قضايا المعوقين

تشهد سورية حركة ملحوظة في تطوير برامج الإعاقة بهدف تحقيق النوعية الأفضل لحياة المعوق، وهو ما نادت به الخطة الوطنية للإعاقة للوصول إلى دمج المعوق في المجتمع واستثمار طاقاته بعيدا عن العزل، تنفيذ هذه الرؤية في تنمية برامج المعوقين ارتكزت على التخطيط والتنفيذ بالشراكة لجميع المعنيين، إيمانا بأن نجاح العمل في الإعاقة يقوم بتبادل الخبرات، وتطوير الكوادر العاملة مع المعوقين، ونشر التوعية المجتمعية.

ضمن هذه الرؤية أقامت منظمة "أمال" الملتقى السويدي السوري للصحة النفسية والإعاقة ما بين 23-24\10\2010، داعية العديد من المعنيين في الطب والعلاج النفسي، إضافة إلى أطباء باختصاصات مختلفة، والاختصاصيين العاملين بتأهيل المعوقين في المنظمة، وعددا من المهتمين في برامج الإعاقة، يأتي هذا الملتقى في إطار تعاون منظمة آمال مع "الجمعية الطبية السويدية السورية في السويد" والذي بدأ من عام 2004 بعدة برامج تشاركية، ليكون هذا الملتقى بداية لمشاركة منظمة ومستمرة في مجالات تخصصية، وكأحد احتياجات تكامل برامج وخدمات المعوقين.

لم يقتصر المؤتمر على الخبرات الخارجية بل كان هناك مشاركات بخبرات محلية متخصصة، بالطب والعلاج النفسي، علما أن الجمعية السويدية الشريك تتضمن من أعضاءها العديد من الاختصاصيين السوريين والعرب، هذا طبعا هو الغنى بتبادل الخبرات بين نظريات ودراسات متنوعة.

للتعرف على رؤية وعمل منظمة آمال بإدارتها الجديدة والمتجددة كما يبدو، التقى مرصد نساء سورية الدكتور رامي خليل، مدير المنظمة.

*- ما هي آلية الشراكة بين "آمال" والجمعية السويدية؟
- د. خليل: بدأت هذه الشراكة منذ سنوات، لكنها لم تأخذ الشكل المؤسساتي الذي يضمن الاستمرارية. ولذلك رغبنا أن نجددها على أسس تشاركية مؤسساتية تضمن تبادل الخبرات من خلال التعاون، إضافة إلى الاستمرارية.

*- ما هو تصورك عن معنى الشراكة بين المنظمات والجمعيات العاملة في هذا النطاق؟
- د. خليل: هذه الشراكة (مع الجمعية السويدية) قامت منذ سنوات، ولكنها لم تكن بشكل مؤسساتي يضمن الاستمرارية، وقد أردنا التجديد بشراكتنا السابقة وفق أسس تشاركية مؤسساتية تضمن الاستمرار في تبادل الخبرات من خلال التعاون ونقل الخبرة إلى المعنيين لضمان المعرفة التي نهدف لها في برامجنا خاصة للفئة المستهدفة.
وبشكل عام، الشراكة هي لبنة أساسية في تبادل الخبرات مع الخارج بتخطيط وطرق فعالة، خبرات تساهم في بناء قدرات العاملين في آمال وفي الجمعيات الأخرى العاملة مع المعوقين، وهو بالتأكيد أحد أهم أهداف المنظمة، أما الشراكات مع الجمعيات تساهم في توفير الجهود والوقت والتكامل في العمل.
لا يمكن لمنظمة آمال العمل بمفردها لترجمة أهدافها إلى برامج وأنشطة فعالة، لذا نعمل اليوم على: التشبيك مع كافة الجهات المعنية لتوفير الجهود، تحديد الأولويات بعد رصد الاحتياجات وهذا لن يكون إلا بالشراكة مع الآخرين وهذا ما سيتم خلال الشهر الأخير من عام \2010\ حيث سيكون هناك دعوة للجمعيات بملتقى"الإعاقة واقع...وطموح".

*- ما هي مصادر تمويل منظمة آمال؟
- د. خليل: بشكل عام تعتمد آمال على التمويل من خلال مساهمات جهات مختلفة. ولتأمين ذلك تعمل على التواصل مع القطاعات الاقتصادية الخاصة، وتقيم الحفلات والمعارض وغيرها لجذب التمويل للمنظمة.

الملتقى الذي استمر ليومين، شهد تنوعا في المواضيع المطروحة، إذ تناولت الاضطرابات النفسية (القلق، الاكتئاب، الوسواس القهري..) وطرق معالجتها من الناحيتين الطبية والسلوكية.
وركزت المداخلات على الحالات الخاصة بالأطفال واليافعين.

