قضايا الأسرة

شو ها الجيل والله ما كنا هيك مع أهلينا....على أيامنا كان أحلى.... زمان كنا نسمع ونحترم كلام الأكبر منا بس جيل اليوم ما عندوا هالشي.... يا أخي جيل طايش وما بيعرف مصلحته... ياللطيف هالجيل شو عنيد ومتمرد... جيل ما عندوا حس المسؤولية...

والكثير الكثير من الكلام الذي يتداوله الآباء مرهقين أنفسهم وتفكيرهم، معبرين عن صعوبة التعامل مع أبنائهم الذين "لا يصغون لكل إملاءاتهم وتوجيهاتهم" ويرفضون نمط الحياة التي يرسمها هؤلاء الآباء لهم، والاقتداء بخبرات وأفكار الماضي! فيقابل هذا الرفض كم كبير من المواجهات والانتقادات التي تنهال على الأبناء متناولة طريقة تفكيرهم وكيفية تعاطيهم مع أمور الحياة، واهتماماتهم والأولويات التي تشغلهم ويسعون لتحقيقها.. إلى درجة أن الآباء قد لا يعطون أية أهمية أو قيمة لنجاح الأبناء في تحقيق أهدافهم معتبرين هذه الأهداف "ليست إنجازا"!.

كما يسعى الآباء إلى انتقاد أدق الأمور وأصغرها في سلوك أبنائهم اليومي كاللباس وقصات الشعر والموسيقى.

فنمو النزعة التحكمية والسلطوية لدى الآباء والخوف من فقدانها تدفعهم ليعملوا على ضمان بقاء أبنائهم تحت جناحهم وعلى مرمى نظرهم. فمنهم من يحاول أن يصنع من ابنه شيئا طالما حلم به ولكن حالت الظروف دون تحقيقه في أيامه! وآخرون يقولون: هكذا رُبيّنا.. وها نحن لا نشكوا من شيء! فلما لا يربّى أبناؤنا مثلنا!

ومنهم لا يثق بقدرة أبنائه على بناء حياتهم بمعزل عنهم، فيرسم لهم مخططا وعليهم التقيد به والإ "تاهوا وأضاعوا حياتهم"، وبالتالي تسببوا بـ"غضب" أهاليهم! وآخرون "لا يعجبهم العجب ولا الصيام برجب"! فكل ما يقوله الأبناء ويفعلوه هو مناف للقيم والعادات، و"لم يكن على أيام زمان"! فالآباء "دائماً على صواب"! فهم أبناء البارحة "الأفضل والأكثر صحة من اليوم"! ولديهم "الخبرة الكافية" ليعرفوا ما هو مناسب ومفيد لأبنائهم! هذا من جهة.

ومن جهة أخرى يحاول الآباء التمسك بالعادات والتقاليد والقيم الأخلاقية كما عاشوها، مما يجعلهم أشخاصا صارمين جداً في محاولة حمايتها والحفاظ عليها والتقيد بها كما عاشوها! والحقيقة أن معظم تلك القيم والعادات تدخل ضمن إطار علاقة الشباب (الأبناء) بالجنس الآخر.. فهذه العلاقة هي أكثر ما يخيف الآباء ويجعلهم متوترين وقلقين.. فينعكس هذا الخوف على علاقتهم بأبنائهم ويزيدون من تشددهم وتوترهم في علاقتهم بهم، الأمر الذي يتسبب بخلق فجوة بينهم ناجمة عن عدم تفهم الآباء وتقبلهم للتغيرات التي يعيشها ويشهدها أبناؤهم.. فكل ما يفهموه من تلك العلاقة أنها مصدر للعديد من الأخطاء والمشاكل! خاصة أننا نملك ثقافة فريدة من نوعها وخاصة بنا هي "ثقافة العيب والحرام"! وهي منبع ذلك الخوف والمشاكل! وما أدرانا ما هو "العيب والحرام" إذا كانت مقاييس الأهل متعددة ومتشعبة حسب رؤية وفهم ومصلحة كل شخص وتقديره للأمور!

حسناً لن نطيل الكلام عن موضوع العيب والحرام وندخل به، إذ يكفي أنه حاضر في أغلب تفاصيل حياتنا! ولنعد إلى موضوعنا الأساسي لنرى تلك النظرة الرومانسية للماضي في عيون جيل الآباء: كل شيء كان جميلا وملمعا في صفحات الزمن الذي مضى إلى درجة أن المشاهد من خارج الواقع قد يقتنع حقا أن أيام زمان كانت أيام الناس الملائكة والخير والقيم النبيلة! وأن هذه القيم كانت عنوان كل بيت وكل شخص! ولم يكن هناك خلافات وآراء متباينة ضمن الأسرة الواحدة! وكانت العلاقات بين الناس قائمة على الحب والصدق والاحترام فقط! والأبناء كلهم يمشون برأي أهلهم ورأي كبير البيت! بل ربما أيضا كبير القرية أو البلدة! ولم يكن لديهم رفض لما هم فيه! فهم، وفق هذه اللوحة الرومانسية، على ثقة بأن "كبارهم" أعلم بمصلحتهم وأقدر على تدبير أمور حياتهم الشخصية!

