قضايا المعوقين

في مهرجان "الإرادة والحياة"، الذي عقد دمشق، 28-29 أيار، في مجمع الفيحاء، ألقت الأستاذة سعاد الجندي، المنسقة الاجتماعية في لجنة الأسر في الأولمبياد الخاص السوري، كلمة شرحت فيها معنى "الخبرة الاجتماعية"، وتجربتها الخاصة في هذا الموضوع.


السيدات والسادة، الحضور الكريم،
تحية طيبة وبعد،

لقد طلبت مني لجنة الأسر للألمبياد الخاص السوري أن أبحث في موضوع الخبرة الاجتماعية، فلم أعرف بالضبط خبرة من يقصدون؟
هل هي خبرتي أنا؟
أم خبرة ابنتي؟
أم خبرة صديقاتي أمهات ذوي الاحتياجات الخاصة الذهنية؟
أم خبرة من حولي من الناس في هذه الحياة؟
سأبدأ بالتحدث عن خبرتي مع ابنتي بشكل مختصر.
أنا والدة الشابة نينا الرفاعي ذات الأربعة وعشرين ربيعاً يصنفها الطب بحاملة لمتلازمة داون.
أما تصنيفي لها فهو أنها ابنتي الحبيبة المهضومة، بطلة الألمبياد الخاص التي حصلت على 6 ميداليات متنوعة بين ذهبية وفضية وبرونزية في أولمبيادين إقليميين، دبي 2006 وأبو ظبي 2008، مما اعتبره أنا نجاحاً لها في هذه الحياة.
 ولا أخفيكم أنني شعرت بالفرح والسرور عند عودتها من أبو ظبي في نهاية العام الماضي وهي تحمل الميداليات، وكأنها أتت لي بشهادة البكلوريا حيث أقمت لها حفلاً صغيراً بهذه المناسبة لأشعرَها بأنها لا تنقص عن الأبناءالعاديين الذين يحتفلون بهم عند نيل البكلوريا، فهذه الميداليات رفعت من ثقة نينا بنفسها وأزالت عنها الإحباط الذي ينتابها عندما لا تستطيع أن تكتب وتقرأ مثل أخوتها وزادت من ثقة المجتمع فيها.
 إنها شابة لها وجودها وكيانها فالرياضة جعلتها تتوج على المنصات العربية وان شاء الله على المنصات الدولية. وأنا على يقين أنها ستكتسب خبرات أكاديمية ومهنية واجتماعية أخرى بما أراه فيها من مثابرة ودأب وتصميم. وهذا اليقين بالنجاح هو ما يحفزنا جميعا كأهالي للعمل الدؤوب كي نوصل هذه الشريحة من المجتمع لأهداف أخرى وفضاءات أرحب.
 وأنا لا أعتبر نفسي أنني وصلت إلى اكتشاف كل الخبرات في تعاملي مع ابنتي لأن الخبرات لا تعد ولا تحصى فهي بتزايد مستمر طالما الحياة في تجدد.

وأعود إلى نفسي واسأل: أساساً ماهي الخبرة الاجتماعية؟
• هل هي أن أعرف كيف أتصرف مع الناس في المجتمعات المختلفة التي أتواجد بها؟
• أم أن أعرف كيف من المفروض أن يتصرف الناس معي؟
• أم هي محصلة التجارب التي تراكمت لسنوات طويلة؟
• أم هي حسن التصرف والتخلص من المواقف والمطبات الحرجة.
• أم هي أن أضع مصلحتي هدفاً متجههً نحوه دوماً دون أن يشعر أحد أنني أفعل ذلك ضاربة عرض الحائط بكل ما تبقى؟
إجابة على هذه الأسئلة خطر لي ما يلي:
من الممكن أن تكون الخبرة الاجتماعية
• هي أن تعرف ماذا تقول ومتى تقوله وأين.
 وأن تعرف أصلاً لماذا أنت في هذا المكان،وفي هذا الوقت بالذات ومع هذه المجموعة من الأشخاص بالضبط دون غيرها.

• وهي أيضاً ان لا تتكل على الحظ والصدف وأن تتعامل مع المشاكل بليونة وحزم في آن واحد، فإن وقعت في نهر جار متدفق فلتسبح مع التيار ولتنساب معه بدون مقاومة، ولكن طافياً حافظاً لقواك، ومن ثم تتعلق بأول غصن لتنقذ نفسك، فالتخبط والذعر يتعبانَك ويسلبانَكَ قواك، فلا أنت سترى الغصن من شدة الذعر، ولا أنت بقادر على الإمساك به.

