قضايا المعوقين

إن الكلام عن أهمية الإعلام بشكل عام، والإعلام التلفزيوني بشكل خاص أصبح هذه الأيام لازمة ً يتحدث بها الجميع على الرغم من أن الجميع بات متيقناً من صحتها..
ولعل أخطر صفة تميز الإعلام التلفزيوني، بعد الصفة الأشهر له وهي قربه من الجميع وانتشاره الهائل، هي إمكانية التعرض ـ مباشرة أو مواربة ـ لكل القضايا المفتوحة التي تهم المجتمع أو فئة واحدة منه على الأقل، فضلا ًعن إمكانية طرح قضايا جديدة، وجذب انتباه الرأي العام لها..
 
ملتقى الإعلامفكما أن التلفزيون يقوم بمناقشة ما يهم الناس أساساً فإنه يقترح عليهم قضايا جديدة مع ترويج الاهتمام بها.. وقد يكون الطرح التلفزيوني لإحدى القضايا إضافة لمعلومات البعض من المختصين أو المهتمين، وتعريفا بهذه القضايا لدى البعض الآخر، الذين يطلعون على هذه القضية لأول مرة من خلال هذا الطرح..
نفرض مثلا أن برنامجا مذاعا على قناة تلفزيونية فضائية من بلد ما يناقش تزايد الجرائم في هذا البلد، يكون وقع هذا البرنامج على سكان البلد تنويرياً يعرّف عن الجريمة ودوافعها ونتائجها ويحذر منها ويشرح كيفية الوقاية منها والتعامل معها، بينما إذا افترضنا أن مشاهدا من بلد آخر لا يمت بصلة من أي نوع بهذا البلد شاهد هذا البرنامج فقد يكون وقعه عليه سلبيا، إذ قد يدفعه إلى الحكم على هذا البلد بأنه بلد غير آمن يعج بالمجرمين.
هذا المثال الافتراضي يوضح لنا المسؤولية الهائلة الملقاة على عاتق الإعلام بشكل عام وخاصة التلفزيوني بمختلف أنواع برامجه، إذ أنه يتوجه ـ شاء أم أبى ـ إلى جميع فئات المجتمع، سواء قسمنا المجتمع إلى فئات عمرية أو بحسب درجة الثقافة والتحصيل العلمي أو أي تقسيمات أخرى..
وإن التوجه المعلن لإحدى برامج التلفزيون نحو فئة ما لا يعفيه من هذه المسؤولية، إذ أن إمكانية الإطلاع على طروحاته تشمل الجميع بدون استثناء.
 
لكل ما تقدم يكون من الطبيعي عند الحديث عن علاقة وسائل الإعلام بقضايا عامة كقضايا الإعاقة فإنه يكون للتلفزيون النصيب الأكبر من هذا الحديث ومكان الصدارة فيه.
فنقلا عن صحيفة الرياض أكدت دراسة ميدانية أن التلفزيون الوسيلة الإعلامية التي تحتل المرتبة الأولى لدى الفئات الخاصة (المعوقين) في القدرة على التأثير الإيجابي لتغيير اتجاهات المجتمع نحوهم. حيث أكد 90 % من الفئات الخاصة ذلك كما احتلت الصحافة المكتوبة والمقروءة المرتبة الثانية بنسبة 70 % يجدونها الوسيلة المؤثرة في تناول قضاياهم وتغيير المفاهيم، فيما احتلت الإذاعة المرتبة الثالثة بنسبة 67 % من هذه المسؤولية الإعلامية، وهذا يكثف المسؤولية على التلفزيون بإعداد برامج أكثر فاعلية.
 
إذا كان نجاح أي وسيلة إعلامية يقاس بمدى وصولها وتأثيرها على الجمهور وتحقيق التواصل الإيجابي معهم، فما هي يا ترى شروط هذا الفن؟
فكرت مرة أنني إذا كنت أنا شخصيا معدة لبرنامج تلفزيوني فما هي الشروط الأساسية المطلوبة مني ـ على صعيد الشكل والمضمون ـ من قبل إدارة المحطة التي تنتج هذا البرنامج ليعَد برنامجي ناجحا،وذلك في ظل وجود عدد هائل من القنوات التلفزيونية الفضائية، سواء الحكومية منها أو الخاصة.
 
