قضايا المعوقين

المتتبع للحركة الفنية يستطيع أن يطلق علي تسعينيات جائزة الأوسكار العالمية اسم حقبة ذوي الاحتياجات الخاصة ، فلم تعرف الجائزة الفنية العريقة في تاريخها سنوات أكثر تقديرا وحفاوة بدراما المعاقين وهذه الفترة التي حصدت فيها ثلاثة أفلام تناولت حياة المعاقين عددا هائلا من جوائز الأوسكار.
ولان البداية سينما فقد فتح الباب بهذه الجوائز أمام الفنانين في كل مكان من العالم للتعاطي مع قضايا ذو الاحتياجات الخاصة ولفتت الأنظار إلى جماهيرية هذه الدراما الإنسانية وقدرتها علي اختراق عقول وقلوب النقاد والجماهير علي حد سواء نقلا من السينما إلى الشاشة الصغيرة والأعمال الدرامية جميعا.

ملتقى الإعلامبداية ظهور
إن بداية ظهور المعاق في الدراما التليفزيونية بدأت بعهود الدراما حيث كانت الصورة الأكثر رواجا للمعاق هي صورة "عبيط القرية" حيث تناولت العديد من المسلسلات شخصية المعاق ذهنيا بشكل نمطي ومتكرر في أكثر من عمل درامي أظهرت جميعها المعاق ذهنيا بصورة الابلة رث الثياب الهائم علي وجهه في طرقات القرية معتمدا في قوته وملبسه علي عطف وإحسان أهل الخير..
وقد بالغ صناع الدراما في استخدام هذه الشخصية لإضفاء جو من المرح علي الأحداث من جهة أو لتضمين عباراته بعض الأمور الغيبية التي يكشف سير الدراما بعد ذلك صدقها.
الصورة التالية في الشيوع كانت لفاقد الذاكرة.. وهي تيمه درامية استغلها صناع الدراما للتنقل بين عوالم مختلفة واللافت للنظر إن كل النماذج التي استعرضتها الدراما فقدت ذاكرتها بحادثة قدري وعاد لها بحادثة قدرية أخرى دوع علاج.. بصورة توحي إن الهدف الأساسي من اللجوء لهذه "التيمة" هو التنقل بين أجواء مختلفة بصورة تبدو منطقية وليس الإعاقة نفسها.
النموذج الثالث الذي تناولت الدراما هو الكفيف وغالبا ما تخفي عليه الدراما لمسة عميقة من البصيرة وهذه الشخصية بالتحدد لم تستغل إلا بشكل كوميدي فقط
لم تتطرق الدراما المصرية بشكل واضح لأصحاب الإعاقات السدية واقتصر ظهورهم في شخصيات أطفال معاقين بهدف استدرار العطف.
يمكن اعتبار مسلسل سارة استثناءا دراميا مصريا حيث يعتبر المسلسل الوحيد الذي انحصرت أحداثه في تناول حال’ معاقة ذهنيا وتعرضت الأحداث لعلاجها ومعاناتها وحقوقها القانونية 0
ومن هذا الاستعراض السريع لأهم وأكثر نماذج المعاقين في الدراما المصرية يمكننا الوصول إلى بعض ما اتسمت به معالجة الدراما لشخص المعاق.
لم تتناول الدراما شخصية المعاق بشكل عميق.. لكنه كان تناولا سطحيا لا ينفذ لأعماق الشخصية كي يتعرف علي مشاكلها وأوجاعها وعلاقاتها بالمجتمع بقدر ما كان تعامل مع إطارها الخارجي كمكمل درامي غير أساسي.
وكثرت الدراما علي أصحاب الإعاقة الذهنية والنفسية وتجاهلت إلى حد بعيد أصحاب الإعاقة البدنية رغم كثرة وجودهم في المجتمع.
الهدف الدرامي من وراء استخدام شخص المعاق دراميا انحصر في الفكاهة والترفية أو استدرار العطف والشفقة.
رغم إن عدد لمعاقين في مصر يتراوح ما بين 2 ، 6 مليون معاق إلا إن عدد الأعمال التي قدمت شخصية المعاق علي الشاشة الصغيرة ضئيلة جدا مقارنة بهذا العدد الضخم.
الأعمال التي تناولت شخصية المعاق أظهرته بصورة الضعيف الذي يعتمد علي الغير في إعالته.
ومن هنا يتضح إن الدراما المصرية لم تتناول شخص المعاق بالجدية اللازمة.. بل علي العكس تماما قدمتها بسطحية واستخفاف تصيب المشاهد لهذا النوع من الدراما من المعاقين بالإحباط وتؤثر في حالته النفسية والمعنوية بشكل سلبي يبتعد عن شعارات الإرادة وتحدي الإعاقة ".

المعاق والفضائيات
بظهور لفضائيات وانتشارها وما واكبه من زيادة ساعات البث التليفزيوني كثرت الدراسات علي الجان التأثيري للصورة علي المشاهدين حيث برعت الفضائيات الوليدة بمرور الأيام في تلوين الأحداث وزخرفتها لتبدو في صورة تتفق ورأي كل قناة فضائية.
وقد توزعت صورة المعاق في الفضائيات علي عدة محاور هي الأفلام والمسلسلات الدرامية – البرامج الوثائقية – الموسيقي والأغاني والإعلانات.
وفي دراسة قام بها معهد الدراسات المعلوماتية عن صورة المعاقين في الإعلام الغربي أظهرتهم علي النحو التالي :
أشخاص خطرون وأشرار – عدائيون غاضبون – لوحات خلفية تكميلية في الأحداث – منحرفون شاذون – عاجزون وغير مهرة – مهرجون ومضحكون – سيئون حتى مع أنفسهم – عالة علي الآخر.
أما السينما العربية فقد تناولت الموضوع مبكرا ففي عام 1944 قدم توجي مزراحي فيلم "ليلي في الظلام" عن فتاة كفيفة تم توالت الأفلام والمتابع لهذه الأفلام يلاحظ أنها ركزت علي تقليد الغرب بشكل مشوه وان كانت بعض الأفلام قد حاولت التصدي لهذا التيار وتقديم صورة ايجابية للمعاق.
وبعيدا عن السينما تنامت أهمية الفضائيات في رسم صورة ذهنية لدي الجماهير حتى إن جيري ماندر قال " الفضائيات تعد اليوم واحدة من أهم مصادر الصورة فإذا كان الناس يتعرضون للتليفزيون بنسبة 4 ساعات يوميا يصبح ما يحمله الناس في أفكارهم مصدره الرئيسي هي الفضائيات .

