قضايا الأسرة


يمكننا إذا ما إردنا تمثيل وضع المرأة في مجتمعنا تصور شكل دريئة من دوائر مساحات مختلفة متشاركة في المركز. في هذا المركز. أو البؤرة تقف المرأة كنقطة مستهدفة، بينما ترسم الدوائر تمثيلاً خطياً لفضائات ممارسة العنف على المرأة. لكن المركز لا يشكل في هذا التصور نقطة المنطلق بل بؤرة المنتهى، المحرق إذا جاز التعبير، وفي هذا المحرق تتجمع القوى لتشكل فعلها الأعظمي كما على المرأة يتكاثف العنف لتكون الضحية الأولى له . وإذا ما حاولنا تفصيل دوائر العنف هذه نجد لها التسميات التالية:

العائلة، المجتمع، الدين والدولة، ونظراً لضيق المساحة المخصصة للكتابة سأكتفي هنا بالكلام عن دائرة العنف العائلي. يتأسس العنف العائلي على خطأ أولي تكرس عبر تاريخ الإنسانية الطويل ويقوم على تحويل الاختلاف الطبيعي بين الجنسين إلى تمايز قيمي تحتل فيه القوة الجسدية الموقع الإيجابي وتنحسر فيه القوة البيولوجية إلى الموقع السلبي. ويتمظهر هذا العنف باستثمار الرجل لما منحه إياه هذا التمايز القيمي من حقوق كرستها المؤسسات الذكورية التاريخية الكبرى وأهمها الدين واستطالاته الاجتماعية. يمارس العنف العائلي على المرأة بطريقتين: مباشرة أو بشكل غير مباشر.

أما العنف المباشر، أي العنف الجسدي، فإنه شكله الأكثر شيوعاً هو الضرب. وهو ظاهرة ملازمة لكل المجتمعات البشرية. ومن الإحصاءات المنشورة حول هذا الموضوع نجد أن كل 21 ثانية هناك امرأة ضحية للعنف الزوجي في الولايات المتحدة، وأن 70 من حالات الطلاق في فيتنام سببها ضرب الأزواج للزوجات، وأن 09 من النساء اليابانيات يتعرفن بأنهن تعرضن للضرب من شريك حياتهن مقابل 60 في تترانيا و80 في الباكستان. ومن المؤسف حقاً أننا لا نملك، على حد علمي، إحصاءات وافية عن نسبة ممارسة العنف الزوجي في بلادنا، إلا إحصاءات المحاكم وهي لا تعطي أدنى صورة حقيقية عن مدى انتشار هذه الظاهرة التي نظن أنها منتشرة بشكل واسع جداً، ومن الممكن أخذ فكرة عن مدى انتشارها بالعودة إلى سجلات المشافي وشهادات الأطباء عن الإصابات التي يعاينونها والتي تنتج عن العنف. ومن الغريب فعلاً أن هذا النوع من العنف، وعلى الرغم من سعة انتشاره، لم يدفع سوى 44 دولة في العالم على استصدار تشريع يعاقب العنف الزوجي. وفي إطار العنف العائلي المباشر يدخل أيضاً موضوع الاغتصاب الزوجي، وهو موضوع محرم، تابو، لا يجرؤ الكثيرون على التداول به لاعتبارات كثيرة منها الاجتماعي ومنها الأخلاقي ومنها الديني. إن المعنى القاموسي للاغتصاب هو نيل الشيء بالعنف والإكراه، وعليه يصبح كل جماع، يتم رغم معارضة الزوجة بالفعل أو القول أو التفكير، حالة اغتصاب مكتوم، يسترها شرف منافق (يرضى بممارسة غير شريفة ويخفيها باسم الشرف). وهناك اليوم في العالم سبعة عشر دولة فقط جعلت من الاغتصاب الزوجي جرماً جزائياً يعاقب عليه القانون، بينما لا يوجد مجتمع في العالم خال من هذا النوع المنحط من العنف. ولا نظن أن مجتمعنا سليم من ممارسات تدخل في إطار هذا الجرم لكن الموروث الديني، اياً كان مصدره، غطى هذه الممارسة بحجاب الخضوع حيناً، وحجة حقوق الزوج حيناً آخر.

أما العنف العائلي غير المباشر فإنه نتاج تقسيم العمل في الإطار العائلي (الداخل للمرأة والخرج للرجل) وما يفترضه هذا التقسيم من إقصاء للمرأة عن ميادين المشاركة الاجتماعية والثقافية والسياسية، إنه عنف لأن في أساس هذا الوضع عملية حرمان للمرأة من حقوق طبيعية أقرتها لها شرعة حقوق الإنسان، والدستور والقوانين. ومن الملفت للنظر أن هذا التصور لشكل تقسيم العمل يكون في بعض الحالات أقوى، أكثر رسوخاً من المكاسب التحررية للمرأة. فالمرأة التي تعمل خارج بيتها، لا تتحرر في معظم الأحيان من أعبائها المنزلية، "الأصول" لا تسمح بأن يقوم الرجل بأعمال "خلقت" للمرأة. أو، بأحسن حال، لم تخلق للرجل (وكأن تقسيم العمل أمر ميتافيزيقي يتقرر خارج التاريخ). وهنا أيضاً لا يمكننا إلا أن نأسف لنقص الدراسات الإحصائية والميدانية حول موضوعي المشاركة النسائية في الحيز العام والمشاركة الرجالية في الحيز الخاص.