على صعيد المضمون، لا بد للبرنامج التلفزيوني التوجه إلى فئة واسعة من المجتمع والتمكن من الاستحواذ على انتباههم، وهذا واضح تماما إذ أنه لا شيء يجبر أي متفرج على متابعة برنامج لا يثير اهتمامه، حيث ينتابه الشعور بأن هذا البرنامج غير موجه له أساسا.
 
أما على صعيد الشكل فقد يكون التشويق هو العنوان الأبرز الواجب توفره مهما كان مضمون البرنامج التلفزيوني، بالإضافة إلى رشاقة البرنامج وسلاسة استطراداته بحيث لا يثقل البرنامج على المشاهدين، وبخاصة فإن قسما كبيرا منهم أميل لبرامج التسلية الخفيفة منه للبرامج الجادة المثقلة بالمعلومات.
 
ولا بد أن نميز، عند الحديث عن هذه النقطة، بين المحطات التلفزيونية الحكومية والخاصة، فالتمسك بشروط نجاح البرامج التلفزيونية يصبح أكثر حدة في القنوات الخاصة، التي تعتمد في تمويلها على رعاية الشركات الخاصة المعلنة، والتي تفضل البرامج التي تجذب أكبر عدد من المشاهدين، وتستحوذ على اهتمامهم، لتحقيق أكبر مردود من الإعلان.
 
قد يفهم المتشائمون من هذه الاستطرادات وهي شهيرة ومعروفة لمعظمكم، أن الطريق الأسلم لنجاح برنامج تلفزيوني يكون بإضفاء طابع التسلية الخفيفة عليه والالتزام بمناقشة قضايا سطحية بسيطة لا تثقل على المشاهدين والابتعاد قدر الإمكان عن المناقشات العميقة والقضايا الحقيقية..
هذا الاستنتاج أثبت خطأه.
إن مناقشة قضية عميقة تلفزيونيا بنجاح، ممكنة إذا توفرت لهذه المناقشة شروط النجاح:
 إثارة اهتمام فئة واسعة من المجتمع..
 والشكل الرشيق والمشوّق.
 
إن ميل القسم الأكبر من المشاهدين لمتابعة برامج التسلية الخفيفة هو بشكل من الأشكال ناتج عن إخفاق البرامج الجادة في تحقيق شروط النجاح المطلوبة منها.
كما أنه يلقي بالمزيد من المسؤولية على البرامج الجادة الجديدة لتلافي هذا الإخفاق.
لا يمكننا بالتأكيد تحميل البرامج الجادة كل المسؤولية، في استقطاب برامج التسلية الخفيفة (كالمسلسلات الهزلية وبرامج المسابقات بمختلف أنواعها.. إلخ) المتابعة الأكبر، إذ أن هذه الأخيرة مصممة خصيصا لهذا الغرض، وليس لغرض آخر.
كما أن البرامج الجادة تجد نفسها أحيانا أمام مشكلة التوفيق بين مطلب جدية الطرح من ناحية وبين مطلب تحقيق شروط النجاح الجماهيري من ناحية أخرى، فتضطر لغبن أحدى المطلبين لحساب الآخر غالباً.
 
بعد هذه التأملات المستفيضة في برامج التلفزيون وشروط نجاحها إلى مدى يمكننا أن ندرس في ضوء ما ذكرناه جدوى البرامج المتخصصة في شؤون الأشخاص ذوي الإعاقة؟
وفي خطوة لاحقة هل يمكننا مقارنة جدوى هذه البرامج بجدوى مناقشة القضايا المتعلقة بالأشخاص ذوي الإعاقة ـ وقد تكون قضية الدمج الاجتماعي في مقدمتها ـ من خلال الأشكال المختلفة لبرامج التلفزيون؟
 
