قضايا الأسرة

كم عليّ أن أعيش،وأعايش، وأسمع وأرى وأقرأ، لادرك وضع المرأة العربية؟! لأكتب عنها بحيادية تامة، أو لأقول بحقها ما تقتضيه إنسانيتي؟! ليس كثيرا.. فالقضية تقتضي الموضوعية ليس إلاّ. فهل ثمة ما هو موضوعي في حياتنا؟! وحين قرأت مقال الكاتبة رنا محمد (بديهيات الحياة)  وجدتني على مفترق طرق.. وحرت من أين أبدأ؟! وكيف؟!


 وأنا الغارق في وحل ذكورتي، ووحل انتمائي القوميّ والقطريّ، ووحل ثقافة القمع، ووحل الفقر الاقتصادي والثقافيّ والاجتماعيّ، ووحل.. ووحل.. فمن لي بكلمات موضوعية وسط كل هذا الوحل؟! ما الذي عليّ أن أقوله لأخرج إنسانيتي من التباساتها غير الموضوعية؟! المرأة قبل كل شيء هي إنسان، والناس..كل الناس (الذكور منهم والإناث) يعيشون في ظل أنظمة، ولهذه الأنظمة الدور الأول في حياتهم، ثم يأتي دور الفرد من حيث هو المكون الرئيس لبنية أي نظام اجتماعي، وهنا لا بدّ لنا من وقفة للتفريق بين المصطلحات، فكل الناس تولد أفرادا، البعض منهم يتحولون إلى أشخاص، والبعض الآخر يعيش حياته كاملة بهذا الطور (طور الفرد)، ومصطلح الفرد هنا يفيد معنى الاختلاف البيولوجي وليس السيكولوجي، لذلك يصح في بعض المجتمعات استعمال مفهوم الجماهير، وفي مجتمعات أخرى لا يصح، من حيث أن مصطلح الجماهير يأخذ في حسابه الأفراد، وليس الأشخاص، والمجتمع العربي – مع الأسف – بغالبيته من الأفراد! وكل من حاول أن ينتقل بنفسه من طور الفرد إلى طور الشخص، عليه أن يدفع ضريبة هذه النقلة في حياته، أن تكون شخصا يعني فيما يعني أن يكون لك رأيك الخاص، مزاجك.. اختلافك.. مغايرتك.. يعني أن تخرج على ثقافة القطيع..ومنها، وقد خرج الكثير من الناس (ذكورا وإناثا) ولكنهم من حيث النسبة إلى عدد القطيع، لم يشكلوا تلك النسبة التي تؤخذ بالاعتبار، أو تستطيع أن تفرض ثقافتها المغايرة، أو أن تؤسس لثقافة مغايرة، هذا بالنسبة للكتلة العامة، أما مكونات تلك الكتلة من حيث الجنس فإن نسبة الإناث تكاد أن تكون معدومة لقلتها، مما أفقد الشارع المثال الذي نتأمل أن يحتذى، ذلك الشارع المليء بالأمثلة الأخرى! (كيف فرضت عليّ ابنتي رأيها ببنطال الجينز وأنا ابن امرأة متلحفة بألف رداء).
وهنا لابدّ لنا من العودة مرة أخرى لموضوع الحرية، بالنسبة للذكور والإناث على حدّ سواء، باعتبارها الأس الذي يقوم عليه الحق (كل الحق) بما فيها حق الآخر بالاختلاف (سواء كان الآخر من جنس الذكور أو الإناث) فالرجل العبد لا يستطيع أن يمنح الحرية (فاقد الشيء لا يعطيه) والمرأة المستعبدة كذلك، نحن في الحقيقة سواء، أقصد الذكور والإناث، الاختلاف في التفاصيل، ولو أن الرجال (أو من يعتقدون أنهم رجال) يعرفون مدى ذلهم وهوانهم لما استطاعوا أن يلحقوا بأمهاتهم أو أخواتهم أو نسائهم أو بناتهم كل هذا الأذى، ثمة مشكلة بنيوية، مشكلة تقتضي الضرورة أن تلامس، أن تقال.. أن تطرح.. فالقضية قضية اجتماعية، سياسية، اقتصادية، عامة، وعدم إدراكنا لها يجعلها وكأنها غير موجودة! ذات يوم اشتغلنا في مركز البحوث والدراسات المستقبلية على قضية الحب، من خلال استبيان قام على الحوار بيننا وبين مجموعة كبيرة من الشباب (ذكورا وإناثا) فتبين أن الكل يعترف بقيمة الحب في حياة الإنسان، والكل يرى أن الحياة بدون حب لا تستحق أن تعاش، وحين دخلنا في التفاصيل، تبين أن الإناث يفضلن الإلتزام بحبيب واحد، أما الذكور فإنهم يفضلون تعدد العلاقات في حياتهم، والأهم كان أن أغلب أو كل الذكور اعتبروا الحب من حقهم وحدهم، أما أخواتهم البنات فليس من حقهم أن يحبوا! لقد انزرع في عقولهم أن شرفهم ليس مرتبطا بسلوكهم، إنما بسلوك (الإناث التي تربطهم بهن صلات قربى) ذلك هو رأي النخبة القادمة من المجتمع العربي! وفي حوار جانبي تبين أن الأمهات كذلك ينظرن من نفس الزاوية التي نظر الشباب منها، ثمة تكريس لوضع المرأة يقوم به المجتمع – كل المجتمع – ذكورا وإناثا، إضافة للدور الذي تقوم به القوانين والأنظمة والثقافة الدينية أيضا (والتي هي ليست من الدين بشيء، ولا تمت له بصلة) هذا الإرث الاجتماعي الذي أخذ بعضه صفة المقدس، وبعضه الآخر يشكل الناظم الأساسي لحياتنا له النصيب الأكبر من البلاء الذي نحن فيه.

إبراهيم الزيدي، (مقاربة شبه موضوعية لمقالة الكاتبة رنا محمد (بديهيات الحياة))

خاص: نساء سورية

0
0
0
s2smodern