قضايا الأسرة

تقول إحداهن: ألتقي به في الجامعة, نتجاذب أطراف الحديث داخل قاعات المحاضرات حول الدكاترة وطرق إعطائهم الدروس، وأحوال الدراسة، وهمومنا كطلاب جامعيين..... الخ

لا أراه إلا وأنظر إليه كحبيب، وفتى لأحلامي.. أحبه وأتمنى أن أشعر يوماً ما بنظرة عاطفية منه تجاهي.. لكن ما باليد حيلة! لم يفاتحني بأية مشاعر خاصة يكنها لي إلى اليوم! بعد مضي أكثر من عامين على زمالتنا في الجامعة ما زلت متعلقة به, أكوى بنار حبه كل يوم.. ولا أجرؤ على البوح له بهذا الحب! أخاف.. أخاف من ردة فعله, من ردة فعل المجتمع, من ردة فعل من قد يصله خبر ما أقدمت عليه!

الحب شعور لا يمكن لأحدنا أن يدفعه عن نفسه إذا ما وقع في قلبه تجاه أحد. وليس بالضرورة أن يقع هذا الحب أولاً في قلب الرجل, فقد تسبقه المرأة في ذلك.. كلاهما بشر ولكل منهما مشاعر وعواطف.
لكن الرجل الذي قد يقع حب امرأة في قلبه لدرجة يتمكن فيها هذا الحب ويتغلغل في أعماقه لن يتردد في مصارحتها.. أما المرأة التي قد تقع في حب أحدهم فستتردد في مصارحته, وستكتفي بكتمان الأمر لتتجرع مرارة هذا الكتمان في أعماقها, إلى درجة تصبح فيها متعلقة بأملها في أن يستقر حبها في قلب الرجل الذي أحبته واختارته من دون أن تصارحه، وحين يبادر بمصارحتها بشعوره العاطفي تجاهها ستكون الحياة قد ابتسمت لها! لكن لن يعدو هذا الأمل عن كونه حلماً قد ينتهي بأية لحظة, وتمضي الأيام والأشهر وربما السنين إلى أن يأتي يوم تستيقظ فيه تلك المرأة من حلمها الجميل على واقع ارتباط هذا الرجل الذي أحبته بإحداهن, لتبكي على أطلال حلمها الجميل الذي تبخر وتبدد إلى كابوس سيلقي حتماً بظلاله المستقبلية على حالتها النفسية بعد أن أحبت بصدق.. لكن جرت الرياح بما لا تشتهي سفن الكتمان..

فإلى متى تبقى المبادرة في التقرب العاطفي من الجنس الآخر حكراً على الشاب في مجتمعاتنا؟ وما سبب ذلك الاحتكار؟

هل السبب هو المجتمع الذكوري الذي تربت المرأة في كنفه، والذي زرع أفكارا في دماغها جعلت من مجرد تحدثها مع شاب لا يمت لها بصلة قرابة مدعاةً للطعن في أخلاقها وأنوثتها؟! فكيف بمن تفكر يوماً في أن تحب أحدهم؟!
وهل لأن مساحة الحرية المعطاة للرجل واسعة إذا ما قورنت مع تلك المعطاة للمرأة ( إن افترضنا جدلاً أنها معطاة مساحة تذكر من الحرية)؟!

أم أنه الموروث الثقافي الذي أحل للرجل أن يحب ثم يرتبط بمن تأكد من أنها نصفه الآخر, وحرم ذلك على الأنثى؟! وهي يجب أن تتزوج أولاً, حتى يصير لها بعد ذلك مطلق الحرية في أن تحب أو تكره من فرض عليها أمر الزواج به؟!

أم أنها صفة الاتكالية عند المرأة الشرقية التي امتدت لتشمل جميع النواحي المتعلقة بحياتها, إلى درجة فضلت فيها أن تتألم في أعماقها على أن تفاتح من أحبت بما يختلج في صدرها تجاهه؟!

ولعلها النظرة المحتملة من الرجل الشرقي إلى المرأة المبادرة بالبوح عن مشاعر الحب بأنها امرأة (لعوب)، عديمة الأخلاق, لها مآرب ومقاصد غير شريفة وبعيدة كل البعد عن الحب!! ما سيدفع المرأة العاشقة إلى التفكير ملياً قبل الإقدام على تلك الخطوة التي قد تكون مصيرية وفاصلة بالنسبة لبقية حياتها، نظراً لما قد يترتب عليها من تبعات اجتماعية في حال اندهاش ذاك الرجل من "جرأة" تلك المرأة, وما قد يتبع هذا الاندهاش من أحكام سيصدرها بحقها هذا "الرجل" بحقها؟!

باعتقادي, إن المشكلة الأساسية هي في المجتمع الذي ظلم الاثنين, الرجل والمرأة, فترك لنا إرثاً ثقيلاً مازلنا نتوارثه "مجبرين"، كابراً عن كابر وأبا عن جد وجيلاً بعد جيل! وما زالت تبعات هذا الإرث الثقيل تلقي بظلالها على أدق التفاصيل في حياتنا: تقيدنا, تأسرنا, تهشم رؤوسنا إن رفعناها عالياً ونظرنا إلى الأفق البعيد!
 
ومع أن الإرث بات أخف مما كان فيما مضى, والرأس بات يرتفع شيئاً فشيئاً, والتمرد على المجحف من الموروث آخذ في الانتشار.. لكن للأسف, الوقت ما زال مبكراً للحديث عن زوال هذا الإرث الذي تتبرأ من جوره الأديان، وتنأى بنفسها عن نير ظلمه الأخلاق الإنسانية النبيلة..


هاني اليوسفي، (إلى متى تبقى المبادرة في أمر الحب حكراً على الشاب في مجتمعاتنا؟)

خاص، نساء سورية

0
0
0
s2smodern