بداية، نشير إلى أن عبارة " البرامج المتخصصة في شؤون الأشخاص ذوي الإعاقة" تحمل مدلولين ينبغي التمييز بينهما.
أولهما البرامج التي تتوجه أساسا لفئة الأشخاص ذوي الإعاقة وتناقش اهتماماتهم وتقدم لهم الخدمات المختلفة.
والثاني البرامج التي تتوجه للرأي العام فتعرّف بالأشخاص ذوي الإعاقة، وترشد المجتمع إلى الكيفية الصحيحة للتعامل معهم، وتعدل بالتالي أي نظرة سلبية محتملة قد يحملها الأفراد تجاه الأشخاص ذوي الإعاقة.
 
لقد أسميت، فيما تقدم، التعامل مع شروط إنجاح برنامج تلفزيوني فناً.. ومن المعروف أنه من خاصية الفن ألا يتجه مباشرة إلى تحقيق هدفه، فالمقولة المباشرة والواضحة قد تكون مطلوبة في مقال علمي أو ندوة فكرية أو محاضرة مدرسية، أما في الأشكال الفنية المختلفة ذات المضمون الفكري فإن المباشرة تصبح قليلة الجدوى وقصيرة التأثير.
وقد تكون المباشرة في تناول القضاياـ أسبابها وتداعياتها وطرق التعامل معها وحلولها المقترحة بل وحتى التشابه في اسماء هذه البرامج ـ هي أهم صفة تميز البرامج المختصة بشؤون الأشخاص من ذوي الإعاقة، وهي صفة لا تحسب لهذه البرامج، لأنها وكما سيتبين معنا هي الإنحراف الأول عن جادة النجاح ـ نجاح هذه البرامج ـ الذي يستتبع كل الأخطاء والانحرافات الأخرى.
 
فالبرامج المتوجهة أساساً لفئة الأشخاص ذوي الإعاقة تعاني من محدودية المتابعة، صحيح أن نسبة الأشخاص ذوي الإعاقة تمثل 10 % من المجتمع إلا أن هذه النسبة تعد غير كافية لإنجاح برنامج تلفزيوني، خاصة وأنه لا يتابع هذه البرامج على الأغلب إلا نسبة محدودة من الأشخاص ذوي الإعاقة.
محدودية المتابعة هذه لا تشجع الشركات والجهات المعلنة على تمويل هذه البرامج، فتبقى في نطاق النوايا الطيبة للمحطات الحكومية والخاصة التي تحبذ وجود مثل هذه النوعية من البرامج ضمن خطتها البرامجية.
إلا أن هذه النوايا الطيبة غير كافية لإنتاج برنامج تلفزيوني يحرص منتجوه ومعدّوه على نجاحه، فعدم التغطية المادية لهذه البرامج يجعلها عبئاً على ميزانية المحطات التي تتبناها، مما يضعنا أمام واقع صفة تغلب على هذه البرامج، وهي قلة الجودة الإعلامية الناتجة مباشرة عن ضعف ميزانيتها..
فإذا كانت سياسة هذه البرامج تفرض منذ البدء محدودية توجهها إلى فئة معينة من الجمهور فإن قلة الجودة الملفتة في إنتاجها تلعب الدور الأكبر في تقليص هذا الجمهور الضئيل أساساً..
فالديكور الفقير للأستوديو وصغر فريق العمل والتقليدية المفرطة في العمليات الفنية الخاصة بالبرامج، والتي تشهد هذه الأيام طفرة إبداعية في البرامج الأخرى، كلها عوامل تؤدي مباشرة إلى عزوف الجمهور ـ مختصا كان أو غير مختص، مهتما أو غير مهتم ـ عن متابعة هذه البرامج.
نشير هنا إلى أن معرفة القنوات التلفزيونية المنتجة لهذه البرامج لقلة مردودها وضآلة الجمهور الذي يتابعها، مع عدم توفر أي نية أو إمكانية لتحسين مستواها، يدفع هذه المحطات إلى اعتبارها برامج من الدرجة الثانية أو ربما الثالثة، فيتم كما شاهدنا مرارا استبدالها بأي برامج مناسباتية أو تغطيات إعلامية هامة أو غير هامة.
وتأكيداً على اعتبار المحطات المنتجة هذه البرامج برامجاً من الدرجة الثانية أو الثالثة يلاحظ أي مشاهد متمعن أن مواعيد عرض هذه البرامج بعيدة تماما عن الأوقات التي تعتبر الذروة في المتابعة، مما يقلل أيضاً وأيضاً من نسبة مشاهدتها حتى بين الأشخاص المعنيين بها.
 
