قضايا الأسرة

كثيرا ما يتم الخلط بين مفهومي النمو والتنمية, فبينما يشير النمو إلى حصول زيادة في الدخل أو الناتج الإجمالي سواء للفرد أو المجتمع فإن التنمية تعني الزيادة في زيادة تراكمية ودائمة في كل جانب من جوانب الحياة للخروج بالمجتمع من التخلف إلى التقدم سواء اجتماعيا أم اقتصاديا أم على صعيد القيم الثقافية والأخلاقية, وبذلك فإنه قد يكون لدينا نمو دون أن يكون هنالك تنمية, ولكن التنمية بالضرورة تقود إلى النمو عبر تراكمية الزيادة التي يتم تحصيلها عبر التنمية, وفي النهاية فهما يقودان معا إلى الارتقاء بالمجتمع عبر تأمين سبل الحياة الكريمة؛ ولكن, هل هنالك إسهام حقيقي للشباب في التنمية؟ قبل أن نطرح هذا السؤال علينا أن نتساءل أيضا: هل هنالك عملية تنمية حقيقية في سورية؟
ورد تعريف التنمية حسب الأمم المتحدة لسنة 1956 بأنها "العمليات التي يمكن بها توحيد جهود المواطنين والحكومة لتحسين الأحوال الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في المجتمعات المحلية ولمساعدتها في الاندماج في حياة الأمة والمساهمة في تقدمها بأقصى قدر مستطاع", ووفقا لهذا التعريف فإن المقصود بالتنمية هو إشراك السكان في عملية التنمية التي تستهدف تغيير هيكلية المجتمع اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا ومجتمعيا (اقتصاديا واجتماعيا), وإذا كنا نتحدث عن السكان فإن الشباب يمثلون غالبية السكان في البلدان النامية, ومنها سورية, حسب إحصاءات المكتب الوطني للإحصاء, وبالتالي فإن إشراك الشباب في برامج التنمية يشكل أساسا لعملية التنمية برمتها, فهم من جهة مدخلات في هذه العملية, وهم من الطرف الآخر هدف هذه العملية لأنها تستهدف تحسين شروط الحياة للمواطنين.
الدكتور منير الحمش, خبير اقتصادي, ورئيس مجلس إدارة الجمعية العربية للبحوث الاقتصادية, يجيب بالنفي مضيفا " في مثل هذه الأجواء الاقتصادية والاجتماعية, نجد تراجعا في إسهام القطاعات الإنتاجية السلعية لحساب القطاعات الخدمية, لهذا نجد أن العمالة في القطاعات الإنتاجية تتراجع"
ويشير تقرير البنك الدولي حول التنمية في العالم 2009 إلى تركز الإنتاج في مناطق معينة مع حرمان مناطق أخرى يزيد من اتساع الفجوة الاقتصادية الجغرافية ويضرب على ذلك مثالا القاهرة التي تنتج أكثر من نصف الناتج المحلي المصري فيما لا تتجاوز مساحتها 0,5% من مساحة مصر, وبالتأكيد لا يختلف الوضع في البلدان النامية الأخرى, ومنها سورية, حيث يهرب الشباب أكثر فأكثر إلى لعاصمة والمدن الكبرى أملا في أي فرصة عمل هربا من شبح البطالة.
الدكتور منير يشير إلى أن "اقتصاد الظل" الذي يسود في هذه المناطق من العالم بدلا من الاقتصاد الحقيقي ينخرط فيه الشباب أكثر فأكثر لا يمكن أن يشكل أساسا لعملية تنمية حقيقية " هنالك جيش من العاطلين عن العمل ينخرطون في أعمال هامشية, نجدهم باعة على الأرصفة, وسماسرة يبيعون كل شيء, نعم كل شيء, ولاشيء, حيث تكثر الجرائم, ويزداد التهريب, وتتوسع دائرة الأعمال المشبوهة"
ولأنه من مضامين التنمية أنها تنطلق من القيم والظروف السائدة في المجتمع, أي من الطاقات الاقتصادية والبشرية لتحقيق نمو يسهم في تحسين نوعية الحياة, ولأن العبء الأكبر في عملية التنمية يقع على عاتق الحكومة في البلاد فإن التوجه إلى التنمية وتحقيق العدالة الاجتماعية يحتاج إلى قرار سياسي.
وأخيرا يرى الدكتور الحمش أن الحل لأزمة الركود الاقتصادي الحالي في سورية يكمن في أنه على الحكومة أن تعلن فشل السياسات الليبرالية " الحل أن تعود إلى قرار القيادة السياسية بالتوجه نحو اقتصاد السوق الاجتماعي, أي الاقتصاد الذي يتبع سياسات اقتصادية واجتماعية من شأنها أن تخلق الديناميات اللازمة للعودة إلى نهج التنمية الاقتصادية والاجتماعية, وأن تعزز من دور الدولة الاقتصادي وأن تعيد الحيوية للاستثمار العام, وأن تدعم التعليم والصحة وتقدم الضمان الاجتماعي حفاظا على السلم الاجتماعي, وأن تحقق العدالة في توزيع الدخل والثروة".


 - (الشباب ودورهم في عملية التنمية )

مركز المتوسط لدراسات قضايا الشباب (10/2009)

0
0
0
s2smodern