قضايا الأسرة

ينطوي تطبيق المرسوم 62 لعام 2009  القاضي بمنع التدخين وبيع منتجات التبغ في الاماكن العامة كالمؤسسات التربوية والنوادي والفنادق والمطاعم والمقاهي وغيرها، على نتائج ايجابية على الصعيد العام، في التخفيف من ظاهرة التدخين التي باتت منتشرة بشكل كبير في الآونة الأخيرة.

لكن ما هو وضع أصحاب المقاهي والكافتريات الصغيرة في طرطوس بعد تطبيق المرسوم؟ نرى صاحب المقهى الآن محتارا أمام توقف عمله في ليلة وضحاها، فبات ينتظر الزبون ان ياتي عله يخفف من المشكلة التي وقع بها.

ورغم أن جميع اصحاب المقاهي كانوا على تواصل دائم مع الجهات المعنية، منذ أن عرفوا أن هناك قرار سيطبق ينص على منع التدخين، الا انهم لم يجدوا أي اجابة عن الاحتياطات أو الاجراءات التي يجب ان تتخذ ليتجنبوا هذه الخسارة التي حلت بهم. ومن هنا نستطيع ان نسلط الضوء على اولئك الشباب الذين دعاهم حلمهم بان يكون لديهم مشروعهم الذي سيعينهم على تحمل أعباء الحياة ماديا ويرفدهم معنويا.

خلال لقائنا بأصحاب تلك المشاريع الصغيرة، اطلعنا على الظروف التي بدأوا فيها مشروعهم، والحماس الذي دفعهم إلى جعل مشروعهم يرى النور، ليجدوا انفسهم أمام واقع (منع التدخين) الذي لا بد من التاقلم معه دون أن يعرفوا الحلول التي قد تساعدهم في استمراية مشروعهم.

يوسف حسن طالب (21 سنة) صاحب مقهى "وتر" في طرطوس، يوضح أن شغفه بعزف الموسيقى وسماعها قاده إلى التفكير بافتتاح المقهى الذي أطلق عليه اسم "وتر" ليجد فيه الزبون مكان هادئ يسمع الموسيقى به ، ولكي يبدا مشروعه قام باخذ قرض وأضاف إليه ما قام بجمعه من مدخراته الشخصية. ويقول يوسف: بما أنني طالب فقد أعتمدت على المشروع أن يقوم بتسديد القرض الذي أخذته و يغطي نفقات المحل على الأقل، وبالفعل بعد شهرين بدأ العمل بالازدهار شيئا فشيئا، واكتفيت على صعيدي الشخصي بما حققه المقهى في هذا الوقت، ولكن في اليوم الذي تم تطبيق المرسوم بمنع التدخين في الأماكن العامة، كان المقهى خاليا تماما من الناس، وهذا ما جعلني أقف متفاجئا فمن الطبيعي أن يقل عدد المرتادين من المدخنين ولكن ليس إلى درجة ان لا يأتي زبون واحد على الأقل، وعندما اطلعت على المرسوم لم اجد منفذ ينقذني من الأزمة التي وقعت بها، فانخفض مردود المقهى إلى ما يقارب ال70%، الأمر الذي يهدد استمرارية المشروع الذي بداته من ما يقارب ستة أشهر. واقف الآن حائرا على أمل أن  يكون هناك تسهيلات أو إجراءات تساعدني على تجنب خسارتي قدر الامكان.

كما يشير سامر زغبور طالب تجارة (24سنة) صاحب مقهى"هوانا"، انه أراد بمشروعه الصغير، أن يقدم أجواء بطابع جديد من المقاهي بالديكور والأضواء والموسيقى، ونجح بتحقيق ذلك باستعانته بقرضين ومجموعة من الديون، رغم ان دخل المقهى منذ افتتاحه اي منذ شهرين تقريبا، لم يستطع ان يغطي الفواتير والقروض المترتبة عليه. وأضاف: مما زاد الأمر سوءا هو صدور المرسوم بسرعة دون أن أستعد له أو أعرف ما هي الاحتياطات التي يمكن أن آخذها  لأتفادى المأزق الذي وقعت به، رغم أني كنت على تواصل دائم مع البلدية بشكل مستمر قبل البدء بمشروعي لأعرف تفاصيل أو ماهية عمل المرسوم، ولكن لم يكن هناك اي معلومات واضحة عنه.فانخفض نسبة المرتادين على المقهى منذ اليوم الأول لتطبيق المرسوم إلى 80%، وهي نسبة كبيرة جدا بالنسبة إلى مشروعي الصغير قد تجبرني على اغلاق المحل خلال اقل من شهرين، فأنا ادفع فواتير الكهرباء والمياه بالاضافة إلى ضريبة دخل المحل واجار المحل هذا عدا القروض التي ادفعها كل شهر وديوني التي يجب ان اسددها خلال فترة محددة، ولكني انتظر صدور تعليمات واضحة تجعلني اعرف تماما ما علي فعله أمام هذا الواقع، الذي أقف حائرا أمامه.

