنه ( أي الارتباط )سيجعل من أطفاله لقمة سائغة للموت السريع.

إجراءات روتينية
في استطلاع للرأي أجرته "بلدنا"، أكد بعضُ الشباب المقبلين على الزواج أو الذين يمرّون بمرحلة الخطوبة، أنهم لا يفكرون بإجراء فحص طبي قبل الزواج، معتبرين أنه إجراءٌ روتيني يمكن الاستغناء عنه بكل سهولة أو عدم الاكتراث به.
بينما يعتزم شبان  آخرون الحصول على ورقة طبية من خلال الذهاب إلى عيادات طبية وإحضار تقرير طبي يثبت أنَّ الزمر الدموية متطابقة.
قصصٌ كثيرة تحدث تحت هذا الغطاء في عيادات مدينة حلب الطبية. وهنا لابدَّ من الوقوف أمام فكرة إعطاء هذه الورقة دون تطبيق الفحص الطبي بشكل واقعي؛ الأمر الذي يجعل هذه الورقة حبراً على ورق، والكلمات الموجودة على تلك الورقة التي تمنح من العيادات الطبية مشكوكاً بمصداقيتها.

زواج الأقارب
"إنها مجرد ورقة"؛ بهذه الكلمات يعبّر أكثر المتزوجين. وهذا بالضبط ما عبَّر عنه الشاب أسامة."ر"، الذي أكد ذلك بقوله: "لا يوجد قلقٌ حيال ذلك، فالتي سأتزوجها لا تمتُّ لي بأي صلة قرابة".
في الوقت الذي يصرُّ الشبان المتزوجون من أقرباء لهم على أنَّ ورقة الفحص الطبي لا تقدم ولا تؤخر شيئاً. وهذا الأمر بصراحة عبَّر عنه أحد الشبان، الذي يرغب بالزواج من (بنت عمه)، ليصدر حكمه مسبقاً، نافياً أي أمراض وراثية في أسرته أو أسرتها، أو العائلة ككل.
رغم كل ذلك، تبقى التجارب أكثر برهاناً وأصدق دليلا على ضرورة إجراء الفحوصات اللازمة.
السيدة أم عمار تحدَّثت  عن تجربتها المريرة مع أبنائها الاثنين، المصابين بتشوه خلقي؛ قائلة : "تزوَّجت ابن عمي، وبعد عام من زواجنا كانت المفاجأة بولادة الأطفال بأمراض وراثية، لأنَّ هذه الأمراض موجودة في جيل جدي القديم، وأصيب الطفلان بعدد من الأمراض، منها اختلال عقلي وفقر دم".
"أم عمار"، كشفت بعد زياراتها المتكررة والدائمة لعيادات الأطباء، قولهم لها إنَّ الطفل الذكر الذي ستنجبه، وفور ولادته، سيصاب بالفيروس وبهذا المرض الوراثي، أما إذا كان المولود أنثى، فستكون معافاة وسليمة صحياً، ولم تخف رغبتها وشوقها لولادة فتاة سليمة تكون ابنتها.

ورقة تقدم للمحكمة
لا تقتصر غاية الفحص الطبي على الناحية الصحية فقط، بل إنَّ هذا التقرير الطبي الذي يرصد حالة الرجل والمرأة يثبتُ للطرفين سلامتهما، وأنهما قادران على تكوين أسرة. وبمعنى آخر يمكن أن تكون الأمور منذ بداية مشوار الحياة الزوجية معروفة لكليهما.
يقول المحامي أحمد مشوّل: "إنَّ التقرير الطبي يجبُ أن يقدم إلى المحكمة الشرعية لاستكمال الأوراق المتعلقة بالزواج، ومن الواضح قيام الكثير بعدم التقيد بهذا الفحص الطبي، بل تقديم ورقة طبية خاصة من أي عيادة طبية، يثبت فيها أن التحاليل التي تمَّ إجراؤها سليمة".
ويضيف قائلا: "هنا من الضروري التشديد بالعقوبات لإجراء كلا الطرفين الفحوص الطبية، ليس فقط لكشف الأمراض الوراثية، بل من أجل أن يكون الطرف الآخر بصورة أيّ مرض قد يشكل خطورة من أمراض قد تنتقل عن طريق العملية الجنسية أو الإنجاب، ومنها حالات كالإيدز مثلا".