إن الأسر المجتمعة اليوم تحاول إمساك الغصن وعلى كتف كل والد، والدة، أخ أو أخت، طفل من ذوي الاحتياجات الخاصة، وعلى عاتقنا إنقاذ أنفسنا لنعتني بهم وإنقاذهم لننشئهم كأفراد في هذا المجتمع لهم حقوق وعليهم واجبات، لا سجناء المنازل أو مواضيع للشفقة والتندر.

إننا نفتح عيوننا في هذه الحياة، فنرى أنفسنا على ما نحن عليه من شكل ولون وجنسية وقدرات، فنعارك الظروف ونركض خلف غاياتنا غير منتبهين أن ما نركض خلفه يجعلنا نركض من الحياة نفسها. إذاً، لنتوقف قليلاً... ولنلتقط أنفاسنا كي ننظر حولنا بتأنٍ لنستبشر بشروق الشمس، لنفرح بتفتح وردة، ولنبتهج برؤية طفل يكبر.

 نحن هنا اليوم لنتحدث عن هؤلاء الأطفال الذين يكبرون أمام عيوننا، أحياناً دون أن نعي ذلك، فصاروا شباناً وشابات، ولنحاول أن نبحث لهم عن دمج اجتماعي ومكانة مرموقة في المجتمع.

لقد جعلني طلب لجنة الأسر مني لهذه المهمة أفكر بالطرق الأفضل لمساعدة هذه الشريحة من المجتمع.

فمن المعروف ان المهارات الاجتماعية لبعض ذوي الاحتياجات الخاصة (مثل أطفال الداون مثلاً) هي أفضل من العديد من الجوانب الأخرى مثل قدرات التعلم الأكاديمي أوتنمية الجوانب اللغوية، ولكن مع ذلك، تبقى هذه المهارات الاجتماعية أقل من المهارات لدى الأشخاص العاديين، وهذا ما يجعلهم غير قادرين على التكيف الاجتماعي مثل أقرانهم الأسوياء، وبالتالي، غير قادرين على الاندماج في المجتمع.

حتى لو تعلم ذوو الاحتياجات الخاصة الاعتناء بالذات وتعلم القراءة والكتابة، ستكون قدراتهم على التكيف الاجتماعي أقل بكثير منها عند أقرانهم الأسوياء، وهنا يبقى السؤال:
• كيف يحسّن ذوو الاحتياجات الخاصة خبراتهم الاجتماعية؟ وهنا تأتي الأسئلة التالية:
1) كيف يتعلمون فن التعامل مع الآخرين؟
2) كيف يواجهون المشاكل؟
3) كيف يرسمون حدوداً لهم فلا هم يتعدونها ولا يتخطاها الآخرون؟
4) كيف يتعلمون العام والخاص، ما يقال وما لا يقال، وما هو الموقف الصحيح من الخطأ أمام المجتمع؟
5) كيف نزيل تعلقهم بأشخاص محددين دون غيرهم من الأشخاص مما ينفّر الناس منهم ويقلل من اندماجهم الاجتماعي؟
6) كيف نخفف عنهم المشاعر العاطفية والجنسية التي يتداولون الأحاديث عنها فيما بينهم وبين الآخرين؟
7) كيف نرفع عنهم وطأةالرتابة والضجر والكآبة؟ هذا الثالوث الذي يكاد يسبب الانهيارات النفسية لبعض الأهالي من شدة ما يعانونه مع أولادهم وشكواهم المستمرة.

فلم أجد جواباً سحرياً لكل هذه الأسئلة والكثيرغيرها، لكن يمكنني القول أنه بعد تجربتي مع ابنتي والعديد من زميلاتها وزملائها، لاحظت أن انضمامهم للأولمبياد الخاص أو على الأقل ممارسة الرياضة مهما كان نوعها، ودخولهم مجال النشاطات الرياضية والفنية والموسيقية التي أثمرت لهم بالميداليات والمعارض الفنية التي أقيمت لهم والحفلات الموسيقية التي شاركوا فيها، كل ذلك فتح لهم أبواباً جديدة كان من الصعب عليهم أن يفتحوها بدون تلك النشاطات. لا تخجلي عزيزتي الأم من حالة طفلك وسارعي به للانضمام مع زملائه لممارسة الرياضة أوأي هواية يميل لها فيربح حياته وتربحين راحتك النفسية حين ترينه مرتاحاً سعيدا.ً