عامر يونس طالب ترجمة (22سنة) صاحب مقهى "كيفك انت" يقول: بعد اسبوعين من تطبيق المرسوم أغلقت المقهى الذي وضعت فيه كل مدخراتي الشخصية البسيطة، رغبة مني ان تكون الفنانة فيروز هي صوت المكان وصورته، لأني ان استمريت لا بد ان ادفع من جيبي نفقات المحل كافة، والتي تعتبر نفقات ضخمة لا استطيع تحملها وحدي، فالمقهى خلا تماما من كل الناس، بعد أن شهد نجاحا كبيرا خلال فترة لا بأس بها، وحدث هذا رغم اني كنت على تواصل دائم مع الجهات المعنية منذ سماعي بالمرسوم خوفا على مشروعي ولكن لم يكن هناك أي إجابات تجعلني أبدا بالعمل على تفادي الأزمة التي لم تستمر طويلا.
ويوضح انه على الرغم من ذلك يفكر جديا بإعادة فتح المقهى ولكن ليس قبل ان يجد الصيغة النهائية التي سيتعامل بها مع الموضوع، وتكون هناك اجراءات واضحة يقوم بتطبيقها، دون ان تؤدي إلى فشل المشروع، كأن يخصص نصف المكان للمدخين والنصف الآخر لغير المدخنين، أو أن يكون هناك نظام تهوية محدد.

وفي حديثنا مع مرتادي المقاهي، كان معظمهم قد توقف عن الذهاب اليها، فلكل سببه، وهم يتساءلون أيضا ما ذنب صاحب المقهى؟

نسرين حسن (29) وهي غير مدخنة أشارت إلى أهمية اتخاذ مثل هذا القرار لحماية صحة الناس، إلى جانب أن يؤخذ بعين الاعتبار عدم تعرض أصحاب المشاريع الصغيرة لهذا الضرر البالغ، فالى جانب خساراتهم المادية هناك خسارة لعملهم فهم أشخاص منتجين داخل هذا المكان.

ماهر الاحمد (34) موظف وهو مدخن واحد مرتادي المقاهي، يقول: لقد توقفت عن ارتياد المقهى لانني لا استطيع أن أشرب فنجان القهوة أو الشاي بدون سيجارة، ويوضح انه هو واصدقاءه أصبحوا يذهبون إلى المقاهي المفتوحة على الشارع، بالرغم من أنه كان يحب المقاهي تلك أكثر فالموسيقى المريحة والجلسة الهادئة المريحة غير موجودة في المقاهي التي يرتادها الآن. ويرى ضرورة أن يكون هناك اجراءات سريعة تتخذ من أجل أصحاب تلك المقاهي، فكما يبدو أن عملهم توقف تماما.

أما سمير(22) ومهند (24) طالبان يؤكدان أنهما ما زالا يأتيان إلى المقهى ولكن عندما يريدون أن يشعلا سيجارة يخرجان ليدخناها في الشارع ثم يعودان ليكملا جلستهما، ولكن هذا الأمر يضايقهما لذلك فقد قلت عدد المرات التي زيارتهما  للمقهى، وأصبحت نادرة جدا.

نادين طالبة (23 سنة) تقول: لقد اعتدنا أن نذهب أنا وأخوتي في نهاية كل أسبوع إلى المقهى لنشرب الأركيلة ونتسلى بعد أسبوع من الدراسة المستمرة، ولكن بعد منع التدخين أصبحنا نجتمع في منزلنا، أو منزل أحد أصدقاءنا لنشرب الأركيلة.

زياد تاجر(40 سنة) يرى ضرورة أن يكون هناك بعض الاستثناءات لأصحاب المقاهي بالذات، لان مشروعهم هو مقهى والمقهى يعني وجود أركيلة وسيجارة، فهم لا يقدموا طعام وحلويات. ويقول: أنا من جهتي لا أستطيع إلا أن أشرب سيجارة، فأنا مدخن من 20 سنة،والان اضطر إلى الخروج من محلي والوقوف في الشارع كي أدخن السيجارة.

هذه المقاهي تشكل مصدر دخل وعمل لأصحابها الشباب ومن يعمل معهم، وبالتالي خسارة هذه المقاهي يعني خسارة عدد كبير من الشبان عملهم الذي يحتاجونه،فهم بالنهاية جزء من شريحة الشباب الذين يبحثون عن عمل أو عن اي مصدر رزق لهم، مع الإشارة إلى الخسائر الكبيرة التي تترتب يوما بعد يوم عليهم والتي من الصعب لامكانتياتهم المادية الخجولة ان تقف أمامها. فاللوم يقع على الجهات المسؤولة عن تلك المشاريع، بأن تملك المعلومات الكافية قبل تطبيق القرار على ارض الواقع، تفيد بها أصحاب تلك المشاريع الذين تواصلوا معها بشكل دائم للحصول على أي معلومة ولكن دون فائدة تذكر، فلم يكن لديهم اي معلومات عن اي اجراء ممكن ان يتخذ لا قبل ولا بعد تطبيق القرار. هذه المقاهي تقف الان بمواجهة واقع صعب من غير الممكن ان تتجاوزه لوحدها، لابد للجهات المعنية ان  تساعدها وتأخذ بيدها لتنشل نفسها مما وقعت به دون ارادتها.


نور غانم، (ماهو نصيب المشاريع الصغيرة من مرسوم منع التدخين في الاماكن العامة؟)

خاص: مرصد نساء سورية

0
0
0
s2smodern