قضايا المعوقين

عرفت سوريا منظمات المجتمع الأهلي منذ عشرينيات القرن المنصرم، وعلقت في ذاكرة الفرد السوري منظمات وجمعيات خيرية وإنسانية ما زالت نشاطاتها حية ترزق إلى الآن. فمنظمات المجتمع الأهلي ليست حالة طارئة على المجتمع السوري.
وعاشت المنظمات الأهلية في سوريا، عبر مراحل تاريخية، ظروف المجتمع القائمة من اجتماعية واقتصادية وثقافية وقانونية، انعكست بمجملها على تطورها وحركيتها في الوسط الاجتماعي القائم.
إلا أن هذه المنظمات،مع بداية الألفية الثالثة، شهدت تطورا جديا من حيث تعدد الاختصاص وتنوعه، وانعكاسه على أفراد المجتمع بوجه عام رغم الانتقادات اللاذعة التي توجه، بين الحين والآخر، إلى طريقة عملها ومدى جديته وصدقيته.

تأسيس المجلس المركزي لشؤون المعاقين
ولا تأتي الجمعيات السورية التي تعنى بالإعاقة إلا ضمن هذا السياق ببعده الاجتماعي والاقتصادي والثقافي والقانوني السائد.
ونظرا لواقع الإعاقة الصعب، من نواح عدة، تم تأسيس المجلس المركزي لشؤون المعاقين الذي هو بمثابة المفوضية أو الاتحاد.
ويشير " لمداد " رئيس مركز دراسات وأبحاث المعاقين نبيل عيد إلى أن هذا المجلس يضم في عضويته مجموعة من وزارات الدولة مثل الشؤون الاجتماعية والعمل والتربية والتعليم العالي والصحة.

ويضيف عيد أن المجلس الأعلى لشؤون المعاقين يضم أيضا عددا من الخبراء والناشطين في دراسات وأبحاث الإعاقة.
وتنتقد منظمات أهلية سورية تعنى بحقوق الإنسان سياسة إبعاد العمل الأهلي عن نشاط مجلسي الإعاقة الوطني والمركزي المشكلين وفقا للقانون 34 لعام 2004 الخاص بالمعاقين السوريين..ويقول المحامي مهند الحسني رئيس المنظمة السورية لحقوق الإنسان:" ليس هناك ما يمنع منظمات العمل الأهلي من المشاركة في أعمال المجلس المركزي للإعاقة المشكل بقرار من رئيس الحكومة وبناءاً على اقتراح وزارة العمل ولو بصفة مراقب.".
كما وينتقد الحسني أداء عمل المجلس الوطني للإعاقة، وحصر تسمية أعضاء المجالس الفرعية بالمحافظ.
ويقول الحسني:" الاجتماع السنوي أربع مرات بالنسبة للمجلس الوطني للإعاقة وست مرات بالنسبة للمجالس الفرعية غير كاف من وجهة نظري للإطلاع بمسؤولياتهم، ثم إن تسمية أعضاء المجالس الفرعية من قبل المحافظ بوجود جمعيات للمعوقين أمر لم يعد مقبولاً ويعكس واقع أزمة الثقة الحكومية بمنظمات العمل الأهلي.".

وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل مفرخة جمعيات خيرية!!
تصحيح مسار عمل الجمعيات خدمة للمعاق.
وفي الإطار الأهلي تكاثرت الجمعيات الخيرية بمتواليات عددية وهندسية حتى انه قيل أن وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل السورية تحولت إلى "مفرخة" للجمعيات الخيرية.
فتم خلال السنين الأخيرة إشهار عشرات الجمعيات الخيرية التي تعنى بالإعاقة توزعت على مختلف المحافظات والمدن السورية.