وفي هذا الإطار كان للدكتور أديب عسالي، رئيس الشعبة العصبية بمشفى تشرين (دمشق)، محاضرة هامة تناول فيها تطبيق (m – chat ) حول الحساسية والنوعية، وهي ستكون إحدى الطرق التي ستستخدم قبل مرحلة تقييم حالات الأطفال وتعريضهم للتشخيص ضمن مؤشرات معينة، ونأمل أن تجد طريقها للاعتماد في سورية.

كذلك كان لدراسة الأستاذة "ماسة الكردي"، معالجة، أهمية خاصة بتناولها موقف المجتمع من الإعاقة العقلية. وهي دراسة مقارنة بين المجتمع السوري والبريطاني.

التنوع الملحوظ في أوراق الملتقى، خاصة لجهة الجانب النفسي، هو ما أكده أيضا د. مازن حيدر، مدير المراكز في منظمة آمال، وأمين سر الرابطة السورية للأطباء النفسيين، في حديثه مع "مرصد نساء سورية"، إذ قال أن للطب والعلاج النفسي دورا هاما في تأهيل المعاق، "فمن الممكن حدوث اضطرابات نفسية لدى المعاقين بسبب من إعاقتهم وظروفهم المجتمعية، وعدم الكشف المبكر عن هذه الاضطرابات، ومعالجتها في الوقت المناسب، سيؤثر سلبا وبشدة على تأهيل الطفل، فالعمل مع الطفل المعوق هو عمل متكامل يتناول جميع جوانب حياته، والتقصير في أي منها سينعكس سلبا على الجوانب الأخرى".

وأشار د. مازن إلى أهمية تفعيل دور الأسرة في تأهيل المعاق: "يأخذ الطب النفسي الدور العلاجي الدوائي، أما العلاج النفسي فله دور الوقاية النفسية، التوعية بالاضطرابات ومظاهرها.
العلاج السلوكي والمعرفي هو علاج مرافق للعلاج الدوائي. هذا التكامل بين جانبي العلاج يؤدي حتما إلى صحة نفسية تساعد في حسين نوعية حياة المعوق".

وأكد ضرورة تعميم المعلومات المتعلقة بهذا المجال عموما، والمعلومات المكتسبة من الملتقى بشكل خاص. ويجب تأمين وصولها إلى الأسر المعنية من خلال إعداد برامج أسرية في المنظمة (آمال)، تدرج في إطار "منتدى الأسر" الذي شكلته المنظمة في أيلول 2010، والذي يعول عليه في وضع آلية إيصال معرفة مناسبة لجميع الأسر المعنية.

قلنا في مقالة سابقة أن هناك تغييرات هامة على ما يبدو في رؤية منظمة آمال تجاه آليات عملها الداخلية، وأيضا تجاه المنظمات والجهات الأخرى العاملة. من المبكر الجزم أن هذه التغييرات سوف تكون سياسة ثابتة مؤسسية في المنظمة، وهو ما نأمله ونشجع عليه.
الآنسة سهام عباس، مديرة البرامج التدريبية والأكاديمة في المنظمة تؤكد هذا التحول قائلة: "في مجال العمل مع الجمعيات خاصة في النواحي التدريبية من الهام إلغاء ثقافة المنافسة إلى ثقافة الشراكة وتبادل الخبرات لأننا كآمال بالتأكيد لن نستطيع وحدنا أن نغطي احتياجات سورية من المتخصصين، والتوجه في التدريب لدينا كان نظريا وعمليا مع الجمعيات، فعلى سبيل المثال ومنذ عام \2008\ تقدم آمال تدريبات للعاملين في الجمعيات وتقوم بالمتابعة عمليا مع أطفال الجمعيات من خلال خططهم العلاجية وآليات التنفيذ مع الطفل، هذا بالإضافة لما يقدم لتدريب الأسر وتوعيتهم".

يبدو هذا جيدا. رغم أن هناك ملاحظات عدة من المنظمات الأخرى (والأفراد) على عمل آمال.

الآنسة عباس استعرضت سريعا تاريخ تعاون "آمال" مع الجمعية السويدية: "ابتدأ التعاون مع الجمعية في عام \2004\ من خلال المؤتمر الخاص بالبحث في مشاكل النطق في السويد للأطفال الذين يتحدثون بلغتين وقد استمر هذا التعاون حتى عام \2005\ وتوقف إلى أن تم التنسيق للملتقى الحالي في الصحة النفسية والإعاقة".

ورأت أن هذا الملتقى شكل فرصة في مجال التدريب من خلال التواصل مع فريق طبي متكامل ومتنوع في الاختصاصات كالأذنية والنفسية والأطفال وغيرهم.. وهذا يحقق التكامل في تأهيل الطفل وتقديم الخدمات الطبية والتأهيلية معا، إضافة إلى التعرف بخبرات الآخرين في مجال خدمات المعوقين.