إذا سلمنا بصحة هذه الصورة جدلا، لا نستطيع أن ننسى واقع الحياة في تلك الأيام، حين كان الناس في حاجة شبه مطلقة بعضهم لبعض، وعدم قدرة أي شخص على العيش بشكل مستقل لأسباب متعددة منها الفقر والجهل والانغلاق عن العالم الخارجي والبحث عن الأمان...الخ.

لكن الحياة لم تكن كذلك. فقد كان هناك دائما صراع بين جيل الآباء والأبناء، وإلا لما كنا شاهدنا هذا التغير والتقدم في الحياة بين الأجيال، ولا الاختلاف بين الماضي والحاضر! ومن ينكر هذا كأنه يقول أن الحياة راكدة لا تغير فيها، وأن ما نراه اليوم هو فقط تناقل أفكار من جيل لآخر ليس إلا! وبالطبع هذا غير معقول. فالحياة تمضي في تطورها من خلال هذا الاختلاف الذي لا يخلو من صراع. واليوم، فإن سرعة التغير الاجتماعي والثقافي والاقتصادي المرافق للعولمة جعل التغير في المفاهيم وأنماط السلوك في حياة جيل الشباب أمرا لا مفر منه. أي أن الآباء لن يستطيعوا مواجهة كل هذه التغيرات العالمية المتسارعة والتي لم تعد حكراً على مجتمع دون آخر. فنحن في عصر أصبحت فيه القيم والعادات والأنماط السلوكية لا ترضع من حليب الأمهات كما كان في الماضي، بسبب هذا التسارع في تغيرات الحياة. وما كان مهم سابقاً أصبح أقل أهمية الآن، أو انعدم وجوده أصلا، والعكس صحيح. ولو قام الآباء بالرجوع بذاكرتهم إلى أيام شبابهم لوجدوا أنهم عانوا مع آبائهم الكثير للحصول على حريتهم الخاصة، ولتمكنهم من رسم حياتهم بالألوان التي يريدونها، وإن اتخذ ذلك شكلا آخر قد يختلف عن الشكل السائد الآن، لكنه أيضا هو شكل من أشكال صراع الأجيال. وفي هذه الحالة ربما سيجدون أن ذلك الماضي لم يكن جميلا كما تصوره لهم رومانسيتهم اليوم. وهذا ليس بالشيء الغريب عن الطبيعة البشرية. فالصراع والاختلاف هما أمران إيجابيان، وهما دليلان على مرونة المجتمع وقابليته للتغير. الصراع والاختلاف ضمن ضوابط هما ظاهرة اجتماعية طبيعية تعني الاختلاف القيمي والفكري والسلوكي المتطور مع الزمن. وليس مهما الخلاف المعتاد حول التسميات. فالبعض يفضلون مصطلح "الحوار" بين الأجيال أو "التباعد" أو "الفجوة" بين الأجيال.. وكل هذا كي لا تقترن كلمة "صراع" بكلمة "عداء"، علماً أن علمي التربية والاجتماع يستخدمان تسمية الصراع بين الأجيال.

لنسميه كما نشاء. المهم أن نعي حقيقة وجوده، ونعلم أن التباين والاختلاف بين الجيلين هو أمر طبيعي وأساسي. فلولاه لما تقدمت الشعوب أصلا. بل هناك من يرجع تقدم وتطور الدول الصناعية الأكثر تطوراً بالصراع بين الأجيال الذي بلغ أشده وسمح بالتالي بقفزات كبيرة إلى الأمام، الأمر الذي فرض احتراماً لحريات ومبادرات جيل الشباب، وغير نمط العلاقة بين الطرفين بحيث ساهم في تغيير وتطوير وعي الآباء لوجود أبنائهم ومشاكلهم وتصوراتهم، وفتح الباب واسعا لاعتماد لغة الحوار معهم وإعطاءهم الحرية الكافية لمعالجة أمورهم الخاصة، واكتساب الخبرة والمعرفة المباشرة عبر التعلم من أخطائهم والاستمتاع بنجاحاتهم.

إذا، الصراع بين الأجيال هو عامل تطوير. وتنظيم هذا الصراع على أساس الحوار وليس الرفض يساهم في جعله مفيدا للجميع. ومثلما تسلم الآباء الراية من الأجداد، ولكن بصعوبة، يجب أن تسلم إلى الأبناء اليوم لكي يسلموها بسلاسة أكبر إلى أبنائهم أيضا.

وهذا الكلام يتسع ليتعدى حدود الأسرة إلى المدرسة والجامعة والعمل والشارع... حيث يجب أن تتسع الساحة لمبادرات وأفكار جيل الشباب (الأبناء) المفعم بالحيوية والطاقة.. فهم من يصنعون المستقبل..


خلود الشيباني، (البارحة لآبائنا واليوم لنا وغداً لأبنائنا)

خاص: نساء سورية

0
0
0
s2smodern