قضايا الأسرة

شابّات وشبّان لديهم ما يقولونه, صحفيات وصحفيون يتلمسون أول الكلام وأول الانطباعات, يحلمون بتحقيق ذواتهم, وبتجاوزها, تحملهم أجنحة خيالهم نحو الشهرة, وفي طريقهم إلى هنالك الكثير من العوائق والشّباك!

تبدأ الحكاية بمقال يحقق نجاحا في جريدة محلية, أو في موقع الكتروني, يحمل الصحفي الشاب مقاله فخورا, ليريه لأهله وأصدقائه, موزعا نسخا منه عليهم, وتكبر أحلامه, هو يريد الآن أن يكون مقاله أسبوعيا, يحلم بزاوية يقول فيها كلمته ليتلقفها الناس ويبدؤوا بنقاشها.

في الطريق إلى المقال الأسبوعي لا بد من الاستعانة بالعلاقات الشخصية "المتينة", القاعدة الذهبية لذلك "تعرف أحدا؟ تصل!" وإلا.., وهذا ما يبرر الكثير من المقالات التي تزخر بها صحفنا المحلية والتي تخلو من المهنية والاستناد إلى قواعد الإعلام البسيطة, حيث يتم الخلط والمزج بين المقال والتحقيق والرأي الشخصي, تكثر فيه الأخطاء النحوية واللغوية, والمغالطات المنطقية, لنحصل في النهاية على "مقال" مبتدع, لا نقرؤه سوى في صحفنا!

غير أن الكارثة الحقيقية تكمن في أن يكون لدى الصحفي الشاب ما يقوله, وواقع يريد الحديث عن قضاياه, وأن يصل إلى الناس بجهده, حينها تضطرم عداوة "ابن الكار", خصوصا لدى الصحفيين المعروفين ذوي الأسماء الرنانة, الذي يبدؤون معركة "تطفيشه", مستخدمين كل الوسائل التي بين أيديهم لذلك!

كثير من الصحفيين الشباب "المحبطين" يرون أن العاصمة هي الملاذ, وأنهم بذهابهم إليها ستفتح أبواب كثيرة أمامهم, صحف متنوعة ومتخصصة, شاشات تلفزة وقنوات فضائية, إذاعات عامة وخاصة, أكاديميات ودورات إعلامية, وهم لا يتخيلون حجم المعاناة التي سيجدونها في العاصمة حتى يقعوا فيها, فهم أسماء مغمورة تماما, قادمون من الأطراف, و الكوادر هنا أضعاف مضاعفة, وهي أكثر تأهيلا, وهنالك أسماء بارزة تحتل وسائل الإعلام ولا تبارح مكانها فيها مطلقا, وهم بحاجة إلى علاقات, لا يمتلكون حدها الأدنى, كي ينشر لهم مقال واحد شهريا على الأكثر!

يجتمعون منذ الصباح في المقاهي, يتجاذبون أطراف الحديث, يتحدثون عن معاناتهم, وعما يمتلكون من موهبة, وأنهم صحفيون نوابغ لولا..., و يتكلمون في أمور لا تمتّ للواقع بصلة, في طقس يقلّدون فيه مثقفي العهود الماضية حين كانوا يجتمعون في هذه المقاهي, يتناقشون في شؤون البلاد والحكومة والبرلمان والصحف, هي محاولة لتلبّس جوّ المثقفين الذين كان لهم وزن يوما, لعلّهم يصبحون "هم"!

وشيئا فشيئا ينقسم هؤلاء إلى قسمين, الكثرة منهم يبدؤون بالتقوقع وتصيّد الفرص لكتابة مقال هنا أو تحقيق هناك, بعيدا عن الواقع وهمومه والذي جاهروا أنهم سيغيرونه, ومشاكل الناس التي بدؤوا حياتهم وهم منهمكون بها, يصبح همهم أن يكتب اسمهم وإن في أسفل زاوية صغيرة مهملة هنا أو هناك!
والقلة منهم, من يدركون أنهم بحاجة للكثير من الصقل قبل أن يبدؤوا معركتهم لتغيير الواقع, عليهم القراءة كثيرا, قراءة الإعلام المهني ومتابعة تطوره ومناهج عمله, وممارسة الإعلام بشكل يومي قبل أن يتجرؤوا ويذكروا اسمهم, قلة من يعون أن هموم الناس وحدها من يتابعها الناس, ووحدها من تستطيع إيصالهم إلى التغيير الذي يريدونه!

وهؤلاء هم من يعانون من مقص الرقيب, وغالبا ما يهربون منه إلى الصحف العربية أو الأجنبية, ليجربوا تحديا من نوع آخر, المهنية وتجرّع المرارة قبل أن يقبل لهم مقال يحوز على الشروط المطلوبة قبل نشره.

Imageفي كل الحالات فإن الصحفي الشاب يضطر, كي ينشر مقاله, لتكييف قلمه أكثر من الصحفيين المعروفين تبعا للسياسة العامة للجريدة التي يكتب بها, وللبلد الذي تنشر فيه الجريدة, حتى وإن لم يكن بلده, وذلك تبعا للقواعد الصحفية المتبعة, إن في شكل المادة أو مضمونها.

تبدأ الحكاية بحلم اسم تنصت الأفواه حين تسمعه, ويخطف بريقه العيون, وتنتهي بالغرق بأكوام من الشروط والمتاعب, وحلم تغيير الواقع برمّته ينتهي بأن يحلم الصحفي الشاب بتغيير "وضعه", وإن قليلا...


هنادي زحلوط, عضوة فريق عمل "نساء سورية" (الصحفيون الشباب: أحلام ينهكها الواقع!)

خاص: نساء سورية

0
0
0
s2smodern