قضايا الأسرة

(1) أسئلة الهوية
ما هي هموم الكتّاب المسرحيين السوريين الشباب اليوم؟ وما هواجسهم؟ وموضوعات كتاباتهم، وعلاقتها بموضوعات الأجيال السابقة في المسرح، وموقعها من القضايا الكبرى والحساسة، وهموم نشر نصوصهم، والترويج لها، ومشكلة تحويل النص إلى عرض مسرحي، ودور الرقابة. فيمايلي الجزء الأول من مجموعة مواد تنشر تباعاً، يتحدث فيها عدد من المسرحيين الشباب عن هواجسهم.

 كان جيل الآباء، بشكل خاص جيل الستينيات والسبعينيات، قد اهتم بمسألة إيجاد هوية مسرحه التي تنسجم مع تطلعاته الفكرية ، كأن تكون هوية قومية عربية أو محلية. أما في مسرح الشباب اليوم فقد اختلف الأمر، لم يعد البحث عن هوية للمسرح هماً، بل صار المسرح نفسه وسيلةً فنية إبداعية لطرح الأسئلة عن الهوية، هوية الأشخاص أنفسهم، هوية الشباب أي الجيل الحالي.
الكاتب عدنان العودة يذهب إلى القول إن مشروعه يحمل بعداً فكرياً له علاقة بموقفه من الآخر ومن المؤسسات، ابتداءً بالأسرة وانتهاء بالدولة، يستحوذ على تفكيره مسألة الهوية التي دخلت في تكوينها وشوّش عليها الكثير من الأحداث السياسية كالصراعات في لبنان، وبضمنها المخيمات الفلسطينية مثلاً، يقول: (أريد حلّ أول مشكلة لها علاقة بمن أنا في هذا المكان؟ لدي أسئلتي البسيطة.. لمَ أعيش هنا، وما المشاكل التي يعيشها مجتمعي؟ لكن بالمقابل لا أدّعي أنني سأقدم حلولاً ناجعة. وبرأيي المجتمع السوري حتى الآن غير متصالح، علاقة القطيعة بين ناديا وأسرتها (في مسرحية المرود والمكحلة غير المنشورة لكن المعروضة على الخشبة) يمكن قراءتها كدلالة على القطيعة الموجودة بين السوريين.. وأنا لم أكن أريد تحميل مسرحيتي خطاباً سياسياً مباشراً، لكن ما أريد قوله، هو (تعالوا نقبل بعضنا ونتصالح لنعرف ماذا نفعل..). وإذا كان العودة يركز على البيئة البدوية فإنه يقول: (إن سبب ذلك هو أنه ابن هذه البيئة، ومشروعه مرتبط ببيئته. الشمال بالنسبة إليه هو مركز لذاكرته، (أعرف هذا المجتمع جيداً، إنه مجتمع مغيب في تاريخ الدراما، لم يُشغل عليه جيداً. وميزته أنه لا يزال يمثل الشريحة الخام والنموذج للمجتمع السوري لأن فيه كل موزاييك سورية، فيه الأكراد والأرمن والسريان والشركس والبدو والشوايا، كل أطياف المجتمع السوري). كان مشروعي ومشروع عمر أبو سعدة في مسرحية (المرود والمكحلة) أن يأتي الناس ويحضروا المسرحية ويستمتعوا بها كما الفيلم، ويعودوا إلى بيوتهم ونقطة انتهى. لم نكن ندّعي أننا سنشرخ الفكر السوري. لم ندّعِ شيئاً سوى أنه يهمنا أن يرى الناس شخصيات حقيقية تشبههم ويعرفوا ما يشبه بعضهم وما آلت إليه هذه الشخصيات).

بينما تفضّل الكاتبة يم مشهدي استخدام مصطلح هواجس بدل المشروع: (أنا لديّ همّ وأقدّمه... همّي أن أعبّر عن هموم الناس بأي وسيلة، يهمّني أن أطرح السؤال للناس ودفعهم إلى التفكير. المسرح هو حوار وإن تمكنت من الوصول إليهم من خلاله فهذا جيد، وحالياً التلفزيون هو وسيلة أقوى للوصول إلى الناس).
 وتعيش شخصيات مسرحية يم مشهدي (باريس في الظل) حالةً من ضياع الهوية وعدم الانتماء، فهن ثلاث نساء تركن أوطانهن (بيروت وروسيا ودمشق) وهاجرن إلى باريس، بعد أن دُمّرت أرواحهنّ في الأوطان، يعشن الحنين إلى الوطن لكنهن يعجزن عن العودة.
(النساء في مسرحيتي لديهنّ مشاكل شخصية تتقاطع مع مشاكل مجموعة من الشباب السوري. قدمت همّ الواقع الاقتصادي وحلم الهجرة والعجز عن إمكان فعل أي شيء، وهي مشكلة يعانيها الشباب.)