هذا فيما يختص بالبرامج المتوجهة أساسا لفئة الأشخاص ذوي الإعاقة..
أما بالنسبة للبرامج المتخصصة بشؤون الأشخاص ذوي الإعاقة والتي تتجه للرأي العام، فرغم أننا في العالم العربي بحاجة ماسة إلى هذا النوع من البرامج بسبب الصورة النمطية الأقرب للسلبية السائدة عن الأشخاص ذوي الإعاقة إلا أن هذه البرامج لم تلبي ـ في أحيان كثيرة ـ تلك الطموحات بل ساهمت في تكريس هذه الصورة بشكل أو بآخر.
فإحدى الطرق التي تعتمدها هذه البرامج لإضفاء عنصر التشويق على موادها يكون بالتركيز ـ وربما لها بعض العذر في ذلك ـ على الحالات الخارقة من الأشخاص ذوي الإعاقة، لتصبح هذه الحالات الصورة النمطية النقيضة للصورة النمطية الأساسية، وهي تصوير المعاق كشخص ضعيف يحتاج لمساعدة الجميع واستجداء عطفهم.
مع سيطرة هاتين الصورتين النمطيتين: المعاق المسكين، والمعاق ذي الإمكانيات الخارقة، يتم تهميش الفئة الأكبر والأهم من الأشخاص ذوي الإعاقة وهم الأشخاص الذين يعيشون حياة معتدلة كغيرهم، والذين يسعون كغيرهم إلى كسب عيشهم وتحقيق أحلامهم، حتى ولو كانت بعيدة..
 
كثيرا ما تقع هذه البرامج في فخ المباشرة، وذلك ناتج عن طبيعة عملها، فهي تتحدث عن الإعاقة، وتلتقي المعاقين وتناقش قضاياهم وتغطي نشاطاتهم، مما يجعل مواد هذه البرامج متوقعة للغاية، إن لم تكن مكررة يغلب عليها الرتابة.
 
بالتالي، يصبح البحث عن حل لإضفاء طابع التشويق على هذه البرامج صعباً، كما يختفي عنصر الرشاقة منها، والتشويق والرشاقة كما أسلفنا الشرطان الأساسيان لشكل البرنامج التلفزيوني الناجح.
وهذا يؤدي بالتالي إلى صعوبة حصول المحطات على تمويل مناسب لهذه البرامج وأخيرا إلى قلة جودتها الواضحة، لنصل إلى النتيجة الحتمية والتي هي ضآلة الجمهور الذي يتابع هذه البرامج.
 
لاحظت وأنا أكتب هذه الفقرة، كما أرجو أن تكونوا قد لاحظتم معي، هذه الحلقة المفرغة الملفتة للانتباه، فافتراض المحطات التلفزيونية قلة الجمهور المتابع للبرامج المتخصصة بشؤون الإعاقة بنوعيهاـ المتوجهة للأشخاص ذوي الإعاقة، والمتوجهة للرأي العام ـ يؤدي إلى سلسلة من الاستتباعات تقود في نهايتها إلى تقليص هذا الجمهور فعلا !
إن الخط البياني لمتابعة هذه البرامج يصبح إذا خطا منحدرا بشكل محزن، وهذا يثير فيّ – في الواقع – العجب أكثر من الحزن..
إذ أن غاية أي برنامج تلفزيوني، وإمكانية إدراجه في الخطط البرامجية المستقبلية، هما أمران متعلقان بملاحظة أي زيادة ولو طفيفة في جمهوره، أو على الأقل في رسم خطة طموحة ومتفائلة لتحقيق هذه الزيادة في المستقبل.
 
