قضايا الأسرة

المنتدى الاجتماعي- المكتبة الظاهرية- المراكز الثقافية- وغيرها من أسماء باتت ثقيلة على السمع أمام أسماء من مثل حارتنا- الباب العتيق- بيت جدي- غزل.....وزوايا الطرقات.

لتسيطر إذا مفاهيما جديدة وأماكن جديدة في مرحلة زمنية مختلفة أصبحت فيها الكافتريات والمطاعم الأمكنة الأكثر جذباً لشريحة عمرية تبدأ من الخامسة عشرة لتصل إلى ما بعد الثلاثين.

بل أصبحت المكان الأوحد الذي يجمع مابين الشباب باختلافاتهم إن وجدت، على حساب المكتبات والمنتديات والتجمعات الثقافية، لتصبح  هي الملجأ الوحيد للشباب والشابات الباحثين عن الترفيه والتعارف، وحتى الباحثين عن الالتقاء الفكري أو الثقافي حيث أنه لا يوجد أي مكان آخر سوى الكافيتريات والمطاعم.

إن كان الذهاب إليها اختيارا بين عدة أماكن أخرى فهذا له علاقة بطبيعة الشخص وما يرغب  أما إذا كان الذهاب إليها الطريقة الوحيدة للتعارف أو الالتقاء الفكري الثقافي  للشباب فهنا تبرز التساؤلات.

أين هي الملتقيات الثقافية والاجتماعية و السياسية التي تساهم في  لقاء الشباب وتيسر لهم طرقا للبحث والمعرفة ؟
هل ضاقت الدنيا وهل ضاقت الميزانية في الخطط الخمسية للاهتمام بالشباب ؟
حاولنا في هذا التحقيق الوصول إلى فئة الشباب التي تعيش هذا الظرف الملفت والمسبب للكثير من الأزمات للأهل وحتى للشباب أنفسهم كيف يرون تلك الكافتريات التي يتجمعون بها كيف أصبحت اعتيادا ؟

تقول (سناء لطوف) 18 عام إني أدرس الآن في الشهادة الثانوية لكن لا يمر يوم علي دون أن أذهب وأصدقائي إلى الكافتريات، وهذا يسبب عبء مادي كبير حيث أن كل مصروفي أقضيه في الكافتريات وهذا ليس ذنبي لكن البيوت ضيقة ولا مجال لأن نلتقي إلا هنا في المطاعم.

أما (رند حسامي) 22 عاما فتعتبر أن هذا المكان الوحيد الذي تشعر به بالراحة بعيدا عن أجواء الأهل والقيود هنا الضحك والفرح أما بالنسبة للمنتديات الثقافية فهي لا تعرفها بالمطلق بل تمنت لو أنها موجودة ربما كانت قد ذهبت إليها.

يقول (يامن عسى) 19 عاما بصراحة جربت أن أذهب إلى أكثر من مركز ثقافي لكني شعرت بالملل من اللحظات الأولى وكذلك حاولت أن أتطوع لكن الجميع فرطوا وتركنا المكان الذي تطوعنا به.

بينما يرى المهندس (شادي مهنا) وعمره (28) سنة أن الشباب يعيش حالة ضياع وذلك لأسباب شرحها من وجهة نظره فيقول:"أن فترة المراهقة لدى الشباب لم تعد محصورة بفترة زمنية محددة بسبب انهيال الشباب على الانترنت ووسائل الاتصال الحديثة بشكل فوضوي ودون توجيه من اي جهة.

كانت لذلك غياب الرقابة داخل المنزل وغياب الرقابة والتوجيه في المدرسة او المؤسسات التربوية في الدولة يجعل الشباب في حالة من الجهل لكثير من المواضيع التي لا تتناولها مناهجنا التربوية كالجنس والعلاقة بين الشاب والفتاة وكيفية استعمال وسائل الاتصال والانترنت لبناء الشخصية والغنى الفكري والثقافي.

وعدم اغناء الفكر بمنهجية تفكير واضحة يجعل حياة الشباب في حالة من الفوضى والمراهقة غير المنتهية فيجنحون الى المقاهي ليقضو اوقاتهم او الى اماكن التسلية والرقص وقضاء الساعات الطوال على الانترنت دون معنى بدلا من اللجوء لتمضية الوقت في المكتبات واماكن الثقافة والفن الراقي الذي ينمي الشخصية.

