قضايا الأسرة

في علاقاتنا الاجتماعية البسيطة تارة والمعقدة تارة أخرى هنا في الشرق مرتع الشمس والتاريخ، تدور الحياة حول مركز واحد، "الأم" مانحة السلطة للذكر بشكل مطلق، لكننا إذا أمعنا النظر عميقا حيث تبدو الروابط أكثر قوة وأكثر حميمية، ندرك أن خلف هذا الترابط الخفي يكمن اللغز، لغز المرأة الأم و المرأة الزوجة، والعلاقة بينهما بكل تعقيداتها وحيثياتها، والتي يتوقف عليها بناء مستقبل الأسرة وعلاقات أفرادها، هذه العلاقة الأزلية المشحونة عبر التاريخ بين الحماية والكنة، كانت دائما محط جدل كبير وصراع بين كل منهما. لكن كان هناك دائما نماذج إيجابية كان لها أثر إيجابي كبير على صعيد الأسرة والمجتمع.

تقول الدكتورة رباح، بينما كنت أتابع دراستي، كانت حماتي –برغم كبر سنها- تقوم بتربية أولادي، محققة أكبر قدر من الاستقرار لعائلتنا، وبرغم لوم جيرانها، ومجتمعها المحيط لها لإصرارها على القيام بهذا الدور، إلا أنها رفضت دائما الإصغاء إلى أقاويلهم، وترد عليهم قائلة أنه من واجبها أن تساعد كنتها وتدعمها وخاصة أن كنتها تدرس وتطور نفسها الأمر الذي لم يتوفر لها كامرأة عانت ما عانته من المجتمع.
ردينة حيدرتضيف الدكتورة، أطفالي يحبونها كثيرا ويحدثون أصدقائهم عنها، فيأتون لزيارتنا للتعرف عليها.. وأنا سعيدة جدا بذلك..
تعمل المرأة في الظل على إدارة أمور منزلها وعائلتها، دون مقابل وبلا كلل أو ملل حتى في غياب الزوج، تقول السيدة ريم لقد ربت حماتي عشرة أولاد، واستطاعت أن تدبر أمور عائلتها، في إدارة اقتصادية صارمة بسبب الفقر الشديد في منطقة ريفية وقاسية مثل مدينة الضمير، وقامت بتعليم الجميع، بعد وفاة زوجها، موصلة إياهم إلى بر الأمان، ومن ثم ساعدت في تزويج أولادها، وها نحن نعيش معا منذ حوالي عشرة سنوات، إنها بمثابة أم لنا جميعا، وبالرغم من أننا عائلة كبيرة تسكن مع بعضها إلا أن حماتي لا تتدخل في أمورنا الشخصية، إلا في موضوع الأولاد، حيث أنها لا تريدنا أن ننجب إلا طفلين، لأنها تعتقد أن ذلك سيكون كافيا كوننا نعمل أنا وزوجي في وظائف رسمية، ولا نملك المردود ولا الوقت الكافي للقيام بذلك، أعتقد أنها امرأة حكيمة بالفعل، فالبرغم من أن عمرها صار يناهز الخامسة والستين إلا أنها تتمتع برؤية عملية وواقعية للمستقبل، وخاصة أنها عانت كثيرا في تربية أولادها، الأمر الذي كان مفروضا عليها نوعا ما بسبب طبيعة زوجها القاسية.