قد تلاحظون أنني حتى الآن كنت أركز على مناقشة البرامج المتخصصة في شؤون الإعاقة من ناحية الشكل، لما له من أهمية كبرى لنجاح هذه البرامج من ناحية، ولإمكانية إغناء مضمونها بطريقة ذكية ومسؤولة من ناحية أخرى..
فغياب عنصر التشويق – مثلا – عن هذه البرامج قد يدفع بمعدّيها إلى محاولات يائسة للحصول عليه، بطرق خاطئة، كالتركيز على الحالات الخارقة لذوي الإعاقات كما أسلفنا..
 
إن لدي هنا رأيان أثارا اهتمامي يتحدث فيهما شخصان من ذوي الإعاقة عن رأيهما في مضمون البرامج المختصة في شؤون الأشخاص ذوي الإعاقة التي يتابعونها..
سوف أدعهما يتحدثان عن رأييهما بنفسيهما..
الأول – ولا بد لي من وقفة قصيرة للتعريف به – فهو بطل رياضي أحرز مراكز متقدمة عالميا، محطما أرقاما قياسية في مجال رفع الأثقال، وهو السيد حمدو سلات من س وريا يقول:
" كنت من بين من كُشف ستار المسرح عنه ليشاهد العالم من خلال شاشات عدت برامج تلفزيونية
لقد تعددت البرامج المتخصصة بذوي الاحتياجات الخاصة التي كشفت الستار عني بحلقات عرضت على هذا الجهاز الذي يخترق كل بيت تقريباً ولكن ليس بالضرورة ان كل بيت يتابع مثل هذه البرامج المتخصصة بذوي الاحتياجات الخاصة مفضلين غيرها تحت مبدأ (همومنا تكفينا لا نريد ان نرى اشخاص يقاسون في الحياة) فيفضلون برامج ترفيهية ذات فائدة أكثر من البرنامج المختص بالمعوقين الذي يقدم مادة العرض او الشخصية للمشاهد بشكلين متناقضين
الأول: مسكين ضعيف.. وبها تلتصق عدسة كمرة التصوير بإعاقته او عكازتيه او كرسيه او تشوهات ان وجدت. فتستقبله الناس بالحزن والدموع على شبابه وحياته (يا حرام.. الحياة قاسية)
اما الشكل الثاني: فكأنه إنسان خارق جاء من الفضاء فتتشكل فكرة لدى المشاهد الغرابة (أيعقل هذا) ام هو تمثيل
انا شخصياً في لقاء واحد تعرضت الى الأمرين. لقد كانت عدسة الكاميرة تتبع قدماي والعكازتين (بالصعود الأدراج والنزول) وكأن اللقاء مع إعاقتي لا معي كإنسان أولا وأخيراً
والأمر الأخر كانت تتبعني فكرة الغرابة من قبل المشاهدين (أصحيح انك كذا. وكذا. وكذا..الخ)
مع ذلك هذه البرامج لها اجابيات ملموسة فاهمها انك تصل إلى الناس انك تصل إلى زملائك المعوقين انك تصل إلى ذاتك
ولكن مع كل هذا ان القائمين على هذه البرامج (مع كل الاحترام لهم لما يبذلون من جهود) لنجاح البرنامج لا لنجاح الشخص الذي يقدمونه للناس فبعد ان يغلق الستار وينتهي العرض لا يهم ماذا بعد ذلك للشخص طبعاً
ولو نظرنا الى برامج غير هذه البرامج مثلاً برامج غنائية يقدمون للمشاهدين شخص يغني. نراه بعد ذلك انه وصل النجومية وصل النجاح مع انه كان قبل البرنامج لا شيء
والغريب ان البرامج المتخصصة بذوي الاحتياجات الخاصة تعرض تحت قائمة البرامج الإنسانية لكنها..
هذه البرامج لا تتواصل مع الأشخاص الذين تم اللقاء بهم رغم ان هذا الشخص الذي عرض في أي برنامج كان ناجحاً كان مبدعا قبل اللقاء بالبرنامج ولكن نسأل ماذا بعد اللقاء
 التقصير الأكبر من هذه البرامج أنها تلون وتزين الحياة بالنماذج المعروضة وبشكل عقلاني ان هذه النماذج هم قلة القليل أين الجانب الأخر اين الأشخاص الذين لم يستطيعوا تجاوز إعاقاتهم ولم يستطيعوا تجاوز معيقات الحياة
اليس من حقهم ان تضاء حياتهم بمصابيح غير مصابيحهم وهنا بداية الكلام
فمن كثرة البرامج التي أجرت لقاءات معي تشكلت لدي الفكرة الصحيحة لبرنامج منصف للجميع أقدم موجز عن هذه الفكرة لعلها تكون بمثابة مقترح
أولا: برنامج تلفزيوني عربي مشترك يعرض على جميع الفضائيات العربية بأوقات مناسبة لكل بلد عربي حتى يستطيع اكبر عدد من الناس المشاهدة والمتابعة
ثانياً: أن يقوم بإعداد وتقديم هذا البرنامج مجموعة من المعوقين أصحاب الموضوع
ثالثا ً: ان يقوم على مبدأ التواصل مع المجتمعات العربية من حيث الآراء والمقترحات والحوار
رابعاً: ان يقوم بعملية التواصل مع الأشخاص الذين تم عرضهم فيما سبق بين الحين والأخر للتحفيز وصقل، وحتى يكون نجاح متجدد
خامساً: تقديم المادة بشكل إنساني عقلاني بعيدة عن الإحراج والتجريح والتكليف
ساساً: في حال نجاح البرنامج السعي الى الشراكة مع البرامج الغير متخصصة لرفدها بشخصيات من ذوي الاحتياجات الخاصة إعلامياً (تمثيل مسلسلات، إعلانات، غناء. مسابقات..الخ)
 