وهذا كله بسبب الفراغ الذي يجده الشاب او الشابة في حياته دون ان يجد في مكتبة تفكيره ما يدفعه لتمضية هذ الوقت في امور مفيدة لذلك فالثغرة هي اولاً في العائلة وطريقة التربية والعلاقة بين الاهل والشاب وثانيا في مناهجنا التثقيفية التي لا تتناول المواضيع الشبابية بجدية او تعمل على توعيتهم حتى في الامور الاكثر حساسية في حياتهم والتي لها اثار مباشرة على نفسيتهم وبالتالي على حياتهم كلها.

لذلك يجب معالجة هذه الثغرات اولا ثم العمل على ايجاد نواد فكرية وتثقيفية لتنشئة شبابنا لانه دون العمل على ذلك ستبقى هذه النوادي فارغة لاتزورها سوى الحشرات التي تبحث عن طعام لها بدل ان تغص بالشباب الذي يبحث عن الطعام الفكري والروحي والتثقيفي لبناء استراتيجية اومنهجية او خطة واضحة لحياته.

وفي هذا الصدد يقول (راني مارون) (25) سنه إدارة أعمال :"إن رأيي صعب شوي بهالموضوع ولكن للأسف اشعر بأنه قريب جداً للحقيقة الشاب في هذه الحياة لم يعد يهتم لاكتساب الثقافة، همه الوحيد التظاهر بمظهر المرتاح مادياً لجذب الصبايا واصبحت المقاهي وزيارتها المتكررة اسهل الوسائل لتحقيق غايته سواء بشكل مباشر او غير مباشر عن طريق البلوتث مثلاً.

بالنسبة للنوادي والمراكز الثقافية رغم اهميتها لن ترقى لتصبح الملاذ الأخير للشباب قبل ان تقدم ثقافة يستطيع شباب هذه الأيام تقبلها يعني بصراحة ثقافة جداً متحررة.

والأعمال التطوعية شبه معدومة لأن الشاب السوري لم يكتسب من والديه حب وطنه وحب الأخرين فهو يبحث عن المقابل دائماً وللأسف سوف تبقى المقاهي والكافتريات ملجأ الشباب، حتى تصبح قيمة الأنسان في سوريا بما يملك بعقله وليس بجيبه.

وترى (لما فرنسيس) (25) سنة طالبة بأن الشباب يلجأون إلى المقاهي بسبب الضغط الذي يعيشونه إن كان في منازلهم أو في عملهم أو في دراستهم ، وتتابع فتقول:"الإلزام غير موجود في الذهاب إلى الكافتريات وهذا يجعلها المكان الأكثر رغبة أما الكتب والمراكز الثقافية فان النت و الكومبيوتر يفون بالغرض.

هذه آراء مجموعات مختلفة من شبابنا لنصل إلى تساؤل أين هو الخلل؟ كيف يمكن أن نحاول إصلاحه؟ وهنا توجهنا إلى الإعلامية (لينا ديوب) مسؤولة صفحة شباب في جريدة الثورة لتضيئ بعض النقاط من خلال تجربتها في العمل مع الشباب ورصد مشاكلهم وتطلعاتهم فقالت:"عندما أدعى إلى ورشة فيها شباب أجد أنهم يهتمون بأن يلتقوا بلقاءات اجتماعية منظمة كاللقاءات في الجامعات مثلا.

ويعطونها وقتهم ويتفرغون لها.إذا الخلل ليس فيهم أو برغبتهم إنما بأنه لا توجد مؤسسات تساعدهم في التخطيط لأوقاتهم وتدعمهم للمباشرة في الأعمال واللقاءات التي بحقيقتها هي أمتع مما يعيشونه في لقاءاتهم في المطاعم أو زوايا الطرقات وهذا له أسبابه، بدءا من البيت لا توجد مساعدة للشباب في التخطيط والادارة للوقت.

وانتهاء بالمراحل التعليمية جميعها التي يمرون بها.والتي لا تقوي لديهم ثقافة التطوع والعمل الجماعي ففي دراسة حديثة وجد أن نسبة الشباب الذين يعملون في التطوع في سورية3% وهو رقم يستحق التوقف يجب مشاركة الشباب في الخطط التي تعمل لأجلهم وأن تخصص وزارة تعنى بهم فهنالك تجارب عالمية ناجحة مثل فنلندا ويمكننا الاقتضاء بها.