بعد توصيف العنف العائلي الواقع على المرأة بشكل مختصر لكنه معروف من الجميع، لا بد من التساؤل عن أسباب اختراق هذه الظاهرة لعملية التحديث التي جرت في قسم هام من المجتمعات العربية، وبلغت شأواً عالياً في المجتمع السوري بشكل خاص. يمكننا بالطبع سوق العديد من الإجابات على هذا السؤال، لكنني أعتقد أن مفتاح الإجابات كلها يكمن في طبيعة التحديث الذي جرى وما زال يجري. فمجتمعاتنا، على الرغم من التقدم الذي سجله فيها بناء الدولة وبناء ما تحتاجه من مؤسسات ومن أجهزة أمنية، ما زالت أسيرة لأنماط وعي جماعوي، عضوية وتحت وطنية. في هذه الأنماط لا تكون الرابطة الناظمة للعلاقة بين المواطن، رجلاً كان أم امرأة، والوطن علاقة مواطنة تتحدد بالحقوق والواجبات كما ينظمها القانون، ويتساوى فيها كل المواطنين. وإنما تكون علاقة تبعية، لنقل عصبية، يكون فيها الأنتماء إلى الجماعة العضوية (القبيلة، الطائفة، العشيرة، العائلة..) وتسود فيها المنظومات القيمية الإقطاعية المتوارثة التي تجعل من المرأة كائناً دونياً خاضعاً لسلطة الرجل وسطوته. والدولة هي المسؤولة أولاً وأخيراً عن عدم توفير الظروف المناسة لتطور الوعي الاجتماعي ونقله من الجماعوية إلى الموطنة.

هي مسؤولة أولاً لأنها كبحث عملية التطور الاجتماعي الموازي لعملية التنمية ولعملية بناء الدولة الحديثة. وقد تجسدت عملية الكبح هذه في خنق المجتمع المدني القائم ومن ثم إلحاقه بالمجتمع السياسي وتفريغه من محتواه. وهذا ما قاد إلى تراجع درجة المشاركة الاجتماعية التعددية وبالتالي إلى انكفاء المرأة نم المجتمع إلى العائلة ومن الانفتاح على الآخر إلى الانغلاق على الذات. وهي مسؤولة ثانياً بسبب تشجيعها بل وتبنيها للخطاب التقليدي والديني المكرس للمنظومة القيمية التفاضلية، بسبب إتاحتها المجال واسعاً أمام هذا الخطاب لينتشر عبر وسائل الإعلام العائدة كلها لها، بل وفي المؤسسات الإيديولوجية التي تقودها هذه الدولة كالمدارس والجامعات. هذا ما جعلنا نشهد مثلاً كيف تحولت مسألة تربوية ذات أهمية قصوى في محاربة المنظومة القيمية التفاضلية السائدة (ألا وهي الاختلاط بين الجنسين) إلى وسيلة عملية لتكريس تلك المنظومة. ولا ننسى أبداً أن الدولة وفي نفس الوقت الذي وفرت فيه للخطاب الديني ما يحتاج إليه من منابر، كمت أفواه التيارات القادرة على تقديم خطاب مغاير. أو على أقل تقدير، لم تسمح لها بالظهور. وهذا ما ترك ساحة التأثر والتأثير حرة أمام الخطاب الديني التقليدي فوسع من سيطرته) كما يمكن لأي مشاهد أن يلاحظ ذلك (وكرس أكثر فأكثر الحمولة الإيديولوجية لهذا الخظاب بما فيه من نظرة دونية للمرأة هي في أساس ممارسة العنف. إن العنف العائلي، كما ذكرنا آنفاً، ظاهرة اجتماعية لا تتحدد بجنسية أو بمنطقة. فهي موجودة في المجتمعات الأكثر ديمقراطية في العالم وليست حكراً على المجتمعات التي قلص فيها المجتمع المدني. لكن وجود المجتمع المدني وما يتبع من إمكانية المشاركة الحرة في تشكيل الجمعيات وشبكات الدفاع عن حقوق المرأة وتنظيم حملات التعريف بما يلحق المرأة من ظلم وما تخضع له من عنف، وأخذ المبادرات المطالبية والتضامنية وما يمثله كل ذلك من إمكانيات ضغط على السلطات، كل هذا يمنح المرأة أفقاً ممكناً للعمل على إصلاح الخلل الذي تعاني منه وإحقاق الحقوق التي تتطلع إليها. لذلك فإن معركة المرأة ضد العنف العائلي، بل ضد كل أشكال العنف، جزء لا يتجزأ من معركتها، إلى جانب الرجل، من أجل إرساء القيم اليمقراطية وبناء المجتمع المدني.
 
مجلة أمارجي العدد 1 آيار ـ حزيران 2001/ لجان الدفاع عن حقوق الإنسان في سورية 

0
0
0
s2smodern