أميات ولكن..!!
من يتذكر حكايات الجدات وتشويقهن وقدرتهن على إمتاعنا وجذبنا نحن الذين كنا أطفالا وقتها، وسحر تلك الحكايات الذي بقي عالقا في مكان عميق من الذاكرة، مرتبطا بأغنية فيروز " بيتك يا ستي الخيارة" يدرك تماما أن الأمية لم تقف حائلا أمامهن في الضلوع بمهام التربية وتدبير أمور منازلهن حتى في أصعب وأقسى الظروف الاقتصادية.. كما أن أمهاتنا ورثن منهن ذلك الفن الرائع في التدبير، وإن كان بصبر وحكمة أقل..
تقول منى: عاشت حماتي تجربة قاسية، فقد توفيت والدتها بعد ولادتها ببضعة أشهر، ولحق بها والدها بعد حوالي سبع سنوات، ثم تزوجت في الرابعة عشر من عمرها و أنجبت ثمانية أولاد، كما اضطرت للانتقال مع زوجها إلى مناطق متعددة في سورية، بسبب عمله كمساعد أول في الجيش، فلم تعرف الاستقرار إلا بعد تقاعده، وبرغم كونها أمية إلا أنها تملك عقلا منفتحاً و تتقبل إلى حد كبير أفكار هذا الجيل الذي يتهمه الكثيرون باللامبالاة والضياع، فعندما أخبرتها على، سبيل المثال، عن عدم رغبتي وزوجي بالإنجاب، قالت مبتسمة: " المهم أن تحبا وتحترما بعضكما دائما، فموضوع الإنجاب أمر شخصي وأنتما من يقرراه" ولا أخفيك أنني تفاجأت لمدى تقبلها للأمر في الوقت الذي يحتل هذا الموضوع اهتمام الجميع في مجتمعنا، بل ويتدخلون بكل تفاصيله..!!
كثيرا ما نشرب القهوة صباحا ونتحدث طويلا كصديقتين، تدعمني وتساندني، مساندة امرأة تعرف معنى أن يكون للمرأة في هذا الواقع الصعب من يدفع بها للمضي قدما في حياة مستقلة، وناجحة.. إنها امرأة استثنائية.

كتمان الأسرار وحفظها قيمة اجتماعية..
غالبا ما يتهم مجتمعنا المرأة بالثرثرة، وعدم قدرتها على كتمان الأسرار، مشيرين إلى أن "كتمان الأسرار" هذه القيمة الاجتماعية الكبيرة هي من صفات الرجل، إلا أن معظمنا يعي أن الإنسان يثرثر كثيرا عندما يكون تحت ضغوط نفسية و اجتماعية كبيرة، وأن هذه المشكلة ليست صفة تلصق بأحد الجنسين بشكل دائم، وهناك نماذج كثيرة في مجتمعنا لنساء أثبتن قدرتهن على تحمل المسؤولية وعدم السماح للنميمة والثرثرة من النيل من أسرهن أو أسر جاراتهن، أو أقربائهن، تقول فاطمة: حماتي صعبة، وقاسية علينا جمعيا، حتى على زوجها، لكنها على الرغم من ذلك تنال احترام وإعجاب كل من حولها، بسبب حكمتها، وكتمانها لأسرار الجميع، وعدم السماح للناس بالنميمة على الآخرين في حضرتها، لذلك يأتي الجميع، ويشكون لها مشاكلهم ويطلبون منها مساعدتها في إيجاد حلول لها، وغالبا ما تنجح ببعض المهام التي تكلف بها، وهي تعاملنا بمثل هؤلاء الأشخاص، لكن أولادي ينفرون بعض الشيء من قسوتها، والتعامل مع كل الأمور بجدية عالية وحكمة لا يستطيعون فهما أو تقديرها، فهي غالبا ما تحاول منعهم من مشاهدة أفلام كرتون، وبرامج أخرى..وتقول أنها أشياء تافهة لا يجب إضاعة الوقت عليها... وأن الدراسة والعلم هما الأهم في حياة الإنسان..

المرأة كائن مناضل إلى مالا نهاية..
نظرت بفرح طفل إلى وجهها الأبيض المتغضن بفعل الزمن، ونظرت إلى بابتسامة تنم عن روح دعابة تتمتع بها أم عدنان ذات الواحد والسبعين ربيعاً، دعتني إلى الدخول إلى منزلها الريفي البسيط في قرية الضمير، وبعد أن أخبرتها جارتها أنني صحفية، راحت تحتفي بي أيما احتفاء لكنها صدمت عندما قلت لها أنني أعمل في موقع الكتروني، لأنها ببساطة لم تقتنع بفكرة أن يكون هناك جريدة غير ورقية، لكن ذلك لم يثنيها عن رغبتها العارمة بالحديث عن كنتها وكأنها تود إخبار العالم بأسره عن تلك المرأة الرائعة والتي هي بمثابة ابنة لها:
لم نتعامل يوما مع بعضنا على أنني "حماية" وعلى أنها " كنة" بل كنا دائما أم وابنتها، تعمل كنتي كمعلمة في مدرسة الضمير الابتدائية لتساعد زوجها في المصروف الذي بات كبيرا جدا، لكن الله ابتلاها بطفلين معوقين، ولم تنجب غيرهما، يقولون لنا أن ذلك بسبب القرابة، لكنها حالما تعود من العمل حتى تبدأ عمل آخر في المنزل، وتقوم بتدريب الطفلين على بعض التمارين التي لا أفهمها، لكنها تقول أنها تعلمتها في الجمعية التي تطوعت فيها منذ ولادة الطفلين، كما أنها تقوم برعايتي رعاية لا تقدمها لي أي من بناتي حتى المتزوجات منهن في الضمير.
إنها امرأة ذكية ونشيطة ومحبة، وأريد أن أدعو الله أن يرسل لك كنة مشابهة في المستقبل.. ما رأيك..!

