قضايا الأسرة

ثلاثة سنوات مضت, وأنا انتظر حلاً! لا بل خلاصاً لي مما اقترفتُه بي! مازعمتُه حريتي.. وقراري المستقل. لعل قصتي قصة كل فتاة أحبت يوما رجلا أصبح فيما بعد شريك حياتها وأبا لطفلها!

ولكنني.. اخترته رغم أهلي وإخوتي.. وتزوجنا رغما عن إرادة الجميع.. لأعيش سعادة لم تلبث شهورا غدت بعدها كابوساً ثقيلاً يؤرق نومي ليلاً وأحمل وطئه نهاراً..

بدأت قصتي بالرجل الذي اخترته.. أو ربما هو من اختارني, رغما عن أنف الجميع.. وتم زواجنا أخيرا.. بأقل خسائر ممكنة بين الأهل.
سافرت حيث يقطن زوجي, وأمضينا أشهرا رائعة قبل أن تبدأ كارثتنا.. عندما، وبطريق الخطأ، وبسبب تلك العادات البالية التي تحكم تلك المنطقة، وجد شقيقا زوجي نفسيهما أمام جريمة تم احتسابها تحت بند الثأر..
كان عليهما أن يهربا ليس بعيدا عن أيدي القضاء والقانون.. بل من أيدي من يطالبون بثأر قتلاهم.. وجدت نفسي أضطر للهرب مع أهل زوجي.. أمضي أشهرا بالهرب من محافظة إلى أخرى حتى لا نكون هدفا سهلا لثأرهم.. وحقدهم..
وحلت التسوية فيما بعد, حينما ارتضوا لدم قتلاهم  دية هي حفنة كبيرة من النقود.. ووجدنا أنفسنا أمام الواقع الأليم.. نبيع منزلنا ومنازل باقي الأخوة لدفع ما سموه: الدية.
واضطررنا للسكن جميعنا ضمن منزل نتيجة الوضع المالي الصعب الذي ترتب على ذلك..
تحملت الكثير من الإهانات قبل أن أتخذ قراري بأن أريحهم من ثقل وجودي بينهم.
رفعت سماعة الهاتف لأهاتف أمي الغاضبة والحزينة على وضعي.. فقد خفت أن يرفضوا استقبالي من جديد بينهم.. لكنهم رحبوا بي..
مضت الأيام بينهم مراكمة ثلاث سنوات انتظر فيها انفراج الحال الذي لم ينفرج.. ولا استطعت أن أجد تفسيرا منطقيا لوضعي! فأنا لست مطلقة.. وكذلك لست على خلاف مع ما بقي ممن صفته هي: زوجي!..
تركني وحيدة مع طفلي.. وعلكة لألسنة لم أستطع أن أمنعها من الحراك.. أطرق النظر أمام عيون أخوتي وأبي الذي يحملني في كل لحظة مسؤولية ما آل إليه وضعي! وكنت قد سقطت مسبقا في فخ شفقة أخواتي اللاتي يتغامزن على ظروفي السيئة!
أمس فقط، وضمن محادثتنا التي يمن بها على من بقيت لها عنده صفة فقط هي: زوجته!
طلبت منه حلا لوضعنا.. وقبلت كل الحلول الممكنة إلا أن أعود إلى منزل مشترك مع أهله..  وتلك الحالة المستمرة من الخوف..
لكنه انفجر بوجهي صارخاً: أنت امرأة ناشز, وقد تركتيني وحيدا في محنتي.. ولا سبيل للعودة إلا أن أعيش مع العائلة كلها.. أو لك الطلاق!
وطبعا لم ينسى أن يهددني بأخذ الطفل مني إذا أفكر برفع دعوى للتفريق.. كيف لا وهو ذلك المحامي الذي يعلم بكل خفايا القانون؟!
وأنا أعرف القانون.. وأعرف أنه لا يمكنه أخذ طفلي مني.. لكن هل علي أن أبقى كما لو كنت من ممتلكاته البالية التي يرميها في الأماكن المهملة دون أن يفكر بالتخلص منها؟!
كيف لي أن أعود بطفلي إلى أحضان الموت ثأراً؟! كيف لي أن أمضي كل ليلة انتظر رعبا يتربص بي في الخارج؟!

تلوح لي في الأفق حياة جديدة ونظيفة.. هادئة.. لكن! ماذا عن طفلي؟! هل علي أن أخسر طفلي ثمناً لطي صفحة قاتمة؟!
وكيف لغريزتي وأمومتي أن تنتهي فيما إذا فكرت بالزواج من جديد؟! أم علي أن أبقى حبيسة ثأرهم وأنانيتهم؟!

كم ألوم أمي التي تصر علي أن أتخلى عن ابني.. قطعة من جسدي!.. وهل استحق عندها أن أكون أما؟! وماذا سيفكر بي ابني عندما يكبر بعيدا عني؟!
كيف اترك طفلي؟!
إنها معادلة صعبة..
ربيت على غريزة الأمومة بألعابي.. وأخوتي.. ولكن عندما يتعلق الأمر بابني يطلب مني مجتمعي.. عاداتي.. وقانوني القاصر أن أرمي طفلي لأنني سأفكر بحياة جديدة..
فكفى بهم يسخرون من إنسانيتي ومشاعري تجاه طفلي, وكفى بهم يدعون أنهم يقرون بالحضانة للأم.. فتلك ليست إلا قصة خرافية, وتنضيد لصفحات بالية سطرها القانون الذي يقول أنه يمنح الطفل والأم حقهما الطبيعي والشرعي والإنساني في المجتمع ليكونا سويا، ثم لا يلبث أن يسحب هذا الحق..! وبدون وجه حق..! لسبب مبهم وحكمة غير موجودة!
فلماذا تسحب الحضانة من الأم فيما لو تزوجت من جديد؟!
وكيف يكون من صالح الطفل أن يعيش بعيدا عن والدته؟! في كنف امرأة أخرى ستجبر هي بدورها على تربيته بغض النظر عن إرادتها كما لو أن الطفل يتيم الأم؟!
وهل هذه هي عدالة القانون..؟!


المحامية ربا الحمود، عضوة فريق عمل نساء سورية، (أمومة مؤقتة.. )

خاص: نساء سورية

0
0
0
s2smodern