قضايا المعوقين

 قد يلتقي المرء مع أناس غرباء لا يعرفهم ولكنه يشعر بتآلف معهم منذ لحظة لقائهم الأولى. وهذا بالضبط ما حدث معي عندما قابلت رجاء المصعبي رئيسة المؤسسة العربية لحقوق الإنسان ومقرها اليمن. كنت جالسة في بهو الفندق بصنعاء وإذا بها تدخل وتجلس على الكرسي المجاور لي. عرفتني على نفسها واكتشفنا أن لنا صديقة مشتركة في البحرين. تبادلنا العناوين وصرنا نكتب لبعض في فترات متقطعة. ومنذ أسبوعين تقريباً كانت في زيارة عمل للبحرين واقتنصت الفرصة لزيارة جمعية أوال النسائية.
تكلمت عن نشاطات المؤسسة كمنظمة إقليمية عربية تعمل في مجال حقوق الإنسان. وركزت بشكل أساسي على عمل المؤسسة في مجال الحقوق الإنسانية للمعوقين. وأشارت إلى أن المجتمع لايزال ينظر إلى المعوق كشخص يستحق العطف والشفقة وليس كإنسان يمكن أن يعطي ويخدم المجتمع وله نفس الحقوق الإنسانية التي وردت في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وغيره من المواثيق الدولية ومنها اتفاقية حقوق المعوقين. كما انتقدت عدم تفهم المجتمع سواء المؤسسات الحكومية أو مؤسسات المجتمع المدني لاحتياجات المعوقين. وهذا صحيح فمثلاً كم وزارة أو مؤسسة حكومية أو غير حكومية فكرت في عمل مرتفعات خاصة للمعوقين في مبانيها، وكم منزل إسكان روعي في تصميمه احتياجات المعوقين.
وانتقدت المصعبي أيضاً الأساليب الرعائية مؤسسات وجمعيات ذوي الاحتياجات الخاصة التي تقدم الخدمات للمعوقين، تلك الأساليب التي تنطلق من العمل الخيري والصدقات أكثر من منظور الحقوق الإنسانية. ففي رأيها أن تلك المؤسسات تحصر المعوقين في زاوية ضيقة لا يخرجون منها وتربطهم بها وترسخ فيهم الانطباع بأنهم غير قادرين على الحياة بشكل طبيعي دون المساعدات التي تمدهم بها. كما عابت على الناس جهلهم بحقوق المعوقين، وإصرارهم على الاعتقاد الخاطئ بأن الشخص المعوق يختلف نوعياً عن غيره من البشر، والدليل استعمالهم بوعي أو من دون وعي لبعض المصطلحات الخاطئة التي تنتقص من مكانة وكرامة المعوق؛ كوصف الشخص غير المعوق بالسوي أو الطبيعي وكأن المعوق ليس إنساناً سوياً أو طبيعياً. فالإعاقة لا تعني الانتقاص من قيمة الإنسان كفرد في المجتمع له من الحقوق كغيره من أفراد المجتمع. كما انتقدت كذلك تجاهل الجمعيات النسائية للمرأة المعوقة وعدم تنفيذ أية فعاليات في هذا الخصوص. ودعتها بالتالي إلى الاهتمام بالمرأة المعوقة والعمل على إدماجها في تلك الجمعيات وعدم حرمان المجتمع من قدراتها أو قدرات جميع المعوقين.
هذه الآراء تؤكدها اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة التي اعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة في الثالث عشر من شهر ديسمبر/ كانون الأول العام .2006 إذ ترى الاتفاقية في ديباجتها "أن الإعاقة تحدث بسبب التفاعل بين الأشخاص المصابين بعاهة والحواجز في المواقف والبيئات المحيطة والتي تحول دون مشاركتهم مشاركة كاملة فعالة في مجتمعهم على قدم المساواة مع الآخرين". وفي هذا الخصوص تؤكد الاتفاقية على أهمية إدماج قضايا الأشخاص ذوي الإعاقة في كافة استراتيجيات التنمية المستدامة ذات الصلة. وتؤكد على أن التمييز ضد أي شخص على أساس الإعاقة يمثل انتهاكاً للكرامة والقيمة الإنسانية المتأصلة للفرد.
وفي علاقة بالتمييز تعترف الاتفاقية بأن النساء والفتيات المعوقات من أكثر الفئات الاجتماعية التي تتعرض لسوء المعاملة والعنف أو الإصابة أو الاعتداءات بما في ذلك الاعتداءات الجنسية سواء في المحيط الأسري أو خارجه. وفي هذا الخصوص نذكر أن بعض العائلات تخجل من وجود شخص معوق لذا تعمد على إخفائه. ومثل هذا الفعل ينم عن تمييز وعنف موجه ضد هذا الشخص. وفي المقابل تعمد بعض الأسر إلى إحاطة المعوق برعاية مبالغ فيها بحيث تلغي شخصيته وقدرته على التطور والتفاعل مع المجتمع المحيط. وترى الاتفاقية كذلك أن الأشخاص المعوقين يكونون أكثر عرضة للفقر. لذا تدعو إلى التخفيف من حدة الفقر، وإلى إدماج منظور النوع الاجتماعي في الجهود الرامية لتشجيع تمتع ذوي الإعاقة بكامل حقوقهم وحرياتهم الأساسية، سواء تلك التي يدعو لها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهدين الدوليين أو الاتفاقيات الدولية بما فيها اتفاقية حقوق الطفل.
رجاء المصعبي تكلمت من واقع معاش ويبقى على جمعيات المجتمع المدني أن تستوعب الدرس وتفهم اتفاقية حقوق المعوقين وتدمجها ضمن خططها واستراتيجياتها.


سبيكة النجار، (المعوقون.. حقوق إنسانية أم رعاية خيرية؟)

الوقت البحرينية، (5/2009)

0
0
0
s2smodern