فغالبا ما تظهر صورة المعاق ولو بشكل خاطف في البرامج بصورة تثير التساؤلات فغالبا ما تستخدم مفردات في البرامج الدرامية والحوارية تسيء للمعاق وتصفه بالسلبية مثل ألفاظ "العجزة ، العميان الأطرش ، الافرس ، العالة " وغيرها من المفردات التي تستخدم العاهة الطبيعية بشتم الآخرون الالتفات لآلاف المعاقين الذين يشاهدون أو يتابعون هذه البرامج.
كما تعمد معظم المحطات التليفزيونية إلى تقديم المعاقين الذين تلتقيهم في مناسبات مختلفة بصورة هامشية مما يرسخ في الأذهان وبطريقة غير مباشرة الفارق الثقافي والاجتماعي بينهم وبين الآخرين ، وحتى في حالة التناول التي يقصد بها نوع من التعاطف الإنساني معهم نشعر بنوع من التعمد لاستدرار العطف أكثر من إبراز الصورة الإنسانية الحقيقية ، وعموما فالفضائيات كانت اقرب شبها للسينما.

وفي الأغنية
وإذا انتقلنا للاغاني فقد أخذت صورة المعاق وقدمتها كجزء من حكاية تعتمد الشك والريبة مثل أغنية "لا تكذبي" لنجاة الصغيرة أو كفقرة كوميدية مستغلة الإعاقة الجسدية مثل كليب ساموزين "قربي ليا" وأغنية "وين أنت" لحبيب علي من هذا يتضح التالي :
قدمت السينما أنواع مختلفة من المعالجات تراوحت بين التشويه الذي تلمسه من مواقع التصوير والأزياء والديكورات وتحاول الإساءة للقيم الإنسانية التي يملكونها أو صورة المعاق المكافح الذي يحاول أن يجتهد لتقديم أفضل ما يمكن دون النظر إلى إعاقته كحائل دون طموحاته.
الفضائيات تناولت المعاقين بصورة هامشية ولم تعطيهم حقهم من الاهتمام.
محاولة استغلال صورة المعاق بصورة كوميدية في الأغاني والموسيقي وتضمينها العديد من المعاني التي تسيء للمعاق وترسخ بعض الصور النمطية عنه.
والشيء الوحيد الذي يحسب للفضائيات إن بعضها أفردت زاوية لتقديم الأخبار بطريقة الإشارة للمعاقين الصم والبكم.

تجربة حية
وقد قامت مجلة شاشتي باعتبارها المجلة الأولى في مصر المهتمة بقضايا الفن والثقافة بتنظيم مجموعة من الندوات حول المسلسلات الأكثر انتشارا ونأخذ منها هنا مسلسل "سارة" وخلاله فؤجئنا بالكثير من أهالي المعاقين وصلوا لقاعة الندوة ولديهم تساوؤلات كثيرة وحدثت مداخلات عديدة من أطباء – كان من أبرزها رأي لدكتور أستاذ طب بالقصر العيني والذي أفاد بان شكل المعاق مغاير تماما لما يظهر به علي الشاشة واستدل علي إن المرض النفسي له مظاهر شكلية نستغني عنها إذا أرادنا تجميل الصورة فحين يفقد إنسان الذاكرة فهذا يستتبعه سقوط الشعر ومشاكل في البشرة وطريقة لنطق الألفاظ وكلها أمور لا تناقش علي الشاشة بل يبدو البطل مع المرض وسيما تقع في غرامه البطلة أو العكس صحيح. ورد أبطال المسلسل بأنه عرض علي الأطباء قبل تناوله وعرضه والحقيقة إن قضايا الإعاقة بحاجة للكثير بدليل التجاوب الكبير الذي حدث مع الجمهور خلال ندوة سارة.
لذلك إن كان من مطلب فهو ضرورة الأكثر من البرمج التي تقدم توعية خاصة لأهالي المعاق وله نفسه متى استوعب الأمر وان كان ذلك سيثقل علي الشخص السليم فلتكن هناك قنوات متخصصة ومجلات وصفحات وأبواب خاصة بالمعاق ذاته وذويه.

نقاط ورقة العمل
تتبع تاريخي للحركة الفنية والإعاقة.
المعاق والفضائيات.
الإعاقة في الأغاني المصورة.
تجربة حية مع أبطال سارة ومشاهديها والأطباء.
نتائج مستخلصة.

ورقة عمل مقدمة إلى ملتقى المنال 2008، التلفزيون والإعاقة، في قاعة المؤتمرات بالمجلس الاعلى لشؤون الاسرة في الشارقة، 5/2008)


مني نشأت، رئيسة تحرير شاشتي، نائب رئيس تحرير الجمهورية، أستاذ الصحافة - جامعة عين شمس، (الإعاقة والشاشة الصغيرة)

عن ملتقى العرب، (5/2008)

0
0
0
s2smodern