قضايا الأسرة

أكتب إليك اليوم أيتها الغالية، في يوم الربيع، يوم النيروز، حيث يضحك الزمان وتخضر الأرض ويبرعم الياسمين، أكتب إليك لأقول لك كل عام وأنت بخير يا ماما.
من المؤلم أننا نحتاج لتقديم الأدلة على حكم الاحتفال بيوم كيوم الأم، بعد أن ابتلينا بعقلية مسطحة من الوعي ليست مستعدة لفهم شيء إلا بنص وافق عليه القدماء، وحتى لا أغرق اليوم في منجم الفتوى والاستدلال والاستنباط فإنني أكتفي أن أقول بأن عيد الأم سنة حسنة ينطبق عليها قول الرسول الكريم: (من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة).‏
وهي سنة حسنة مثلها في ذلك كمثل عيد المولد النبوي، وكمثل السنن الحسنة الكريمة التي طرأت في حياة المسلمين ولعل أشدها وضوحاً تلك الإبداعات الكريمة التي أضيفت على النص القرآني بعد أن مات رسول الله وأولها جمع النص القرآني على الرغم من معارضة بعض الصحابة استدلاله بالآية إن علينا جمعه وقرآنه، وكذلك ما طرأ هذا على النص القرآني بعد ذلك من تنقيطه وتشكيله وتحديد أجزائه وأرباعه وأحزابه وركوعاته وعلامات الوقف والابتداء فيه وأخيراً ترميز أحكامه التجويدية باللون، فهذا كله من البدع الحسنة التي طرأت على القرآن الكريم، ومع وجود معارضين لها في التاريخ ولكن الأمة فيما بعد استقرت على الاحترام والتقدير لهذه البدع الحسنة الكريمة التي هي من الإبداع المحمود وليست من البدع المذمومة.‏
وعيد الأم مناسبة يتم فيها إحياء أصل مشروع مأمور به، وهو بر الوالدين، وفي الحديث فليفعل البار ما شاء أن يفعل فلن يدخل الجنة وليفعل العاق ماشاء أن يفعل فلن يدخل النار.‏
وفي القرآن الكريم: (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحساناً إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولاً كريماً)، وفي القرآن الكريم: (إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما).‏
ولا شك أن الإشارة هنا بقوله تعالى (عندك) واضحة في أن من حق الوالدين أن يقيما حين الكبر في بيت الأولاد وهو قوله تعالى إما يبلغن عندك الكبر، وهو سؤال لا بد أن يجرح ضمير أولئك الذين ينقلون آباءهم إلى دور المسنين تخلصاً من هم رعايتهم، وأنا شخصياً أستغرب كيف يدرجون نسبة الأسرة في دور رعاية المسنين على أنها من مظاهر الرفاه الاجتماعي، وفي كثير من الأحيان فإن مؤشرات كهذه تدل على العقوق أكثر مما تدل على الرفاه.‏
أما النبي الكريم فإنه لم يعرف من أمه إلا ذكرى عابرة، فقد ودعها وهو ابن أعوام خمسة وكان قد فارق من قبل أباه عبد الله من قبل ان تبصر عينيه نور الحياة.‏
وذات يوم اصطحب النبي الكريم عدداً من أصحابه الكرام فيهم عبد الله بن مسعود وسار جنوب المدينة حتى بلغ الأبواء، وهناك انتحى جانب الطريق وأوى إلى تلة صغيرة عليها حجارة سود فيه بقايا قبر، وخلا بنفسه عند القبر طويلاً، وسمعه الأصحاب الكرام يناجي ويدندن، ثم سالت من خده مدامع حرى، ثم بكا وعلا نحيبه حتى بكا الأصحاب لبكائه، ودنا منه رجل من أصحابه شاحب الوجه وقال: قد رأيناك تبكي بكاء لا نعرفه منك من قبل، قال :نعم هذا قبر أمي وإني استأذنت الله أن أزوره فأذن لي!!‏
وبعض الرواة يضيف عبارة واستأذنته أن أستغفر لها فما أذن لي، ونحن نستبعد صحة هذه الرواية، ومن الواضح أن ما فيها من القسوة والجحود لايتناسب قطعاً مع روح المحبة التي علمها رسول الله للعالم، كما أن والدي النبي الكريم كانا من أهل الفترة وكلاهما معروف بالاستقامة وحب الخير، والنبي الكريم هو من علمنا الصلاة وفي تشهدها الدعاء معروف: رب اغفر لي ولوالدي رب ارحمهما كما ربياني صغيرا، ومن المستحيل أن يأمرنا بالدعاء لآبائنا وأمهاتنا ثم لا يقوم هو بهذا الدعاء.‏
ومع أن أمه فارقته وهو في طفل في الخامسة ولكنه ظل يوصي بالأمهات، ولم يكن يتردد في بيان منازل الأم العظيمة، وصح عنه أنه أخبر بأن دعوة الأم لا ترد، وليس بينها وبين الله حجاب، وأخبر أنها حين تقوم من مخاضها فإن الله يغفر لها في تلك اللحظة كل ذنب، وأخبر بأن من قبل بين عيني أمه وجبت له الجنة، وحين سأله سائل لجوج: من أحق الناس بحسن صحابتي? قال أمك، وكأن السائل لم يعجبه الجواب فعاد يسأل ثم من? فأجابه مرة أخرى أمك، ثم سأل الثالثة فأجابه أمك، وفي الرابعة قال أبوك.‏
وفي أيامه الأخيرة تمكن من تقديم بعض الوفاء لأمه يوم الجعرانة، وفيما كان في توزيع الغنائم الكثيرة يومذاك جاءت امرأة عجوز قد وخطها الدهر، تتوكأ على عصا وقد تقوس منها ظهرها، وجعلت تخطو إليه وهي تحاول أن ترسم ابتسامة على وجهها بين قسمات قاسية حفرها الدهر على وجنتيها، فلما رآها النبي وثب إليها واعتنقها وقبلها وبسط رداءه وأجلسها عليه، فجعلت لاتأمره بشيء إلا قال لبيك يا أماه!! قال عبد الله بن جعفر فقلت لأبي يا أبت من هذه التي تأمر رسول الله وتنهاه? قال : ويحك يا بني!! هذه أمه حليمة بنت أبي ذؤيب السعدية، أرضعته في بني سعد بن بكر!! إنه وفاؤه مع الأم التي التقم ثديها عدة مرات في طفولته، فكيف يكون وفاؤه لو أدرك أمه التي كان صدرها له وعاء وثديها له سقاء ومخاضها من أجله بكاء ?‏

