قضايا المعوقين

يمر الثالث من كانون الأول، اليوم العالمي لذوي الاحتياجات الخاصة، دون ضجيج في سورية، لا يتذكره أو يفكر فيه إلا قليلون.
وعلى الرغم من معاناتهم على الأصعدة كافة، فإن مشكلاتهم جميعها لا تصل إلى أسماع المسؤولين في الوزارات المعنية، سواء التربية أو الشؤون الاجتماعية والعمل أو التعليم العالي.

المشكلة الأساسية التي يعانيها هؤلاء أن لا إحصاء رسمي لأعدادهم وحالاتهم واحتياجاتهم، ولا اعتراف عملي بوجودهم أو بمشكلاتهم؛ ففي الاستمارة العائلية الخاصة بالإحصاء الوطني، الذي نفذ سنة 2004 على سبيل المثال، لم تشتمل الاستمارة على أي سؤال عما إذا كان المنزل يحتوي شخصا لديه احتياج خاص من أي نوع، جسمي، حسّي، نفسي، سلوكي...

في سنة 2004، صدر القانون رقم 34 الخاص بالمعوّقين في سورية، ومما يتضمنه هذا القانون إحداث مجلس أعلى للمعوقين، ينبثق عنه مجالس فرعية في المحافظات، ويرأسه وزير الشؤون الاجتماعية والعمل، ويتضمن كممثلين، معاونو وزارت الصحة والتربية والتعليم العالي والإعلام والثقافة، بالإضافة إلى خبراء في الإعاقة وممثلين عن المعوّقين.

الصلاحيات المعطاة لهذا المجلس كانت كبيرة كما الآمال المعقودة عليها، ولكن بقيت الاحتياجات الخاصة مهملة في البلاد وأضيف المجلس الأعلى إلى قائمة الإهمال الرسمي.
وزارة التربية من جهتها لم تقم بأي جهد تمهيدا لدمج ذوي الاحتياجات الخاصة في المدارس الرسمية، وكثيرا ما وضعت العراقيل أمام دمجهم، فهي على سبيل المثال مازالت ترفض استقبال الأطفال الذين يعانون من اضطراب التوحد، ولا تخصص بالمقابل صفوفا خاصة بهم، بل ولا يتم استدعاء ولي أمر الطفل وفقا لقانون إلزامية التعليم إن لم يلحق طفله بالمدرسة ولم يقم بأي تأهيل له، ببساطة فإن وزارة التربية قد تخلّت عن مثل هذا الطفل تماما.

أما وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل فتتجاهل هذا الواقع وترفض إجراء أي مسح لمعرفة حجم الاحتياجات الخاصة تمهيدا لتأمين ما يلزم لأصحابها وذويهم.

وفي جميع الجامعات السورية, كما في المباني العامة الأخرى، يتم تجاهل وجود ذوي الاحتياجات الخاصة، فلا منحدرات تسهل تنقلهم، ولا مصاعد مجهزة، ولا مرافق عامة.

وإذا كان الأهل يتحملون العبء النفسي والتربوي والمالي وحدهم، فإن أيا من ذوي الاحتياجات الخاصة سيجد صعوبة في إيجاد فرصة عمل حتى وإن كانت لديه إمكانيات يحصل المواطن العادي وفقها على فرصة عمل.

فبينما يقر قانون العمل في سورية بأن على كل مؤسسة عامة أن توظف ما نسبته 3% من ذوي الاحتياجات الخاصة فإن الفساد غالبا ما يمنع ذلك لينال من لا يمتلك أي احتياج خاص في أحيان كثيرة على فرصة العمل الثمينة التي يحتاجها مستحقها ماديا ونفسيا، وظل ذوو الاحتياجات الخاصة يقبعون تحت ظل اليأس.

وكانت البادرة التي أعادت الأمل لذوي الاحتياجات الخاصة في سوريا هي افتتاح المركز الوطني للتدخل المبكر في اللاذقية سنة 2007 في شهر حزيران، بالتعاون بين وزارة الصحة و مؤسسة كريم رضا سعيد و جمعية البستان الخيرية.

التفاؤل كان مرده أمران، أولهما هو العودة لطرح قضية ذوي الاحتياجات الخاصة على الصعيد الرسمي، أما الآخر فهو الاهتمام بالتدخل المبكر، أي باكتشاف ذوي الاحتياجات الخاصة في سنيّ عمرهم الأولى، حيث يمكن للتدخل أن يثمر نتائج ايجابية أكبر بكثير من التدخل "المتأخر".

لكن سرعان ما عاد اليأس يخيم على ذوي الاحتياجات الخاصة وذويهم؛ فخطى انجاز شبكة من مراكز التدخل المبكر في المحافظات تباطأت قبل أن تتوقف، والمراكز التي كلف إنجاز الواحد منها عشرات الملايين لا تستوعب أكثر من عشرة أطفال.

وهكذا بقيت الجمعيات المدنية هي المكان الوحيد الذي يلجأ إليه مئات الآلاف من ذوي الاحتياجات الخاصة حيث يتم تقديم بعض الخدمات لهم ويشعرون بالتضامن من خلالها، والأهم أنهم يجدون مكانا يُسمعون فيه صوتهم.


نور عمران، (في اليوم العالمي لذوي الاحتياجات الخاصة..لمن يتركون؟!)

عن موقع "النداء"، (12/2009)

0
0
0
s2smodern