مشهدي التي جعلت شخصية سلمى، وهي المرأة السورية الشابة، تهاجر إلى باريس دون ذكر الأسباب بشكل مباشر أو صريح تقول: (تركتُ الأمر مفتوحاً للمتلقي، تركت له أن يفكر لماذا يريد السفر والهجرة؟ ضغط اقتصادي، اجتماعي، سياسي،... لماذا حلمُ أغلب شبابنا هو الهجرة ولمَ يبقى هناك؟ لستُ مضطرة لتقديم تفصيلات، وأساساً ليس لديّ قدرة رقابياً على تقديم تفصيلات الأسباب. لم أقدِّم باريس وطناً بديلاً، بل قدمتها حلاً فاشلاً، لأن النساء لم يتمكّنّ من الانسجام، ولا شيء يتغير حولهن ولا في أوطانهن، وهنّ في حلقة مفرغة، لا يجدن حلولاً. ولست أنا من يقدم الحل، بل أتركه للمتلقي ليجده. يهمني أن أطرح السؤال.). ويأتي الحدث السياسي في مسرحيتها خلفيةً غير مباشرة للأحداث، كأن هنالك تجريم أو إدانة للحدث السياسي، تجيب مشهدي: (لأن الحدث السياسي لو كان أكثر نضجاً لما كانت هذه الشخصيات - وبضمنها سلمى العشرينية- تعاني من هذه المعاناة، ولكانت قد وجدت مكاناً لها في وطنها، ولذلك لم يتمكن النساء من العودة. مَن ليس مواطناً في بلده ليس مواطناً في الخارج، وهناك غربة وهنا في الأوطان غربة. هي شخصيات دُمرت وهُتكت أرواحها في أوطانها، وليس لديها القدرة على العمل، وغارقة باللامبالاة وهي أشد أنواع التدمير. عاجزة عن التغيير).
وعن سؤال ما إذا كانت نصوص الشباب تعبّر عن هواجسهم وعن مرحلتهم تجيب مشهدي: (إنهم يقدمون هويتهم.. ويعبّرون عن ملامحهم وعن القلق اليومي الذي يعيشونه بتأمين لقمة العيش وعلاقة عاطفية سوية، هذه هي الهوية وليست القول بالانتماء إلى القومية أو الطائفة. البحث عن هوية بحاجة إلى هامش من الحرية، جيل السبعينيات كان هنالك هامش ما يمكن من خلاله العمل، حالياً نحن نعمل كأفراد).

أما عند الكاتب وائل قدور فيأخذ البحثُ عن الهوية وتقديم الأسئلة المتعلقة بخصوصها حيّزاً أكثر تحديداً، فهو في نصه (الفيروس) يتناول موضوعة الجنس وجملة علاقات ومواقف المجتمع المتخلفة تجاهها، والنفاق والتناقض الذي يمارسه المجتمع. وهنا يقدّم كشفاً وتعرية للمجتمع وللأفراد ولتناقضاتهم وتخاذلهم عن مسؤولياتهم. يتحدث وائل قدور عن نصّه: (موضوع الجنس برأيي هو موضوع ملح منذ سنوات، وأتحدث من تجربتي الشخصية، وحين أكتب أنطلق من نفسي وأحكي عن المشاكل التي أنا نفسي متورط فيها وغارق فيها، وواحدة منها هي الجنس. أغلب القصص المأسوية التي نسمعها في مجتمعنا يكون الجنس لاعباً أساسياً فيها، سواء كان موضوع الكبت أو جرائم الشرف.. هذا الموضوع مؤثر ومهيمن وله الغلبة كمحرك اجتماعي في هذا الوقت. كما أن لموضوع الجنس مفرزات ثانية أهمها الخوف. وحين كتبت (الفيروس) كانت فرضيتي الأساسية هي: إذا أصيب شاب سوري بفيروس الإيدز فما هي السيناريوهات الاجتماعية المقترحة؟ أحد السيناريوهات هو كيف سيخبئ المقربون الأمر ويكذبون لأنهم خائفون بالمعنى الاجتماعي، الجنس محاط بجدار هائل من الصمت والخوف، والمشكلة تولّد مشاكل معقدة وشائكة تتسم بها حياتنا كلها، ويصبح الفصل أو الفرز صعباً. شخصيات النص تعيش حالات مركبة وغير قادرة على اتخاذ القرارات وحسم الأمور. موضوع الجنس والطريقة التي عومل فيها تربوياً في البيوت والمدارس ووسائل الإعلام المحلية، جعلته مولداً لتركيبات اجتماعية غاية في التعقيد). (أنا يهمني أن أتقدم إلى الناس ككاتب مسرحي، أرى أن هناك مجموعة موضوعات شائكة وعالقة في المجتمع ويجب التعبير عنها، مثل جرائم الشرف ومجموعة من القوانين المتعلقة بالمرأة كقوانين الأحوال الشخصية، وأجد أنه يجب إحداث تغييرات قانونية لكنها لن تحدث إلا بالضغط والكتابة في الفن والأدب والصحافة، وبالسكوت لن تتغير مجموعة القوانين، وهذا في الشق الاجتماعي على الأقل).