عفواً يا أمي...‏
أحتاج إلى راحتيك الطاهرتين كي أواجه محن الدهر التي تعصف بي كل يوم، أحتاج أن أتذكر أن العالم الذي نعيش فيه لايزال يعمر بالحب الطاهر والوفاء البريء على الرغم من غلبة شريعة الغاب.‏
أخجل منك يا أمي أن القانون لا يزال يحرمك من منح جنسيتك لأولادك مع أنك أولى بهم من أبيهم، وهو أمر مخجل أن نعجز عن إنصاف الأم بذرائع لاتقنع.‏
أتذكرك أيتها الأم وأنت تطالبين بحقك هذا أمام الرسول محمد حين نازعك الأب على حقك في الحضانة أنه هو صاحب النسب، قلت يومها يا أماه أمام رسول الله: حملته أنت شهوة ولذة، وحملته عناء ومكابدة، أخجل منك أن أعجز عن وفائك حقك اليوم وقد كان صدرك لي وعاء وثديك لي سقاء، وكنت تسهرين لأنام وتقومين لأستريح وتنصبين لأرتاح.‏
أخجل منك يا أمي أن فرص التعليم لا تزال بين النساء ضعيفة وكليلة وها نحن اليوم في وطن عربي يزيد عدد النساء الأميات فيه على خمسين بالمائة مع أنك يا أمي أنت من تربين الأجيال وتسهرين على قيم المعرفة.‏
من أجلك يا أمي قال رسول الله: (الرحمة معلقة بالعرش فمن وصلها وصله الله ومن قطعها قطعه الله).‏
حين يراقب العالم الأم الفلسطينية وهي تضع مولودها على المعابر حيث يحول الجندي الصهيوني بينها وبين غرفة المخاض أتساءل هل سمع هذا العالم المريض بثقافة الأمومة المقدسة، وهل يعلم أن الأم التي ينهكها المخاض في الأرض هي في السماء صوت جبار تتزلزل له أبواب السماء السابعة.‏

عفواً أمي...‏
مع أنني في حضنك أتدفق بالحنان ولكن مأساة الأم الفلسطينية لن تغيب حتى ينصف العالم الأمومة من روح البغي والمظالم.‏

أمي...‏
قرأت الحب في أربعين وجهاً فما رأيت أصدق من وجه أمي!!‏


د. محمد الحبش، (قرأت الحب في أربعين وجها فما رأيت أصدق من وجه أمي)

عن جريدة الثورة، (3/2008)

0
0
0
s2smodern