الفقر وتبعاته..
لكن الواقع ليس على هذا الحال دائما، بل تبدو الأمور أكثر تعقيدا خاصة في الأماكن التي درجت عليها العادات أن تسكن معظم الكنات في منزل عائلات أزواجهن.. و تحاصر العائلة أوضاع مادية صعبة، كالتي يشهدها المجتمع السوري في الآونة الأخيرة وخاصة في الأرياف حيث يخيم الفقر كشبح أسود مفرغا الإنسان من جوهره، من روحه، دافعا إياه بلا رحمة في أنفاق مظلمة للبحث عن أدنى حد من الاستقرار المادي والنفسي..
نساء كثيرات تجمعن حولي وبدأن الحديث والضحك عن حمواتهن أو كناتهن، كانت الغالبية منهن غير مستقرات وغير مرتاحات في منزل العائلة، بل يبدو الوضع أكثر سوءا إذ يؤدي التمسك بزواج الأقارب إلى ولادة عدد كبير من الإعاقات حتى ضمن الأسرة الواحدة.. الأمر الذي يخلق أزمات نفسية واجتماعية.
فهذه التي تقفل حماتها البراد، وتلك التي تأخذ حماتها كل راتب الزوج وتتحكم بمصروف الأسرة، فتصبح الحياة أشبه بالجحيم، وأخرى تقول أن حماتها تراقب كل حركة تقوم به، مبدية امتعاضها وغضبها إزاء كل شيء، وتلك الحماية التي تقول: تسيطر كنتي على ابني بشكل مطلق وتتحكم بكل أمور المنزل، فهل سقطت أنا سهوا من حياته، وهل يتذكر أنني من أنجبته إلى هذه الحياة، وتعبت وسهرت من أجله."
مشاكل عالقة و صراعات تسيطر على حياة كثير من الأسر، بنتيجة الفقر من جهة، وغياب التوعية من جهة أخرى، في الوقت ذاته الذي تتوفر فيه نماذج لنساء مناضلات، وحكيمات، كان لهن دور حقيقي في تطوير واقع أسرهن، و أسر حمواتهن، أو كناتهن ، أو مجتمعهن المحيط.
في النهاية لا تخضع العلاقات الإنسانية للقياس أو للتجربة، إنها تفاعل معقد من الأحاسيس والمشاعر والعادات والتقاليد التي تختلف من مجتمع إلى آخر، لكن لابد من الجزم بأن الإعلام بكل وسائله وأجهزته الحكومية والخاصة يضطلع بدور كبير في التوعية في إعادة صياغة تلك العلاقة والتأثير بجوانبها وانعكاساتها جنبا إلى جنب مع التنمية البشرية والاقتصادية لصياغة مجتمع كريم وحر لأفراده..

*- قدمت هذه المادة ضمن إطار مشروع صندوق الأمم المتحدة للسكان، بالتعاون مع وزارة الإعلام: "جلسة حوارية ما بين الإعلاميين والجهات المعنية حول واقع المرأة الريفية، بمناسبة اليوم العالمي للمرأة، دمشق، 17/3/2008، وزارة الإعلام"


ردينة حيدر، عضوة فريق عمل نساء سورية، (حين تخرج العلاقة بين الحماية والكنة من إطار الصراع.. لتدخل إطار البناء..)

خاص: نساء سورية

0
0
0
s2smodern