قضايا الأسرة

لا نعرف كيف سنتعامل معهم، عبارة تتكرّر يومياً عشرات المرات على ألسنة الأهل، شارحين همومهم للعائلة والأصدقاء وزملاء العمل وفي كل مكان تقريباً. ويسردون سلسلة المشكلات والخلافات التي تواجههم بشكل غير منقطع مع أولادهم.

 وقد حاولت حصر الموضوع بأسباب انعدام المسؤولية عند المراهقين و لاسيما لجهة موضع الدارسة أو العلاقة مع الأهل، ومشكلة اللامبالاة التي تميّز شخصية المراهقين. فكانت الإجابات التالية:
دكتورة جامعية تستعين بالطلبة:
تقول رجاء الدكتورة الجامعية إن مشكلتها مع ابنها طرحتها على مدرج الجامعة وحاولت الاستماع لبعض أراء الطلاب كي تستطيع تفهم عقلية ابنها الذي"شيبها"كما تقول. وحين السؤال عن سبب حدة الخلافات معه أعادت الموضوع إلى التلفزيون والإنترنيت ورفقة السوء بالإضافة لوالده الذي يدلله وينتقدها أمامه ويقلل من قيمة علمها.
أما الموجّهة هناء في إحدى الثانويات، فقد قالت إن ابنها لا يدرس إلا عندما تأتي الامتحانات، وتؤكد أنها ربما تتحمل مسؤولية ما يفعله؛ فهي تعطيه نقوداً غير تلك التي يعطيها إياه والده، وتضيف نحن نمتلك في منزلنا كثيراً من الأشياء التي كانت بمثابة حلم حين كنّا مراهقين، وقد يمنعه ذلك من الشعور بضرورة المساعدة حتى بالنسبة لنفسه؟!!
الحالتان السابقتان توضحان أن مشكلة تعرض الطفل والمراهق لنوعين من التربية بالإضافة لتأمين كل احتياجاته هو ما يفقده الحس بالمبادرة والجديّة في موضوع الدراسة وعدم بذل أي جهد إضافي كي يظهر شخصيته.
أشياء كثيرة في المنزل:
بدوره، الطالب مهند في الثالث الثانوي: أكّد أنّ هناك أشياء كثيرة في المنزل من تلفزيون وإنترنيت وطعام ومال وخدامة وسيارة، وكلها تمنع المراهق من أي اجتهاد أو أن يتحمّل المسؤولية وهناك عدم قدرة الأهل على فهم إن هذه الأشياء لا تكفي للحس بالمسؤولية بل العكس، ويضيف نحن لدينا مشاعر عاطفية وجنسية وحتى قضايا فكرية ودينية ونحتاج لمن نتكلم معه ولا أحد يفهم عن ماذا نتكلم، ولكل ذلك لا نستطيع أن ننجح في دراستنا وتشكل صعوبة الدخول إلى الجامعة سبباً إضافياً لتفشي نقصان الأمل والاجتهاد في الدراسة. وقد اتفق معه كثير من زملائه.
ربما يشكل هذا الكلام رأي أغلبية المراهقين، بالفعل هناك كثير من مواضيع الرفاهية والراحة التي تفقدهم الحس بالمسؤولية وقد تشكل صعوبة الدخول إلى الجامعة بالنسبة للفقراء وفتح جامعات خاصة ووجود تعليم مواز ومفتوح وغيره سبباً حقيقياً لغياب الجديّة أو الاهتمام الكافي.
الضرب غير المؤذي:
ثم كان لرامي رأي مختلف فهو طالب في الصف الثاني عشر علمي: إذ قال إنّ رفع الضرب والعقاب عن الطلاب أفقد المدرس القيمة الحقيقية بنظر الطلاب؛ فمنهم من يقول له إن الوزارة تمنع الضرب، ومنه يقول قد تتحول إلى المحكمة، ومنهم يتوعده..!! ويضيف  -رامي- رغم أن معظم الأولاد يتعرضون للضرب في منازلهم، ونتيجة ذلك لا يبقى سوى أن يفصل الطالب أو يذهب إلى الموجه الذي يعيده مجدّداً إلى الصف بعد أن يكتب تعهد خطي لا معنى له، وهذا ما يحوّل الطالب لشخص غير مبالي ومقصر في دراسته.
