قضايا المعوقين

ينحني بجسده إلى الوراء.. ويده اليسرى تدور دورة كاملة في الهواء.. كل هذا في سبيل أن يخطو خطوة واحدة.. عذرا أحمد يوسف حمدان.. الشاب ذو الاثنين والعشرين ربيعا.. بل ذو الاثنين والعشرين مأساة أورثته إياها مواطنته المعوقة لكل أشكال الانسانية المعروفة لدينا.

دفعوه إلى التسول.. لكي لا تسول له نفسه العودة والطرق مجددا على أبوابهم الموصدة الصدئة.. التي تخفي وراءها عالما من الفقر الانساني والروحي.. عالما ذو موروث بدائي من الجهل الفاسد..

ست سنوات وهو يدور كمروحة في الشوارع.. بمرضه الذي وصفوه في تقرير طبي: قصور حركي، اضطراب في الحركات الارادية يؤثر على القدرة الوظيفية الحركية وأداء النشاطات الحياتية اليومية.. ما عدا المهنة الوحيدة التي أمامه وهي التسول طوال اليوم لتأمين جزء بسيط من الدواء الذي يكلفه عشرون الف ليرة سورية شهريا.. فقط لاغير!!!

 فقد أصيب أحمد بمرض عصبي تسبب له نتيجة عدم تلقي العلاج الطبي بالتواء في أسفل العمود الفقري مترافق مع نوبات عصبية بين الحين والآخر في حال عدم تلقي العلاج توصله الى حالة تستدعي الإنعاش الفوري.

مرضه جعله غير قادر على السير.. الا بالطريقة التي وصفتها سابقا وبصعوبة بالغة.. ومع هذه الصعوبة استطاع أن يطرق باب وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل التي تناطح فيها الموظفون ليخبروه أن إعاقته فقط 40% وأن أعداد المعوقين عند هذه الدرجة كثر وعليه أن يقتدي بهم وينتظر رحمة الخالق..

لم ينتظر عاد الى طرطوس وطرق باب مجلسها عل المجلس الفرعي لشؤون المعوقين ينجده.. كيف لا وهو المجلس الذي انشيء بالقانون 34 لعام 2004 وانيطت به كل شؤون الإعاقة..
هناك اخبروه انه لامجال لمساعدته عن طريق المحافظة على أمانة مهامها!

لجأ إلى مدير الصحة هناك والذي أحاله إلى مشفى بانياس الوطني.. حيث أخبره مدير المشفى بأنه لاتوجد امكانيات لدى المشفى لتقديم أي علاج له باستثناء مساعدته عندما يصل إالى مرحلة تستدعي الان،عاش الفوري!

يقول أحمد وهو يمسح عرقه المتدفق نتيجة الجهد الذي يبذله للمشي: أغلبية الجمعيات في طرطوس لم تقدم لي أي خدمة..! وأغلقت أبوابها في وجهي بحجة أن اعاقتي عصبية وهذا ليس من صلاحياتها!
 ويتابع: أغلبية موظفي الدولة لهم الفضل الكبير في تقديم المساعدات لي عندما أقوم بالمرور عليهم في المؤسسات العامة.

أما على مستوى أصحاب الأعمال.. وقام بذكر أسمائهم المحفورة في داخله والتي لا تزال تنز صدأ في شرايينه.. وألما في عروقه.. فقد تمنعوا.. باستثناء قلة كان ضميرها حاضرا لحظتها وإن على نطاق بالكاد يرى..

التسول طريقه الوحيد.. لتلقي العلاج.. في بلد باتت رائحة الفساد فيه تطغى على رائحة أصحابها.. وعلى جمعياته الخيرية على نفسها والبائسة على من تكنت بإسمهم زورا..

الشوارع.. تكتب يومياته بعرقه النازف.. المستنزف باستهتار كل مسؤول.. كل صاحب مسؤولية.. كل ذي شأن..

كل انسان يمر باعتياد اعمى وشعور ميت.. وروح مخلوعة من بين ضلوع جثته.

إلى متى.. يا وزارة الشؤون.. إلى متى يا جمعيات البر والبحر والجو.. إلى متى أيها القيمون على الحرام.. إلى متى سيبقى طريق الانتهاك.. المغتصب لقانون الاعاقة المسفوح مفتوح للمتاجرة بحياة هؤلاء؟


ردينة ناصيف، (إلى متى؟!)

خاص: مرصد نساء سورية

0
0
0
s2smodern