وترى السيدة (سوسن زكزك)  باحثة في استراتيجية الشباب أن الشباب بالعموم يتوجهون إما لخدمة قضية عامة على أساس التطوع أو لخدمة قضية رأي يؤمنون بها ضمن حزب أو تنظيم.

أولا بالنسبة إلينا نحن في سورية  لا يوجد لدينا قانون للتطوع كلبنان مثلا لأن التطوع يجب أن يأخذ شكل الحوافز أوشهادات تؤخذ بعين الاعتبار عندما يريد الشاب أن يعمل في الدولة أو في القطاع الخاص، لأنها بالحقيقة هي تؤهله للعمل بعد فترة الدراسة.

ثانيا نعاني من عدم الاهتمام بالفكر والذي يتجلى في العمل بالجمعيات المدنية أو الأحزاب وهذا غير متوافر حاليا،  فالأحزاب فكرتها غير جذابة للشباب ومبادئها هرمة غير قادرة على اجتذابهم  وتلمس احتياجات الشباب وغير قادرة على صياغة خطاب وبرامج تناسب احتياجات الشباب لذلك لا ينتمون إليها.

وبالنسبة للجمعيات فان  قانون الجمعيات لا يسمح بتشكيل جمعيات شبابية لأنها تمنع تشكيل الجمعيات التي تتشابه أهدافها مع المنظمات الشعبية بالإضافة إلى انه متخلف ومعرقل.

الشباب لديهم طاقات كبيرة لكن لا يوجد مجال لتفريغ هذه الطاقات وتحويلها لفعلٍ بنّاء. المجتمع هو نفسه الذي يجب أن يوفر تلك البيئة المناسبة لأن الشباب بشكل عام  يميل إلى الاختلاط وهذا غير متوافر، وثقافة العمل المدني أو التطوعي معدومة في مناهجنا التربوية ففي مرحلة مضت كانت التقاليد بالأحياء الشعبية توفر جواً من التجمعات الهامة لكن الآن انعدمت ولم يوجد بديل.

لذلك نراهم ينخرطون وراء الكافتريات والمقاهي والتي باتت منتشرة على حساب المراكز الثقافية والتجمعات التي تنمي المواهب والروابط بالمجتمع.

 نسبة رواد المطاعم من الشباب  تصل إلى 95%

وختاما في جولة قصيرة إلى المقاهي وبعض المطاعم في دمشق رأى المشرفين عليها أن نسبة الشباب الذين يقضون أوقاتا طويلة في المقاهي والتي تصل إلى 95% تضعهم ضمن تساؤلات من مثل من أين لهم هذه المبالغ ليصرفوها ومعظمهم طلاب وصغار السن،  وكيف اختلفت من سنوات قليلة إلى الآن رواد المطاعم، بأن أصبحت تبدأ أحيانا من أقل من خمسة عشر عاما.

ورأوا أن الشباب يمضون أوقاتا طويلة يلعبون الشدة ويشربون الأركيلة ويأكلون ويضحكون حتى أنهم أحيانا يعملون في المقهى عندما يجلبون معهم الكمبيوتر المحمول ملاحظات كثيرة أعطتنا فكرة عن الفوضى الداخلية التي يعيشها شبابنا والتي ساهم المجتمع والمؤسسات في وجودها.

نسبة السكان في سورية تحت سن الثلاثين تصل إلى 60% لذلك يجب الاهتمام بهذه الفئة العمرية ومساعدتها للوصول إلى ما تريد لأنهم في  قمة العطاء وبتهميشهم لن يتمكنوا من تقديم ما لديهم من إبداعات، لذا  يجب إعادة النظر بأهمية وجود ملتقيات ثقافية واجتماعية وفكرية والإيمان بأهميتها ووجود جمعيات شبابية تعنى بإعادة إحياء حراك الشباب في المجتمع وتفعيل دورهم في التغيير.

إضافة إلى ضرورة تخصيص وزارة للشباب أسوة ببعض الدول لما لها من دور لرصد ميزانية تعنى بحل مشاكل الشباب و بالتالي إعطائهم أدورا في الحراك الاجتماعي والسياسي يفسح لهم الطريق للخوض فيه وللمشاركة في جميع ميادين الحياة.

الشباب من أهم مراحل العمر يحب أن نعيشها بجمالها وأن نستفيد من كل لحظة فيها.


رهادة عبدوش، ( كيف تحولت الكافتريات الى الملاذ الوحيد لشبابنا)

نقلا عن الأبجدية الجديدة، (12/2008)

0
0
0
s2smodern