طبعاً دار جدلاً في سوريا في السنوات الأخيرة و لا يزال حول أنجع آليات التعامل والتوجيه والتربية المستخدمة مع الطلاب المراهقين، وشكل قرار وزارة التربية بمنع الضرب وكف يد الموجه والمدرس أرضاً خصبة لتراجع التعليم وتقاعس المدرسين عن دورهم التربوي إلى جانب التعليمي. يعزز ذلك، القضايا التي رفعت أمام المحاكم على بعض المدرسين الذين تورطوا بضرب بعض الطلاب، وهو ما انعكس سلبياً على المستوى التعليمي للمراهقين.
وقد أشار بعض الطلاب الذين تحدثت معهم في الموضوع إلى انه يجب أن يعاد الضرب والعقاب شريطة ألّا يكون مؤذياً.
تأثير اختلاف القيم:
للسيدة سيهام معاناة مختلفة فقد أكدت أن أولادها الذين أعمارهم 19 و16 عام يقاطعونها تماماً ولا يلتفتون إلى توجيهاتها المتعلقة بأمور دراستهم ، وضرورة أن يلبسوا ملابس مناسبة في الشارع وليس بنطال يصل أعلاه إلى ما تحت أسفل الظهر أو لباس يظهر جزء من الظهر، وألا يتأخروا عن المنزل حيث قالت إن ابنها لا يعود أحياناً إلى المنزل قبل الثانية ليلاً. ومشكلتها كما تراها أن زوجها يوجه لها النقد المهين أمام الأولاد بل ويعطيهم نقوداً كلما طلبوا ويعلق على أسئلتها ب"دعيهم يعيشون"..!
وأضافت أن ابنها ومن شدة الدلال كسر قدمه وهو يضربها بالجدار لأنها لم توافق على إعطائه نقوداً بالآلاف حين كان والده متغيباً خارج الدولة!!
لا شك أن الثراء المادي والاختلاف في القيم بين الأب والأم يسبب تفلتاً عند الأولاد خاصة وأنهم يأخذون السلطة من الأب وليس من الأم التي ينظر لها أحياناً كخادمة لا أكثر.
ومن خلال محادثتي للأطفال في سن المراهقة أكد معظم الطلاب/المراهقين أن السبب الرئيسي لانعدام المسؤولية: إما تأخر سن المراهقة وسهولة الحصول على كثير من الحاجيات في المنزل أو اختلاف أسلوب التربية بين الزوجين. وهناك الشعور بصعوبة الدخول إلى الجامعة ووجود جامعات خاصة تؤمن البديل عن الجامعة العامة.
حاولت في هذا التحقيق أن أتعرض لبعض أوجه هذه القضية الشائكة، إلا أنّ السبب الرئيسي كان شبه غائب  عن الأجوبة التي تلقيتها وقد يكون ذلك لاندماج الأغلبية الساحقة بقضايا الحياة اليومية وتأمين الحاجيات التي لا تنتهي، حيث أرى أن انعدام الإحساس بالمسؤولية عائد إلى انعدام الآمال وغياب الحراك الاجتماعي والسياسي ونشاط الجمعيات وتراجع كل ما يخص الفكر التقدمي.
وثانياً عدم وجود مواد دراسية تعنى بالتربية الجنسية والعاطفية، حيث يقضي المراهقين كثير من الأوقات إما في مشاهدة أغاني الفيديو كليب لما فيها من إغراء ومتع جسدية أو في مشاهدة القنوات الإيباحية وهنا يلعب الانترنيت دوراً خطيراً.
ويمكن القول إن مرحلة المراهقة مرحلة انتقالية وتتطلّب جديّة أكبر في التعاطي معها بدءاً من الأسرة وانتهاءً بالدولة التي عليها أن تعيد النظر بأساليب التعليم وبالجامعات الخاصة وإشعار الطلاب المراهقين بأن مستقبلهم ليس على كف عفريت وكذلك إحياء الحراك الاجتماعي والسياسي بما يعطي أمالاً جديدةً للمراهقين ولغير المراهقين.


عمّار ديّوب، (اللامبالاة عند المراهقين... فمن يتحمل المسؤولية؟)

خاص: نساء سورية

0
0
0
s2smodern