لن نعلق الآن على اقتراحات السيد حمدو سلات في إيجاد حلول لمشاكل البرامج المتخصصة في شؤون الأشخاص ذوي الإعاقة، والتي ذكرناها كما أوردها، حيث نؤجل مناقشة الحلول المقترحة لنهاية هذه الورقة.
أما الآن فلنستمع إلى صوت آخرلسخص لديه اعاقة ـ قرأته في موقع على شبكة الأنترنت، يعلق فيه على إحدى حلقات برنامج أثار اهتمامه فيقول:
" تم طرح الكثير من القضايا الهامة ولكن المشكلة أن القرارات في مثل هذه الأمر ليست بأيدي الضيوف الحاضرين لذلك لم نسمع أي وعود صادقه أو أخبار مفرحة في الحلقة ولكن نأمل أن يكون للحلقة أثر عند صناع القرار "
نلاحظ أن الرأي الأول ركز على الفائدة الاجتماعية المرجوة والمتوقعة من هذه البرامج، بينما الثاني فقد تحدث مباشرة عن تأثير هذه البرامج على أصحاب القرار وتوجهات الخدمات تجاه الأشخاص ذوي الإعاقة.. إنه يطلب من هذه البرامج أكثر من مجرد مناقشة قضايا الأشخاص ذوي الإعاقة وتنبيه الرأي العام لها، إنه يطلب منها أن تكون هي ذاتها حلا لهذه القضايا، بأن تتحول إلى وسيلة ضغط تدفع أصحاب القرار إلى اتخاذ المواقف والإجراءات المطلوبة.
 
