قضايا الأسرة

يقول الإطار المرجعي للخطة الخمسية العاشرة إن الغاية الرئيسية للتخطيط بعيد المدى هي النهوض بالتنمية البشرية،والرهان على الإنسان السوري والارتقاء به من كافة النواحي الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية والعمل على إعادة بناء الشخصية الوطنية ذات الرؤية الكونية التي تتجاوز الحدود المحلية، والقادرة على التعامل مع تعقد متطلبات المجتمع ومواجهة المستجدات من موقع فهم واقتدار، والجديرة ببناء مجتمع سوري كفء وحديث ومؤسسات فاعلة واقتصاد وطني ذو إنتاجية وتنافسية عالية ومواكبة لروح العصر.
ويقود ذلك إلى أن سورية ستتمكن من الانتقال خلال العقدين القادمين إلى مصاف الدول التي تقع تراتبياً وفق المعيار الدولي في أعلى سلم الأداء المتوسط في إنجازات التنمية البشرية والتقدم الإنساني لمواطنيها.
ولعل نقطة الإقلاع لذلك هي التأسيس لمجتمع سوري خال من الفقر والجهل، كي يستطيع الجميع العيش في ظل حياة كريمة ومستوى رفاه عال، وأن يتمكنوا من ناصية التعلم واتساع المدارك وممارسة الحقوق والحريات المدنية، وأن يزيد احترامهم للعمل، وأن يتسلحوا بالعقل النقدي ويساهموا في الابتكار والإبداع، وفي تحقيق الإنتاجية العالية.
هذا الكلام النظري جميل جداً، ويتمنى كل مواطن سوري أن يتحقق، لكن الاقتصاد منهج عقلي للتفكير، لا لغة مشاعر وعواطف، ومنبت الشك في السرد السابق هو تلك الدراسة التي أنجزتها هيئة تخطيط الدولة بالتعاون مع الهيئة السورية لشؤون الأسرة وصندوق الأمم المتحدة للسكان، حول عمل الشباب السوري، ذلك الشباب/الإنسان التي تعد الخطة الخمسية بأن يكون الحامل الفكري والاقتصادي والسياسي للمجتمع السوري في المراحل القادمة، فقد كشفت الدراسة التي غطت 6 آلاف شاب وشابة في كافة المحافظات، أن 30% من الشباب المنخرطين في سوق العمل يتقاضون راتباً شهرياً يقل عن 4 آلاف ليرة، ونسبة قليلة منهم يتقاضون راتباً يصل إلى 6500 ليرة، والنتيجة المباشرة لهذه الأرقام هي أن ثلث الشباب السوري هم تحت خط الفقر وفق المعيار الكمي لخط الفقر، أما وفق المعيار النوعي فهم أفراد مهمشين اقتصادياً، واجتماعياً أولاً، ومستغَلين في سوق العمل ثانياً، وهم غير قادرين إلا على تأمين حاجات الكفاف التي تؤهلهم للبقاء بيولوجياً، لا اجتماعياً.
الشباب السوري ووفق هذا المعيار الاقتصادي الرقمي، شباب يفتقد إلى التمكين الاقتصادي والاجتماعي، وبالتالي يفتقد إلى القدرات والفرص، ولا يقوى على تجديد قواه الإنتاجية والفكرية والثقافية، وهذا التهميش الاقتصادي يضفي على الشباب حالة من الإقصاء والاغتراب، ويعمق المشكلات والاضطرابات النفسية والاجتماعية، والأهم من ذلك أنه يقلص من خياراته كافة، وتنتقص من حرياته وحقوقه بشكل مباشر، وباختصار أقول إن تلك الأرقام إنما تعبر عن حالة "هدر" للشباب السوري بكل المعايير، والسؤال الجوهري الآن: كيف يمكن تحقيق مشروع تنموي سوري وثلث شباب المجتمع مهمشين وفقراء؟ وربما كان ما تبقى منهم إما مهاجر ومغترب يبحث عن عمل أو علم، وإما غير معني بالتحولات والتغيرات المحيطة به؟ وهل بهذه الأرقام سيكون الإنسان المتعلم والمثقف والمبتكر والحامل للهموم والمشاكل، و"ذو الرؤية الكونية" الذي تراهن الخطة الخمسية العاشرة على بنائه؟
يعمق التحول إلى نموذج الاقتصاد الحر الليبرالي الذي يسير على خطاه الاقتصاد السوري، حدة الاستقطاب، ويحقق نوعاً من "الانتخاب" الاقتصادي بين الناس، وإن لم تكن الدولة بوصفها جهاز اجتماعي سياسي لإدارة المجتمع، دولة فعالة وقوية اقتصادياً وقانونياً، وتستطيع أن تحقق توازن بين الحقوق الاجتماعية والاقتصادية لكافة الأطراف (رأس المال، العمالة، المجتمع المدني، المستهلكين...) فإن الانتخاب والاستقطاب مرشحين دائماً وأبداً للتوسع، وسيفضي ذلك إلى انتشار "ثقافة، وسلوكيات الفقر" والنتائج المترتبة على تلك الثقافة معروفة للجميع ولا داعي للخوض فيها.
 

أيهم أسد، (فقر الشباب... تهميش وإقصاء وانتقاص من الحريات)

موقع مركز الإعلام العربي، (28/9/2008)

0
0
0
s2smodern