فلنعد إلى أهمية الرياضة والتي تجمعنا اليوم جميعاً: إن لممارستها فوائد عديدة لهذه الشريحة من الأطفال والشباب، ومنها:

1) تعزز الرياضة الثقة بالنفس وتحسن وتقوي الجسم وتزيل الإحباط وتمحو الكآبة.
2) تعلمهم الاعتماد على النفس في اللباس والطعام والتقيد بمواعيد التدريب.
3) تعلمهم التخطيط للمستقبل للحصول على نجاحات لاحقة.
4) ولا ننسى أنها تخلق لهم جواً اجتماعياً لطيفا وتعلمهم العمل الجماعي الذي يجمعهم لملء وقت فراغهم وتعلمهم روح الأخوة، التنافس الشريف،الفرح بالربح، وتحمل الخسارة.
5) بها يتعلم اللاعب على تكوين علاقة مع مدربه والالتزام بتعليماته وحسن التصرف معه ومع الآخرين.
6) تتيح لهم الرياضة التعرف على أماكن جديدة وأناس جدد مما يزيد من مهاراتهم الاجتماعية وخبراتهم اليومية الضرورية.
7) وأخيراً وليس آخراً، من الممكن أن تكون الرياضة فضاءً تخفيفياً أو تعويضيا للمشاعر الجنسية التي تنتاب ذوي الاحتياجات الخاصة بعد البلوغ مثل أقرانهم الأسوياء. هؤلاء المراهقين الذين بحكم تواجدهم ضمن أسرهم وحالات الخطبة والزواج فيها، وبسبب المشاهد التي يشاهدونها في التلفزيون من أغانٍ ومسلسلات وأفلام ودعايات، أغلب مواضيعها الإعجاب والحب والزواج وإنجاب الأطفال، بحكم كل هذا لا يجد المراهق ذو الاحتياجات الخاصة سوى الرياضة كمتنفس وحيد له يمكنه من تفريغ طاقاته المتلاطمة في هذه الفترة من حياته.

وبعد كل ما ذكرته أرى من واجبي كأم أن أطالب المؤسسات الاجتماعية الأخرى بزيادة الاهتمام بهذه الشريحة وزيادة الاهتمام بإنشاء أماكن رياضيه واجتماعية خاصة بهم.

ولا أقصد بذلك عزلهم عن بقية الناس بل مشاركة الآخرين لهم، فوجود نادي لهم يأتي إليه الأشخاص العاديين ليروا انجازاتهم، ربما يكون أفضل من تواجدهم في أماكن متفرقة لا يمكننا عندها حصر ما نسعى له.
في النهاية الشكر الجزيل للالمبياد الخاص السوري الذي جمعنا والذي نود تحميله هذه الرسالة على لسان أبنائنا الأحباء:

{نريد مجمعًا رياضياً خاصاً بنا فيه كل الألعاب الرياضية، وبالأخص مسبحاً يستقبلنا صيفاً شتاءً، لأن المسابح العامة والخاصة، هي أكثر الأماكن التي نُرفض فيها. ففي هذه المسابح يخاف الأشخاص العاديون العدوى منا لأنهم يجهلوننا، وبالتالي لا يسمح لنا بالسباحة فيها.
 هذا النادي الرياضي الاجتماعي والمسبح، سيكون إذا انشئ، إضافة لكونه مكاناً يجمعنا ويجعلنا نمارس رياضاتنا ونشاطاتنا، مولداً لفرص عمل لنا بسبب ما نعانيه من ندرة فرص العمل لأمثالنا، وهدفنا أن نتواجد في مجتمعنا كغيرنا من الأسوياء ونرفع اسم سوريا عربياً ودولياً.
 عسى أن يصل صوتنا لكل من يستطيع المساعدة في تحقيق حلمنا، لأننا نعرف أن بعض الأحلام الكبيرة تتحقق بالتأكيد خاصة إذا وجدت من يتبناها بأمانة وعزم وإصرار. إننا نعلم أن طريق الألف ميل يبدأ بخطوة، ونحن هنا، في هذا المكان وهذه الساعة، وضعنا حجر الأساس وفوقه طبعة لخطوتنا الأولى نحو رحلتنا ذات الألف ميل نحو مجمّعنا المستقبلي.}
وشكراً لكم حسن الاستماع


سعاد الجندي، منسقة اجتماعية في لجنة الأسر في الأولمبياد الخاص السوري، (الخبرة الاجتماعية والدمج الاجتماعي لذوي الاحتياجات الذهنية)

خاص: نساء سورية

0
0
0
s2smodern