لكن الإشهار شيء والعمل على ارض الواقع السوري شيء آخر.فكثيرا لا تحمل بعض المنظمات التي تعنى بالإعاقة، بحسب مراقبين اجتماعيين، إلا اسمها.
ويكشف نبيل عيد " لمداد " عن أن المجلس الأعلى لشؤون المعاقين سيقوم بالتدقيق والإشراف على الجمعيات الفعالة والناشطة وسبل دعمها واستمراريتها، وتوقيف بعض الجمعيات التي لا تملك من نشاطاتها سوى اسمها.
إلا انه بالمقابل هنالك عشرات الجمعيات التي تعنى بالإعاقة أثبتت جدارتها ورعايتها الصادقة لقضية المعاق السوري، أبرزها المنظمة السورية للمعوقين/آمال " صاحبة الدور الأبرز والاهم في وضع الخطة الوطنية لتأهيل ورعاية المعاقين في سوريا.
ويمكن التحدث بصورة عامة عن حركة، وان وصفت بالبطيئة، لوضع النقاط على الحروف بما يتعلق بآلية عمل بعض منظمات المجتمع الأهلي الذي يعنى بالمعاق السوري عموما.
ويؤكد نبيل عيد على انه سيتم تصحيح مسار عمل هذه الجمعيات عبر بناء قاعدة متينة يمكن أن تخدم المعاق بشكل فعلي وعملي وصحيح.

قانون "حصار الجمعيات " الأهلية!!
وبعيدا عن قطع رؤوس بعض الجمعيات أو تركيبها، يتحدث عدد من نشطاء المجتمع الأهلي والمدني في سوريا عن بيئة قانونية غير صحية لعمل الجمعيات الأهلية في سوريا.فالجمعيات والمنظمات الأهلية تعمل في ظل قانون اقل ما يوصف بأنه قانون حصار الجمعيات.
وتقول الإعلامية ردينة حيدر، رئيسة قسم المعاقين في " مرصد نساء سوريا " تقول:" عمدت الحكومة السورية إلى ممارسة التضييق على عمل الجمعيات الأهلية من خلال وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل وقانون الجمعيات الذي أفضل أن أسميه قانون حصار الجمعيات".
ويشير المحامي والناشط الحقوقي رديف مصطفى " لمداد " إلى أن قانون الجمعيات بحاجة إلى تعديلات، وان إجراء هذه التعديلات سيدفع بعمل الجمعيات إلى الأمام شريطة تطبيق القانون والعمل بمبدأ سيادة القانون.
ويعتقد المحامي مهند الحسني، رئيس المنظمة السورية لحقوق الإنسان أن المشكلة في سوريا هي أزمة ثقة ما زالت قائمة ما بين منظمات المجتمع الأهلي والحكومة.
ويشير الحسني إلى أن قانون الجمعيات من القوانين التي ظهرت في حقبة الشرعية الثورية وما تلاها وقد آن الأوان لتغيير أسـس التفكير.
ويؤكد الحسني على أهمية وجود قانون عصري تستطيع الجمعيات أن تعمل في إطاره ويقول:" ليس هناك ما يمنع من مواكبة العصر فيما يتعلق بقانون جمعيات وأحزاب وجمعيات عصري كنا وما زلنا نتطلع إليه لتتمكن منظمات العمل الأهلي من القيام بواجبها.".

المنظمات الأهلية تفتقر إلى الكوادر المؤهلة والمدربة.
استغلال الإعاقة لتحقيق مصالح شخصية.
الإعاقة هي الضحية.
وان كانت بعض الجمعيات والمنظمات ترمي بثقل اتهاماتها إلى واقع قانوني غير صالح للعمل والنشاط الأهلي، فان هذا البعض، بالمقابل " يعاني من الداخل بشكل قد لا يقل مرضية عن ما تتحدث عنه من بيئة قانونية غير ملائمة .
ويتمثل احد ابرز المعاناة الداخلية في غياب الكوادر المؤهلة والمدربة القادرة على نقل المعاق إلى بر الأمان.
وتقول ردينة حيدر:" من خلال متابعتي كمسئولة قسم المعوقين في موقع نساء سورية لعمل هذه الجمعيات، أعتقد أن هناك تجارب مميزة ومهمة، لكن نقص الخبرات التي تتعلق بالتدريب والتأهيل أدى إلى تراكم العديد من الأخطاء المهنية.".
وتتحدث ردينة حيدر عن مرض أصاب بعض الجمعيات السورية التي تعنى بالإعاقة، متمثلا باستغلال بعض مسئولي الجمعيات للإعاقة لتحقيق مصالح شخصية.
إلا أنها ترى، بالمقابل، انه من الطبيعي أن تقع بعض الجمعيات في أخطاء معللة ذلك بالقول:" يجب أن لا ننسى أن معظم هذه الجمعيات لا تزال في خطواتها الأولى، وبعضها لا يملك الخبرة الكافية، لذلك من الطبيعي أن تحدث أخطاء كبيرة، هذا بالإضافة إلى استغلال بعض مسئولي الجمعيات لفكرة الإعاقة لتحقيق مصالح شخصية.".
وتشير الكاتبة ردينة ناصيف، إلى أن الجمعيات الأهلية هي أكثر جهة قادرة على تقديم مساعدة ملموسة وفعالة إن تلقت الدعم من وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل.
إلا أنها تنتقد بالمقابل عمل بعض الجمعيات، وحيث تكون الإعاقة هي الضحية.وتقول ناصيف:" تقوم بعض الجمعيات كبريستيج اجتماعي، وبعضها كآخر صرعة مستوردة.........، والضحية هي الإعاقة.".