نقابة الأطباء تقدم فحوصاً مخبرية دقيقة
الدكتور عماد سلطان نقيبُ الأطباء في محافظة حلب، كشف لنا بعد استفسارات حول هذه القضية، عن سعي النقابة ودراستها لإنشاء غرفة طبية متخصصة بأحدث التجهيزات، تتبع بشكل مباشر للنقابة لفحص الأشخاص المقبلين على الزواج، موضحاً أنَّ الغاية من هذه الغرفة منح تقارير طبية للزواج عن طريق إجراء فحوصات مخبرية دقيقة للخاطب والخطيبة.
الدكتور "سلطان" يقول: "إنَّ هذه العيادة تأتي نتيجة أهمية الفحص الطبي قبل الزواج، وذلك للإقلال من الأمراض الوراثية التي تنتقل بعد الزواج والولادة، والتي تنتج مواليد مصابين بتشوهات خلقية وأمراض يكتسبها المولود من سلالة أحد الزوجين".
ورغم أنَّ النقابة لديها عيادة لفحص الأزواج، إلا أنه يتمُّ الفحص بشكل تقليدي، بينما العيادة التخصصية الجديدة -حسب وصف مسؤول النقابة- هي تطوير لهذه العيادة، التي تعتمد بشكل مباشر على التحليل المخبري للخاطبين قبل الزواج.  التحاليل تتعلق بالخضاب و(العامل الأسترالي)، وهذا الإجراء يتيحُ للخاطبين أن يكون لديهم معلومات مسبقة حول الحالة الصحية والطبية ما بعد الزواج، وخاصة لما يسببه زواج الأقارب من تأثير على الأجيال.

فحص ضروري
من الضروري أن يعلم جميع الشباب المقبل على الزواج أهمية هذا الفحص، حتى وإن كان المقبلون عليه أشخاصاً غير أقارب؛ وذلك لما ستمنحه هذه الفحوص المخبرية من دقة في التشخيص والمعاينة، من بعدها تقديم العلاجات المناسبة، للابتعاد عن الأمراض الوراثية، وخاصة تلك الناتجة عن زواج الأقارب.

وجهة نظر
أمام قضايا وقصص عديدة ومختلفة، لابدَّ من اتخاذ إجراءات سريعة لإنشاء عيادات متخصصة للفحص الطبي قبل الزواج، والتحرك بشكل كثيف للتوعية، ونشر المعلومات والإحصائيات العلمية التي تكشف أهمية فحوصات الدم للمتزوجين، مع ضرورة تشديد الرقابة على العيادات التي تمنح ورقة الفحص الطبي، والتدقيق؛ منعاً لحدوث أيّ خلل.
تشيرُ الإحصائيات إلى أنه يصابُ طفل واحد من بين خمسة وعشرين طفلا بمرض وراثي ناتج عن خلل في الجينات، أو بمرض له عوامل وراثية خلال السنوات الخمس والعشرين الأولى من عمره. ويتوقع أن يصاب طفل واحد لكل ثلاث وثلاثين حالة ولادة لطفل حي، بعيب خلقي شديد، ويصاب نفس العدد بمشكلات تأخر في المهارات وتأخر عقلي، وتسعة من هؤلاء المصابين بهذه الأمراض يتوفون مبكراً أو يحتاجون إلى البقاء في المستشفيات لمدة طويلة.



مصطفى رستم، (الفحص الطبي قبل الزواج.. هل يبقى مجرد حبرٍ على ورق؟!)

عن جريدة بلدنا، (2/5/2008)

0
0
0
s2smodern