هاتان الملاحظتان تنقلاننا إلى التفكير بما هو مطلوب فعلا من البرامج المتخصصة بقضايا الأشخاص ذوي الإعاقة من حيث المضمون، لنلاحظ بأن أي مطالب مقترحة على هذه البرامج هي في الواقع مقترحة على الإعلام التلفزيوني بشكل عام..
أول المطالب الأساسية التي تخطر ببالي هو تنوير المجتمع، وتحذيره من الأسباب التي قد يكون من شأنها زيادة عدد المعاقين في المجتمع، كالحوادث الطرقية والأمراض الوراثية التي تؤدي للإعاقة، والتي يؤدي إلى انتشارها عادة تزاوج الأقارب المنتشرة في بلادنا، والجهل الصحي الذي يؤدي إلى سوء التعامل مع أمراض الأطفال، والتمسك بعادات صحية متخلفة كالاعتماد على الشائع والموروث في التعامل مع الحالات المرضية المختلفة.
المطلب الثاني والملح توعية الأهل الذين يصابون غالبا بالذهول عندما يجدون أنفسهم أمام قدر يحمل إليهم طفلاً معاقاً..
إن التوجه إلى الأهل بهذا الخصوص يحقق فائدتين أساسيتين، الفائدة الأولى هي تكييف الأسرة وتعليمها سبل التعامل مع الطفل ذي الإعاقة وتطويره، والفائدة الثانية الدعم المعنوي لهذه الأسرة التي يغمرها الشعور بفرادة مصابها، بإعطائها الشعور بأن هناك من يشاركها ويحمل معها..
المطلب الثالث التوجه إلى الشخص صاحب الإعاقة نفسه لتوعيته بقدراته وإمكاناته وحقوقه التي غالبا ما تكون مجهولة أو معتم عليها، وتأهيله ليكون قادرا على التعامل مع مختلف النظرات الاجتماعية التي يواجهها في حياته اليومية.
كما يكون من المناسب تماماً تشجيع الشخص صاحب الإعاقة على التعبير عن نفسه وعن آرائه بجرأة، وشرح احتياجاته للآخرين ببساطة.
المطلب الرابع هو التوجه إلى أكبر شريحة ممكنة من المجتمع لتأهيلهم للتعامل بسلاسة مع الأشخاص ذوي الإعاقة من خلال تعريفهم عن قرب على هؤلاء الأشخاص، وعلى احتياجاتهم الحقيقية كما يعبرون عنها هم أنفسهم.
 
لنا الآن أن نسأل: هل تتحقق هذه المطالب بفعالية أكثر ضمن شكل البرامج المتخصصة بشؤون الأشخاص ذوي الإعاقة أو ضمن البرامج المختلفة غير المتخصصة؟
 
إن للبرامج التلفزيونية المختلفة طريقتان سائدتان في تناول القضايا العامة التي تهم المجتمع ومن ضمنها قضايا الأشخاص ذوي الإعاقة، وهما:
أولا: إفراد صفحة لقضية ما (حلقة من مسلسل تلفزيوني، أو فقرة مستقلة من ندوة، أو إفراد مساحة لضيف خاص في برنامج حواري،.. إلخ)
ثانيا: دمج هذه القضايا ضمن خطة البرنامج العامة لتصبح جزءا لا يتجزأ منه.
 
تكاد تكون الطريقة الأولى أقرب شكلا ومضمونا إلى طريقة البرامج المتخصصة، إلا أنها تختلف عنها كونها برامج تحصل على نسبة مشاهدة أكبر، لتوفر عناصر النجاح فيها، كتوقيت العرض وجودة الإنتاج والشكل المشوق والرشيق، لذا فإنها تناقش أي قضايا تفرد لها إحدى صفحاتها ضمن شروطها هي. وبعد أن أقنعت المشاهدين بجودة هذه الشروط.
بينما تكون الطريقة الثانية هي الأكثر قدرة على التأثير في المشاهدين كونها أكثر الطرق غير مباشرة، وبالتالي أكثرها فعالية..
وهي تحقق ما لم تحققه البرامج المباشرة..
أفضل هنا أن أتطرق إلى بعض الأمثلة، ففي برنامج " شاعر المليون " من الملفت للنظر أنه مترجم للغة الإشارة، أي أنه بطريقة غير مباشرة يوحي للآخرين الذين يجهلون رغبات وإمكانات الشخص المصاب بإعاقة سمعية بأنه شخص يهتم بالشعر ويتذوقه على طريقته الخاصة، في ذات الوقت الذي يخلق فيه تفاعلا إيجابيا بين الأشخاص ذوي الإعاقة السمعية وقضايا غيرهم المعبر عنها بلغة الشعر.
مثال آخر، عندما يجد الجمهور مقدم برامج مقعدا يقدم برنامجا عاما كالبرنامج الترفيهي في تلفزيون دولة الكويت أو مقدم برامج كفيفا يقدم برنامجا ثقافيا كالبرنامج الموجود على الفضائية السورية، تصحح لديه تلقائيا الصورة النمطية للشخص ذي الإعاقة، فهو يراه مشاركاً بشكل طبيعي وتلقائي في قضية عامة تهم الجميع من أشخاص يعانون أو لا يعانون من إعاقات.
كذلك عندما نجد شخصاً لديه إعاقة ما على مائدة مستديرة في برنامج حواري يعالج قضية عامة، سياسية مثلا أو دينية، فإننا نصل مباشرة إلى ما تطالب به عشرات الحلقات من البرامج المتخصصة عند كلامها عن الدمج الاجتماعي للأشخاص ذوي الإعاقة في المجتمع.
 