ويرى الفارس الذهبي أن لديه مشروعاً متكاملاً يعبّر عنه من خلال وسائل عديدة، ففي الصحافة هو مشروع رأي، وفي المسرح والسينما هو مشروع فني. ما أريد قوله هو خلق عالم موازٍ أكثر جمالاً من العالم الذي نعيش فيه. أسئلتي هي أسئلة أي شاب يعيش في هذا البلد: من أنا؟ أنا الفردية؟ كيف؟
في مسرحية (ريح) أحاول توجيه الاهتمام إلى مسألة العنف الممارس تجاه المرأة في مجتمعنا، وبشكل خاص عنف المرأة ضد المرأة. وما أريد قوله إنه يمكن للإنسان أن يتمرد ببساطة شديدة لأن الجدران التي تحيط بنا هي حواجز وهمية).
يبدو أن طرح أسئلة الهوية والانتماء، وأسئلة تدفع لكشف المجتمع وتعرية الإنسان الفرد فيه من جهة، ومن جهة أخرى كشف عدد من المشكلات والهموم التي تؤثر على ذلك الفرد أو تصنعه وتشكّل هويته. هي هاجس أساسي في مسرحيات الشباب، تُطرح بتفاوت في مستوى وضوح الفكرة والتعبير عنها، لكن بتقارب في مستوى الجرأة، إذ يتدخل في ذلك عوامل عديدة على رأسها الرقابة -كما سنرى- التي تؤثر ليس على مستوى الطرح والجرأة فحسب بل على مستوى اختيار الموضوعات أيضاً.

(2) الهروب و الضياع والتشويش.. سمات المرحلة
يمكن لمن يقرأ نصوص الشباب المسرحية التي أصدرتها احتفالية دمشق عاصمة للثقافة العربية 2008، بالتعاون مع دار ممدوح عدوان، والتي شملت عشرة كتّاب، إلى جانب نصَّي عدنان العودة (ثنائيات، خيل تايهة) نشر خاص، ونصَّي الفارس الذهبي (مولانا، ليلى والذئب) نشر دار ممدوح عدوان، أن يلحظ غياب موضوعات الشأن العام أو الهم السياسي عن تلك النصوص.
 يقول الكاتب وائل قدور عن ذلك: (جيل الكتّاب الشباب عاصرَ فترةً في سورية تراجعَ فيها العمل السياسي لأسباب عديدة، منها حظر العمل السياسي، كما أن جيلنا لم يلمس بشكل واضح كم هو هام العمل السياسي ومؤثر ومحرك، لا يمكنه أن يدرك كيف هي الحياة بوجود عمل سياسي ولم يعشه. العمل السياسي هو كلمة من خارج قاموسه. ضمن الشرط السياسي الموجود في سورية منذ عشرات السنين، من المنطقي أن تغيب مثل موضوعات الحريات والهم السياسي. نحن جيل متشرّب بالخوف ربما لم نرَ مشاهد خوف أمامنا، بل سمعنا وقرأنا وحكوا لنا، لذلك وباعتباره لا مرئياً قد يكون مخيفاً أكثر. ويكبر حجمه في الرأس. وهذا شيء موجود ومؤثر في خياراتنا ككتّاب).
وتقارن الكاتبة يم مشهدي جيل المسرحيين الشباب بجيل الستينيات:
(في مرحلة سعد الله ونوس لم يكن للتلفزيون هامش واسع في حياة الناس، كما كان هنالك ظرف سياسي وأحزاب وتيارات سياسية فكرية خدمت المسرحيين. كما أن الناس كانوا مسيَّسين إلى حد ما وليسوا مهمّشين. ذلك الجيل في الستينيات والخمسينيات نشأ في ظرف حرّ أكثر منا، والواقع السياسي في سورية لم يكن مضغوطاً بل كان هنالك حراك وحوار وهوامش قد تحدَّث عنها ونوس. السياسة تغيب لأنه لا يمكن الحديث رقابياً عن الكثير من المسائل. لقد عالج عمر أميرالاي بعض القضايا الحساسة في أفلامه لكنها مُنِعت، الشباب الآن ليسوا قادرين على أن تُمنع نصوصهم ونتاجاتهم الإبداعية. ليس بالإمكان أن نطالب الشباب بذلك. من الجيد أن يوجد شباب يكتبون للمسرح ويعملون فيه الآن. أما لماذا ابتعدوا عن السياسة؟ فربما لأنهم أحسوا أن هناك كذباً كبيراً على صعيد الأحزاب التي كانت موجودة، وعلى صعيد التغيير وعلى مستوى جيل قدَّم نفسه بصيغة معينة لكنه أصبح مرائياً. لذلك يتم الاتجاه نحو موضوعات إنسانية وجدانية.)
الفارس الذهبي يرى أن الجيل الجديد قد اختار تقديم موضوعات إنسانية، وتخلى عن القضايا المؤدلجة التي تغير الشعوب من باب أنه (قد اختار أن ينتمي إلى التجربة العالمية أكثر من انتمائه إلى التجربة المحلية، إضافةً إلى أن الشرط العام لا يسمح بتناول موضوعات الشأن العام. وإنَّ تناوُلَ الأمور اليومية الحياتية في نصوص الشباب هي درجة أولى في السلّم الطويل، فهذا الجيل تهمّه حريته الاجتماعية أكثر بكثير من السياسية، وإن موضوعات اجتماعية مثل (قضايا المرأة) أهم بكثير عنده من السياسة).