المنظمات الأهلية تتقاسم الهموم نفسها وتفتقر إلى التمويل.
المنظمات الأهلية تخضع لرقابة مالية حكومية صارمة.
المنظمات الأهلية تفتقر إلى الإيراد الثابت، وتعتمد التبرع العرضي.
وتكاد منظمات المجتمع الأهلي في سوريا أن تتقاسم الهموم نفسها بوجه عام، وما يرتبط بمسألة التمويل المالي على وجه الخصوص، حيث تعتمد الجمعيات الأهلية في سوريا على تبرع عرضي من المحسنين وأهل الخير.
إلا أن القاسم المشترك هو الاعتماد على التبرعات، مالية أو عينية، تبعا لنوع النشاط الذي تقوم به الجمعية أو المنظمة، مع ملاحظة أن إدارة التبرعات المالية لمنظمات المجتمع الأهلي في سوريا تخضع لرقابة صارمة من قبل وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل.
ويعتبر غياب المورد المالي الثابت للجمعية قاسما مشتركا بين مختلف منظمات وجمعيات المجتمع الأهلي في سوريا.
ويعتقد رئيس مركز دراسات وأبحاث المعوقين نبيل عيد انه على الجمعيات الخيرية السورية أن تدرس عامل الاستدامة المالية قبل أن تدرس أفق التطوير.

وينظر إلى مسالة التمويل المالي للمنظمات والجمعيات الأهلية في سوريا بحساسية وصفت بالمفرطة، إذ غالبا ما يطفوا على السطح عامل العلاقات الدولية السياسية والاقتصادية مع الخارج.
ويعتقد المحامي والناشط الحقوقي رديف مصطفى أن الجمعيات والمنظمات السورية غير قادرة في الفترة الراهنة على تامين إيراد ثابت يساهم في تطوير عملها.
ويدعو مصطفى إلى قبول التمويل غير المشروط من جهات غير حكومية حتى ولو كانت خارجية.
وتسود رؤية عامة مفادها أن وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل السورية، وعبر مراحل مختلفة، ومن خلال بعض القوانين والتشريعات تحد إلى درجة كبيرة من عملية التمويل، فضلا عن تبادل الخبرات مع منظمات أهلية خارجية.
إلا أن رئيس مركز دراسات وأبحاث المعوقين نبيل عيد كشف لمداد عن مناقشة جدية جرت أخيرا في المؤتمر الوطني للإعاقة حول موضوع التمويل والاتصال مع منظمات الخارج.
وأكد عيد انه ظهرت بعض التوصيات متمنيا أن تجد طريقها إلى حيز التطبيق.

وتظل المنظمات الأهلية، إلى حد بالغ، مرآة تعكس الظروف الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والقانونية التي تعمل وتنشط في إطارها، وتحمل طابعها العام.

*- للاطلاع على المحور الثالث.. الرجاء انقر هنا..


أمجد نيوف، (المحور الرابع - الجمعيات والمنظمات السورية الخاصة برعاية المعاقين)

عن المركز الدولي للأبحاث الدراسات، (6/2008)

0
0
0
s2smodern