يبدو جليا هنا أن خدمة قضايا الأشخاص ذوي الإعاقة إعلاميا، يكون بشكل أساسي من خلال زيادة تواجد وظهور الأشخاص ذوي الإعاقة في البرامج العامة للتلفزيون بعفوية، مما يحقق العديد من الأهداف المرجوة من الإعلام في هذا الشأن بأقصر السبل وأنجعها..
 
ولكن هذا لا يعني عدم حاجتنا إلى البرامج المتخصصة بشؤون الأشخاص ذوي الإعاقة بنوعيها، وإنما يدلنا على الطريق السديد الذي ينبغي لهذه البرامج أن تسلكه لتحقق الفائدة المرجوة منها، فعلى صعيد الشكل، لا بد من تغيير الشكل الجامد لهذه البرامج، فقد يكون من المعقول جدا دمجها ببرامج تقدم خدمات إجتماعية لفئات أوسع من المجتمع.. لتضمن نسبة مشاهدة أكبر..
كما يكون من المعقول جدا محاولة الحصول على بعض عناصر الجذب الإعلامي المشروعة بدون المساس بجدية الطرح الاجتماعي الفكري لهذه البرامج كالاستعانة بنجوم الدراما التلفزيونية أو نجوم الغناء المحبوبين أو الفنانين والمشاهير بشكل عام إما كمقدمين لهذه البرامج أو كضيوف فيها أو حتى كمشاركين في حملات اجتماعية معينة تتم برعاية هذه البرامج وتحت تغطيتها الإعلامية.
نستطيع بمثل هذين المقترحين وغيرهما الحصول على تمويل ملائم لهذه البرامج ودفع المحطات التلفزيونية المنتجة إلى زيادة الاهتمام بها، مما يحسن جودتها.. ويؤدي إلى زيادة نسبة مشاهديها، لنصل إلى دائرة مفرغة جديدة، وإنما إيجابية، فزيادة نسبة المشاهدين يؤدي إلى تعديل نظرتهم السلبية نحو الأشخاص ذوي الإعاقة وبالتالي إلى زيادة تواجد هؤلاء الأشخاص في البرامج التلفزيونية المختلفة مما يلفت نظر المشاهدين إلى البرامج المتخصصة التي تهتم بقضاياهم.. وهكذا..
 
ليس تفاؤلا أكثر من اللازم..
إنه حلم..
وهو حلم لازم.
 
مع تقديري للوقت الذي منحتوه لي..فشكرا ً

ورقة عمل مقدمة إلى ملتقى المنال 2008، التلفزيون والإعاقة،  في قاعة المؤتمرات بالمجلس الاعلى لشؤون الاسرة في الشارقة، 5/2008)


جافيا علي، رئيسة المنتدى الثقافي لذوي الاحتياجات الخاصة،(البرامج المتخصصة بقضايا الأشخاص ذوي الإعاقة: واقعها ومدى جدواها)

عن ملتقى العرب، (5/2008)

0
0
0
s2smodern