عدنان العودة يحيل هذا الغياب إلى دَوْر التلفزيون: (أنا أوارب في الكتابة، ولست أذهب مثل جيل السبعينيات مثل سعد الله وممدوح عدوان.. كان الحامل الفكري هو المحك للمسرحية، بالنسبة إليهم إن كانت المسرحية تحكي عن الطبقة العاملة وعلاقة الفرد بالمجتمع و.. فهي مسرحية جيدة، لكن إن كان فيها تسرب بورجوازي فالمسرحية فيها مشكلة. أنا هذا كله نسفته، لأنني أرى أن لدينا واقعاً اسمه التلفزيون، ويفرض سطوته كفنٍّ سحبَ البساط من تحت المسرح والسينما. وهذان الاثنان تاريخياً كانا يدّعيان أنهما يريدان تقديم الفائدة والفكر، وتخلَّيا عن أهم نقطة وهي المتعة، وتُرِكت للتلفزيون. المسلسلات التلفزيونية عرفت كيف تجعل الناس يتابعون، يجب عزل الدراما عن الفكر والتاريخ، وليست وظيفتها أن تلعب الدور التنويري، هذا حديث متخلّف برأيي. وبالنهاية لا يمكنك أن تناقشي أصلع عن تسريحات الشعر، لا يمكن للشباب أن يتحدثوا عما لا يعرفونه، هناك سقف في التفكير وهم يفكرون ما دونه، وكلنا نفكر ما دون هذا السقف).
بينما يرى الكاتب مضر الحجي أن الهم العام حاضر في نصوص الشباب، لكن بتجليات مختلفة عما عرفناه سابقاً: (لا يوجد تعارض أو تباعد بين اهتمامات الشباب والهم العام، بل على العكس الحرية بمفهومها الكبير هاجس بالنسبة للشباب، لكن الشرط السياسي يلعب دوراً في إعطاء أشكال أو أبعاد أخرى فنرى أن الديمقراطية قد تعالَج عند الكاتب الشاب من خلال بحث علاقة الابن بالأب أو التلميذ بالمعلم، هذا لا يرتبط فقط بالشرط السياسي بل بشروط أخرى منها تطور أشكال التعبير والاتصال والمفردات الجديدة التي سادت في المشهد الثقافي المعاصر. أعتقد أن الكاتب الشاب يميل دوماً إلى الكتابة عن اليومي المعيش المعني بالتفاصيل، وهو إذ يتطرق إلى القضايا الكبرى يتطرق إليها من خلال هذه التفاصيل التي قد تحمل حساسية أكبر، كما أن التعاطي معها مؤهل لينتج ما هو أكثر صدقاً، لأنه نابع من عالمه الخاص كمنتج للنص ويجد الكثير مما يتقاطع معه في عالم المتلقي. هذا لا يعني أن الكُتّاب الشباب قد انفصلوا عن القضايا الكبرى، لكن يمكن القول إن علاقتهم مع هذه القضايا قد اختلفت).
 
وبدلاً من موضوعات الشأن العام يتجه الشباب إلى موضوعات أو ملفات مفتوحة ومختَبَرة سابقاً وأقل حرجاً، مثل العلاقات الاجتماعية وتحديداً العلاقات العاطفية والجنس.
يقول وائل قدور: (لقد تراجعت الموضوعات السياسية لصالح أمور أخرى، مثل العاطفي كموضوع الحب).
وتشاركه الرأي يم مشهدي: (ربما يعالجون العقم السياسي العام من خلال الجنس. بالنسبة لي لا يمكن معالجة مسائل سياسية بشكل واضح، لذا نلجأ إلى معالجة قضايا أخرى بشكل واضح من بينها الجنس ومسائل اجتماعية. اليوم لا يمكن الحديث بحرية ووضوح وبشكل صريح عما يجري).
بينما لا يربط مضر الحجي بين تراجع موضوعات الشأن العام وحضور الجنس بكثرة في نصوص الشباب: (من الطبيعي أن يكتب الشاب عن الساخن والمحرج والممنوع، وربما كانت موضوعة الجنس هي الأكثر سخونة بالنسبة للشباب لأنهم يكتبون عما يفتقدونه، ولأنهم أبناء جيل عانى كثيراً الكبتَ والتناقضات والضياع بين مجتمع يسرف في الانغلاق والتزمت من جهة، وعالم يسرف في الانفتاح والجنون من جهة أخرى. هذه المعاناة أنتجت جيلاً واعياً من الكتّاب أدرك فداحة الآثار السلبية لثقافة الكبت، كما أنتجت في الوقت ذاته جيلاً يضج بأسئلة لا حدود لها مصدرها الأوحد رفض ما هو كائن والتطلع نحو الأفضل الذي يجب أن يكون).