أما من جهة الجمعية الطبية السويدية السورية في السويد، الشريك في هذا الملتقى، فقد رأت الدكتورة نجاح خليفة، اختصاص في الأمراض العصبية النفسية، وتأهل المعوقين، ورئيسة الجمعية، فقد عرفت الجمعية السويدية بأنها "ي جمعية تتضمن كادرا صحيا وتعليميا، تتعاون مع السوريين/ات ذوي الخبرات المقيمين/ات في السويد، أو من الجنسيات العربية الأخرى إضافة إلى أعضاء من الأطباء السويديين. وتقدم الجمعية خدماتها للسوريين والعرب المقيمين في السويد.

وقالت د. خليفة أن الجمعية بدأت تعاونها في سورية منذ 1997 عبر التعاون مع جمعية الشلل الدماغي بدمشق، وفروعها في دير الزور وإدلب. وقدمت خلال تلك الفترة التدريب الخاص بالتعامل وتأهيل الأطفال المصابين بالشلل الدماغي.
ومن ثم بدأت التعاون مع منظمة "آمال" عام 2004، ويستأنف عبر هذا الملتقى بعد بعض التوقف.

وأوضحت د. خليفة أن التعاون اليوم مع "آمال" يشمل برنامجين. الأول هو الملتقى الخاص بالصحة النفسية (موضوع هذا العرض)، والثاني هو تقديم خبرات في العلاج الفيزيائي لوحدة العلاج بمشفى ابن النفيس بدمشق، خبرات خاصة بآليات التواصل والعلاج مع أطفال الشلل الدماغي. إضافة إلى التعاون وتبادل الخبرات مع مختلف الجمعيات والمراكز والأطباء في سورية.

د. خليفة رأت أن الاضطرابات النفسية ليست ملازمة بالضرورة للإعاقة. "كل منا يتعرض لاضطرابات نفسية في ظروف مختلفة. ومن الممكن أن يحدث ذلك أيضا مع الأشخاص المعوقين. لكنها غير مرتبطة بالإعاقة. وحين نشاهد الاضطراب النفسي عند شخص معوق، نرى أن ذلك متعلق بجملة من الأسباب المختلفة، وليس ناجما عن إعاقته حصرا".

وأكدت د. خليفة أن دور الأسرة هام جدا خاصة حين وجود الاضطرابات النفسية. وشجعت الأسر المعنية على التوجه إلى فريق العمل القائم على تأهيل الطفل، وعلى مشاركتها الفاعلة في معرفة الحالة المعينة وآليات التواصل معها وذلك حسب ما يرى الطبيب أو المعالج، فهما أصحاب المعرفة والخبرة في هذا المجال. كما أكدت على أهمية انتباه الأهل إلى بوادر وجود مثل هذه الاضطرابات لأن ذلك يساعد على تجاوزها في وقت مناسب. ولأن وجود هذه الاضطرابات سوف يؤثر سلبا على التأهيل الذي يتلقونه ومدى استفادتهم منه.

كثيرا ما تنتقد الملتقيات والمؤتمرات، خاصة في سورية، لجهة كونها نوعا من الاستعراض أكثر مما هي تفاعل حقيقي أو تبادل خبرات حقيقي. لكننا لاحظنا بوضوح، من خلال مشاركتنا في هذا الملتقى، أن التفاعل كان فعلا على مستوى جيد بين جميع الأطراف الحاضرة في الملتقى.

وما ننتظره الآن هو أن تتم ترجمة هذه المعرفة والخبرات الجديدة في مجالات العمل المختلفة عند "آمال"، وخاصة لجهة نشر المعرفة والمعلومات التي تم اكتسابها وتطويرها من خلال الملتقى. ففي النهاية تشكل المعرفة والمعلومات الصحيحة الأساس الذي يجعل العمل يتقدم فعلا، بل ويجعل عمل المنظمات نفسها، ضمنها آمال، أسهل وأكثر جدوى. وهو ما بدأت به المنظمة مؤخرا عبر ورشات عمل للإعلاميين، لمسنا أهميتها وآثارها، وننتظر المزيد من الكمية والنوعية في مثل هذه الورشات، خاصة الاهتمام بمن هم خارج دمشق العاصمة. ففي المدن والمحافظات الأخرى الكثير من الإعلاميين/ات والمنظمات التي تعمل بكل طاقتها، والتي ستنعكس خبرات جديدة تحصل عليها مباشرة على نوعية عملها.

على الهامش:
بعد سنوات طوال من "تحصين" منظمة آمال بجيش من "البادي غارد"، الحراس الذين حولوا مجرد فكرة الدخول إلى مبنى المنظمة إلى نوع من المغامرة المترافقة مع "تحقيق مميز"! صار من الممكن أن يسمى هذا المبنى مبنى منظمة، وليس قلعة سرية! خطوات مثل هذه ما كان يجب أن تتأخر كل هذا الوقت! لكنها تدل أيضا على التوجه الجديد الذي نتحدث عنه.


مي أبوغزالة، (الصحة النفسية والإعاقة.. ملتقى مشترك سوري- سويدي)

خاص: مرصد نساء سورية

0
0
0
s2smodern