ويأتي تناول الموضوعات في نصوص الشباب عموماً بشكل توصيفي، يغيب عنها التحليل أو مقاربة المسائل ضمن سياقاتها السياسية والاجتماعية والثقافية. فنرى في النصوص التي تتناول الجنس كمشكلة اجتماعية وصفاً للكبت والبنية الاجتماعية المتخلفة والقمعية، يقول وائل قدور: (هنالك توصيف وغياب للتحليل بل تجنّب المشروع التحليلي، وأنا أوافق د. ماري إلياس حين تقول في مقدمة نصوصنا إن التوصيف جاء على حساب التحليل، وإن العالم الذي نعيشه على درجة من التشابك والتعقيد. قد لا يتعلق السبب بالرقابة، هنالك مسألة تتعلق بمقدار نضوج التجربة).
أما عدنان العودة فلا يرى في غياب التحليل مشكلةً: (لا أعتقد أنها مشكلة فأنا لا أرى وظيفة الدراما أن تقوم بالتحليل، بل طرح الأسئلة، وهناك من يسأل أسئلة بسيطة وهذا لا يعني أنها تافهة).
ويبدو أن الكتّاب عموماً يرون أن دور الرقابة هو الأكثر تأثيراً في المسرح من باقي الفنون والأنواع الأدبية. تقول يم مشهدي: (المسرح هو أكثر مكان يعاني من الرقابة، وهذا بسبب شرط العرض. ولو كان الأمر محصوراً بالنص الأدبي لكان أخف. لا أعتقد أن كاتب مسرحية لا يضع أمام عينيه شرط العرض وهاجس العرض، بينما في الرواية هذا غير موجود وهي عمل فردي. بينما المسرح هو عمل جماعي يُعرض أمام مجموع بشكل مباشر. ومفعول الرقابة وصل حتى إلى سعد الله ونوس فقد توقف عن الكتابة نحو 11 سنة، وأعتقد أن أحد أسباب عدم تمكّنه من الكتابة هو الشرط الرقابي. الهامش في السينما والتلفزيون أوسع، ويمكن اللعب. بينما المسرح أكثر مكان يخضع لشرط التلقي الجماعي المباشر، ولا أعتقد أن هنالك موضوعات يتجرأ المسرح على عرضها أكثر من التلفزيون).
 يتفق وائل قدور مع يم مشهدي: (مُنعت مسرحيتي الأولى (الدحل) من النشر في وزارة الثقافة 2006 ولم يُوافق عليها رغم أنها كُتبت كمشروع تخرج، ووافقت عليه لجنة المعهد المشرفة وهي جهة حكومية وتخرجتُ من خلالها وعدلتُ عليها كثيراً، لكن لم تنشر، وتشجع العديد من الشباب لإخراجها لكن لم ينجح الأمر.
كلنا يعرف أن هنالك خطوطاً حمراء، وأن الرقابة كثيراً ما تعطل مشاريع هامة وعميقة، لكن بصراحة صادفت الكثير من الشباب يتحدثون عن الرقابة دون أن يجربوا، لأنهم لا يتجرؤون. وهذا قد عملَ هالة للرقابة جعلتها أكبر من الموجود. لا يمكن اختبار حدود الرقابة دون التجريب. وعدم الكتابة بحجة الرقابة هو كسل. وتاريخياً سقف الرقابة يرتفع لأن الناس تدفشه وتدفع به وتملأ ما تحته، وهذا سيتحقق إن كتب الناس وقدموا نصوصهم، وأنا على يقين أنه إن تقدّم إلى مديرية المسارح عدد من مشاريع العروض ورُفِضت وتكرر الأمر وصار هناك جدل، فسيرتفع السقف بالدفش، لكن عدم مناطحته والبقاء تحته يجعله لا يرتفع).
يختلف مع الرأي السابق عدنان العودة والفارس الذهبي، فيقول العودة: (الدراما التلفزيونية سبقت المسرح إلى عدد من الموضوعات، والمسألة ليس لها علاقة بالرقابة. فالسقف الرقابي للمسرح أوسع من التلفزيون، لكن مفهوم الصنعة والإنتاج والسوق هي السبب). ويقول الذهبي: (المسرح لا رقابة عليه أكثر من التلفاز بل هي نفسها، والرقابة بشكل عام هي من أسهل الأمور التحايل عليها ولا يمكنها أن تحدَّ من أي شكل فني أو أدبي، الموضوع التجاري هو ما قتل المسرح).
 إلى أي حد تعبّر النصوص عن الشباب ومرحلتهم؟
ترى يم مشهدي أن نصوص الشباب تعبّر عن مرحلتهم وملامحهم: (أغلب النصوص يُلحظ فيها التهميش والضياع واللامبالاة، وكأنها تنويعات على (في انتظار غودو)، إنها تعبّر عنهم ولكن ليس بطريقة الأجيال السابقة إذ التعبير بشكل سياسي مباشر. على أمل أن نُعطى هوامش أوسع للتعبير بشكل أفضل).
يقول وائل قدور: (هذا الجيل مشوش ولا شك أن العقد الأول من الإنتاج سيلتقط هذا التشويش، كما أنه غير ناضج تماماً ومن الصعب أن يكون متوازناً، وقراراته غير واضحة، لأنه الابن الشرعي للوضع القائم، ونحن الكتّاب لم يتم إكسابنا صنعةً على صعيد الكتابة، ولم يعلمنا أحد كيف نعبّر عن آرائنا وكيف ننمّي هواياتنا. وبعضنا جوبِه بمقاومة لأنه درس المسرح أكاديمياً، واطلع على الفن المسرحي من خلال سورية وهي زاوية ضيقة. لولا المصادفات لم نشاهد عروضاً مسرحية هامة. هي مجموعة عوامل تجعل التشويش حاضراً على صعيد الصنعة وعلى صعيد شخصية الكاتب نفسه. كما أن الوضع الاجتماعي الاقتصادي السياسي السوري الراهن مرتبك ومتعثر ومرتجَل. من الجيد أن يوجد اليوم كتّاب للمسرح، وأن يضيِّع الكاتب شهوراً ليكتب ويقرأ من أجل أن يكتب وأن يشارك في ورشات كتابة ويشطب ويركض وراء المخرجين ووراء دور النشر. بالمقابل بإمكانه أن يكتب للتلفزيون لكنه يؤجل ويكابر، وذلك كله ضمن الماضي الشخصي له، إذ لا أهله ربّوه بشكل صحيح ولا مدرسته علمته بشكل صحيح ولا وسائل الإعلام أعطته مادة إعلامية صحيحة. هو شخص يحمل تخبطاً وعنفاً وتشوُّهاً وكبتاً، ويريد أن يكتب مسرحاً! أحياناً أتساءل ماذا أفعل؟ أعتقد أن خروج نصوص سورية متخبطة ومشوشة وسويّتها رديئة هو مخاض).
كما يقول عدنان العودة: (إنها نصوص واقعية راهنة، ضائعة مضموناً وشكلاً، وهناك دائماً شعور بنقص ما في النص، لأنه ليس هناك شيء ثابت، حتى مفهوم الصنعة المسرحية ليس ثابتاً فهي المرة الأولى في الكتابة غالباً). ويقول الفارس الذهبي: (الكتابات تعبّر كثيراً عن هموم هذه المرحلة، عدا السياسية منها، لكنّ المسرح لم يقدر على التعبير كما عبّرت الرواية والقصة).
بذلك تأتي نصوص الشباب هاربةً من الأسئلة الأكثر إقلاقاً وإحراجاً، مراعيةً معايير الرقيب، راميةً بالثقل كلِّه على كاهل المتلقي ليفترض السياقات السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية للأحداث.

(3) المراكز الثقافية الغربية تستقطب الشباب السوري
نستكمل في هذا القسم المشاكل التي يعانيها الكتاب المسرحيون الشباب والتي تتعلق بغياب مؤسسات وطنية حكومية أو خاصة ترعى مشاريعهم المسرحية، فيُدفَعون إلى البحث عن مؤسسات راعية بديلة.
تبدأ المشكلة من عند نشر النص المسرحي، يقول مضر الحجي: (يتعرض الكاتب المسرحي الشاب لمشكلة تتجلى في أنه شاب، أي أنه غير معروف، وبالتالي أي جهة تدعم هذا الكاتب تعدّ دعمها شكلاً من أشكال المغامرة سواء بالنشر أو العرض).
عدنان العودة حقق معادلته في نشر نصوصه المسرحية: (نشرتُ نصَّي (ثنائيات) و(خيل تايهة) على حسابي الشخصي، فأنا أعمل في التلفزيون وهو يحقق لي شرطاً معيشياً جيداً، لذلك بإمكاني أن أدعم نصوصي من أجور التلفزيون، الآن صار الوضع أسهل لأني صرت معروفاً في التلفزيون فصار بإمكاني إيجاد دور نشر تنشر نصوصي مع أني لست طامعاً بمردود مادي، .. المسألة في النشر تسير (ع التياسير)، الآن فقط دار ممدوح عدوان تهتم بالنصوص المسرحية الشابة.
و لا تتوقف المشكلة عند النشر بل تتعداها إلى العرض، فإلى جانب قلة عدد العروض المسرحية في سورية الذي يجعل ضمناً فرصة تحوُّل نصوص الشباب إلى عرض ضعيفة، فإن هنالك مسألة أخرى تتعلق بخيارات المخرجين التي تميل إلى النص الأجنبي المترجم، أو إلى التأليف الذاتي ضمن مشروع مؤلف - مخرج.
يشير مضر الحجي إلى هذه المشكلة: (ما زلنا نعاني أزمة الثقة بالنص المحلي، والانبهار بالأجنبي، بغض النظر عن سويته أو مدى اقترابه من هم المتلقي الذي يقدم إليه النص. والغريب أننا نجد أغلب المخرجين المسرحيين ينظّرون حول خصوصية المسرح وعلاقته الاستثنائية مع الجمهور. لكنهم في الوقت ذاته يتهيَّبون التعامل مع نص محلي اللهم إلا إذا اختار أحدهم نصاً لسعدالله ونوس (لأنه اسم تجاوز المحلية). وفي أفضل الأحوال يقوم المخرج بكتابة النص الذي سيخرجه.)
أما عدنان العودة فيرى الأمر من زاوية السوق والحاجة: (حين صار هناك سوق الدراما التلفزيونية، وصارت مطلوبة بالمعنى الاقتصادي، صار هناك حاجة لكتّاب الدراما. عندما يصبح لدينا سوق مسرح ويصبح المسرح حاجةً وتُفعَّل الصالات المسرحية ويعود الناس لحضور المسرح.. عند ذاك سيصبح هناك حاجة للكتاب المسرحيين. برأيي أنه بغياب المشروع الثقافي سنبقى دون معايير).
ويتحدث وائل قدور: (إن تحوُّل النص إلى عرض يتوقف على المصادفة والعلاقات الشخصية. فقد طلبَ عدد من الشباب من خريجي المعهد ممن يريدون أن يقوموا بتجربة الإخراج أن يعملوا على نصِّي (الفيروس)، وأنا وافقت لكن كل هذه المشاريع ماتت بسبب عدم وجود أي جهة تدعمه. ولم يحصل معي أو مع من أعرفهم من أصحاب النصوص من الشباب أن جاء مخرج معروف أو مكرّس وقال إنه يريد أن يعمل على نصوصنا. أنا أنتظر أن يأتي من يريد أن يخرج نصاً لي لكن لا يوجد.. وأستغرب أن يقول أحد إنه لا يوجد نص سوري محلي، الآن يوجد على الأقل عشرة أشخاص من الشباب يكتبون للمسرح، بغض النظر عن التقييمات الفنية لكتاباتهم، لكن تجربتهم جديرة بأن يتم العمل عليها. وأنا أعرف أن عدداً من المخرجين يعرفون بوجودنا، وأنا نفسي قدمت لهم نصوصي وطلبت منهم قراءتها بهدف العرض. الأسماء المكرّسة قادرة على أن تعمل مسرحاً وتؤمن له الدعم، أليس لديها إيمان بنا؟! بالنسبة إليَّ، إذا بقي الوضع هكذا سنتين أخريين دون أن تخرج أعمالي للعرض، فهي مصيبة وسأكون شخصاً محبطاً.)
وتغيب المؤسسات الثقافية الوطنية الحكومية والخاصة التي تدعم النص المسرحي المحلي وتشجع الشباب على الكتابة وتقديم مشاريعهم.
تتحدث يم مشهدي فتقول: (ليس لدينا أي مركز ثقافي عربي يقوم بورشات عمل مسرحية للشباب مثلاً. ولا في المعهد العالي للفنون المسرحية أو وزارة الثقافة أو مديرية المسارح، أو في منتدى خاص لأن هذا غير مسموح به.).
عدنان العودة: (لأن وزارة الثقافة أو الثقافة السورية بشكل عام لافظة أبناءها فحتماً سيبحث الأبناء عن آباء جدد. مسرحية (المرود والمكحلة) كلها دعم أوربي، ماذا قدمت وزارة الثقافة السورية؟ قدموا لنا مكاناً للعرض 5 أيام. وزارة الثقافة غير معنية بالكتابة المسرحية الجديدة في سورية، وهو أمر واضح وصريح).
يتحدث وائل قدور عن تجربة ورشة الشارع مع أمانة دمشق عاصمة ثقافية 2008، وكيف يُدفع الشباب إلى الممول الغربي: (عملنا - نحن ورشة الشارع- مع أمانة احتفالية دمشق عاصمة للثقافة العربية 2008 ضمن شروط لا إنسانية، فقد قدمنا قراءتين مسرحيتين، وتحملنا أعباء دون أن نتقاضى أجوراً، بحجة أن الأمانة ليس لديها نقود تدفعها لمشروع غير مدرج ضمن أجندتها، وطلبت منا البحث عن ممول. ذهبنا إلى المجلس الثقافي البريطاني فقدم دعماً متواضعاً، لأننا جئنا في آخر السنة. وبكل الأحوال نحن الكتّاب لم نتقاضَ أي أجر. ومن جهة أخرى فإن مديرية المسارح لا تقصّر بأن تكون حجر عثرة بظهور نص محلي، لأنها تستطيع أن تقوم بمبادرات تشجيعية، كأن تقوم بورشات عمل كتابة مسرحية، وأن تنظم مسابقات لنصوص مسرحية، وأن يكون ضمن خطتها إنتاج عروض مسرحية لنصوص محلية، لأنها في موقع المسؤولية والقرار. وهي الجهة الحكومية الوحيدة التي تستطيع أن تنتج عرضاً بتكلفة خمسة ملايين ليرة، لكنها لا تفعل ذلك. كما أن المعهد العالي للفنون المسرحية، كمؤسسة أكاديمية، يمكن أن يلعب دوراً هاماً في تنشيط حركة التأليف المسرحي، ويمكنهم معرفة الموهوبين. وإذا لم يتمكنوا من إقامة ورشات كتابة مسرحية، فهم قادرون على إرسال الطلاب في بعثات للمشاركة في ورشات الكتابة. وليس صحيحاً تحوُّل مادة (الكتابة المسرحية) في المقرر إلى مادة (دراماتورجيا)، فهما مادتان مختلفتان وكلتاهما هامتان. والمعهد يستطيع أن يهتم بالمعنى العلمي والمادي والأكاديمي بصورة أفضل.)
في ظل غياب اهتمام المؤسسات الثقافية السورية تبرز المراكز الثقافية الأجنبية التي نشطت في هذا المجال من خلال ورشات الكتابة المسرحية التي أقامتها للكتّاب الشباب في سورية وخارجها. يتحدث الكتاب عن أهمية هذه الورشات بالنسبة إليهم، ويختلفون حول تأثيرات نظرة الغرب إلى الشرقيين، على كتاباتهم. يقول وائل قدور: (شاركتُ في ورشة أقامها المجلس الثقافي البريطاني ومسرح الرويال كورت، ولم يحدث مرة أن حاولوا التأثير على خيارنا ككتّاب في مضمون نصوصنا، وكل ما عملناه معهم كان على مستوى التقنيات في الكتابة. أتاحت هذه الورشات لنا الاطلاع على تجارب معاصرة بشكل نسبي. تعرفنا على ديفيد غريغ وسارة كين، وكارول تشرشل. وحين عملنا ورشتين في لندن كانت الفرصة أكبر بالتعرف على تجارب مسرحية أخرى. في إحدى الورشات التي عملتُها في لندن لمدة شهر (إقامة الكتّاب العالميين) في الرويال كورت، كان جزءاً من برنامجها هو الاجتماع مع كاتب مسرحي مهم. ومن هذه الأسماء كان اللقاء مع هارولد بنتر وحنيف قريشي الباكستاني وغيرهم ممن يعدّون قامات في المسرح البريطاني، كما أتاحوا لنا اللقاء مع كتّاب من جيلنا، وحضور عروض مسرحية بشكل يومي، ولقاءات مع المخرج أو الكاتب. وفي نهاية الورشة أمّنوا لنا لقاء مع ناقد بريطاني مهمّ، كانت ورشة متكاملة، وعملت على التعريف بالمسرح البريطاني، وعملهم معنا كان على مستوى التقنيات، إن فكرة تأثير الغربيين في كتاباتنا تبقى قائمة لكن هنا يأتي دور الوعي الذاتي.)
عدنان العودة خلال مشاركته في ندوة واقع الكتابة المسرحية في سورية التي أقيمت في المركز الثقافي العربي بالعدوي بتاريخ 30 آذار 2009، كان قد حذّر سابقاً من خطورة استقطاب المراكز الثقافية الغربية للكتّاب المسرحيين الشباب وتأثيرها في إنتاج نصوص توافق (توجهاتهم ونظرتهم الاستشراقية إلينا)، يقول هنا: (ورشة العمل تعني للشباب أنهم في نهايتها سينجزون نصاً مسرحياً، وتوفر الإمكانات الجيدة لإنجاز النص سواء بمكان اللقاء والكتابة أو بالسفر أو بالترويج لهذا المشروع المسرحي. في الورشة التي شاركتُ فيها لم يطلبوا منا أي عنوان محدد بل كتابة نصوص واقعية. هم لديهم أجندة ثقافية معينة، لذا يمكن للشباب أن يكتبوا حسب هذه الأجندة وحسب اهتماماتهم رغبة بالحصول على التمويل. لكن لديهم اعتبارات معينة وعلى أساسها تأتي الامتيازات بالقراءة، في لندن مثلاً أخذوا نصوصاً معينة لها علاقة بتوجه فكري محدد، لكنهم لم يفرضوا علينا ذلك التوجه الفكري).
شارك الفارس الذهبي في إحدى ورشات الكتابة المسرحية مع أحد المراكز الثقافية الغربية، وفاز بمنحة مؤسسة المورد الثقافية لكتابة نص (مولانا) يقول: (إن صيغة ورشات الكتابة المسرحية التي تقيمها المراكز الثقافية الغربية هي شكل من أشكال البعثات التبشيرية التي لها هدف أعلى مستتر هو نشر العولمة ونشر فكر معيّن يُرغب في نشره ببلادنا، وصحيح أنهم قد يحبون أن يرونا بنظرة استشراقية، لكن الكتّاب إذا كانوا واعين فيمكن لهم أن يتعلموا تكنيك الكتابة دون أن يتأثروا بتوجهاتهم).
تلك كانت بعضاً من هواجس الكتّاب المسرحيين الشباب، لكن يبقى هنالك العديد مما يشغلهم ويؤثر في كتاباتهم، خاصةً أنهم اختاروا العمل في حقلٍ يفترضُ الكثيرون أنه ميتٌ، وقلة متفائلة تعتقد أنه مأزوم. لذا من الضروري القول إن الكثير مما يعانيه الكتّاب والممثلون والمخرجون وما قد يُسجَّل على نتاجاتهم الإبداعية على المستوى الفكري والفني، إنما هو جزء من أزمة المسرح في سورية ومظهر من مظاهرها.

*- نشرت هذه المادة على ثلاثة أجزاء في جريدة النور السورية


مايا جاموس، (هواجس الكتّاب المسرحيين الشباب (1) أسئلة الهوية)

تنشر بالتعاون مع جريدة النور، (7/2009)

0
0
0
s2smodern