قضايا المعوقين

تتجه الإعاقة لتكون إحدى أهم وابرز المشكلات أو الهواجس التي تواجه الدول والمجتمعات مع بداية الألفية الثالثة.ومع تعاظم هذه الهواجس والمشكلات وتعمقها يسود الاعتقاد بأن قيمة نمو وتطور مجتمع ما تقاس وفقا لما يلقاه المعاقون، على تباين درجة إعاقتهم، من رعاية واهتمام.
وفي هذا السياق شهدت سوريا خلال السنوات الأخيرة حركة نشطة قادتها منظمات أهلية، وجهات رسمية فيما يتعلق بقضية الإعاقة والمعاقين السوريين.
وطرحت هذه الحركة، على تعدد واختلاف مساراتها، خليط من التساؤلات حول الواقع الحقيقي للمعاق السوري في إطار تلازم عمليتي التنظير للمسألة واستشراف آفاق حلها.
كما وطرحت الحركة ، في أحسن الأحوال،البحث في سبل الخروج من نفق المعاناة المظلم حيث تتكدس العوائق أمام المعاق في ظل ظروف اجتماعية،وثقافات موروثة،فضلا عن أوضاع اقتصادية،وبنية قانونية،تشكل بمجموعها اكبر إعاقة أمام النهوض بواقع الإعاقة والمعاقين في سوريا .

مفهوم الإعاقة
الإعاقة والمعاق.. أزمة مصطلح ؟!

من الخطأ الخلط بين مدلولي الإعاقة والعجز.
لا يزال مصطلح  الإعاقة  موضع مفاوضات ومناقشات على المستوى الدولي. فالبعض يميل إلى اعتبار الإنسان المعاق شخص يعاني، لأسباب وراثية- خلقية أو لأسباب بيئية مكتسبة، من قصور جسدي أو عقلي أو حسي يمنعه من تعلم و أداء نشاط ما على درجة كافية من المهارة والنجاح مقارنة بالإنسان العادي. فالإعاقة قد تكون جسدية أو عقلية أو حسية.
إلا انه ثمة نوعا من الاتفاق، تعتمده منظمة الصحة العالمية ، على أن الإعاقة قد تستخدم أحيانا لإبراز كل ما يعيق الإنسان عن أداء مهمة أو وظيفة معينة.
وفي هذا الإطار تحديدا تشمل  الإعاقة  حالات قد تكون غير جلية على الإنسان، أو قد لا تأخذ بها بعض البلدان في تصنيفها لدرجات وأنواع الإعاقة.
هذا ومن الخطأ خلط الإعاقة بالعجز.فالإنسان العادي قد يعجز عن انجاز ما يستطيع المعاق انجازه.

أسباب الإعاقة
وجهات نظر متباينة
الإعاقة بين البلدان المتأخرة والمتقدمة
بطبيعة الحال الاجتماعي-الثقافي تخيم النظرة القائلة بأن الإعاقة مقدرة على المعاق. وبالتالي عليه التكيف والانسجام في الوسط الاجتماعي القائم.
إلا أن فريقا آخر يعتبر الإعاقة نتيجة لسلوك إنساني خاطئ قد يكون خارج إرادة المعاق أحيانا ،وفي أحايين كثيرة قد يكون المعاق نفسه سبيلا إليها.
ومهما اختلفت الرؤى والاتجاهات في تفسير أسباب الإعاقة فانه يمكن التأكيد ،بحسب المنظمات الدولية والخبراء، على أن  البلدان المتأخرة اجتماعيا واقتصاديا وثقافيا وصحيا تنمو فيها وتزداد نسبة الإعاقة مقارنة بالبلدان المتقدمة.

المعاقين في سوريا 10%
يقول نبيل عيد رئيس مركز دراسات وأبحاث المعوقين تعود النسبة العالية للإعاقة في سوريا إلى عوامل كثيرة. أحياناً خارج إرادة الإنسان وأحيانا أخر يكون الإنسان نفسه سبيلاً لها.
ووفقا لمنظمة الصحة العالمية فان نسبة المعاقين في سوريا تبلغ 10% من تعداد السكان.ورغم ذلك لا يمكن أن تلحظهم بكثرة في الشوارع والأماكن العامة.فأين يتواجد هؤلاء،ولماذا هم غائبون أو مغيبون؟.

المعاق السوري... إثبات أم إنكار لوجوده.؟؟
من مفارقات الحياة أنه ،أحيانا ،لا تتموضع المشكلة في الإنسان المعاق نفسه، بل في نظرة ذوي القربى والمجتمع إليه. وهي نظرة جوهرها الشفقة والتحنان، وأحيانا الإحسان .بل وربما يصل الأمر إلى حد عدم الاعتراف بوجود معاق داخل الأسرة.
ويؤكد نبيل عيد  لمداد  على أن كثيرا من الأهالي لا يصرح بوجود إعاقة في المنزل بفعل اعتبارات اجتماعية.
وتؤكد الكاتبة ردينة ناصيف ، وهي سيدة معاقة ، على غياب الاعتراف بحالة الإعاقة ضمن الأسرة. فتقول لمداد إن البعض يذهب في جهله إلى حد نكران الإعاقة فلا يدع أحدا يعرف أن لديهم معاقا..

بيئة مناسبة لتزايد المعاقين
وتقول ردينة حيدر عضو فريق  مرصد نساء سوريا  ورئيسة قسم المعاقين في المرصد ، تقول في هذا الصدد  إن نظرة المجتمع السلبية للمعوقين التي تتمثل بالشفقة والمرتبطة بشكل أو بآخر بالعادات والتقاليد تدفع بالأهل إلى إخفاء المعوقين والخجل اجتماعيا من وجودهم، واعتبارهم عبئا ثقيلا عليهم.
وفي المجتمع السوري، كأي مجتمع عربي،  تلعب العادات والتقاليد الموروثة دورا بارزا في تهشيم أي أمل للمعاق في الخروج إلى نور الحياة والاتصال بالمجتمع.
وتؤكد ردينة حيدر  لمداد  على مسألة العادات والتقاليد الموروثة فتقول  بعض هذه العادات كزواج الأقارب على سبيل المثال أدى إلى زيادة أعداد المعوقين بشكل لافت، الأمر الذي لم يترافق بتوعية المجتمعات المحلية في الأرياف بشكل خاص.

مكبل بقيد الجهل والأمية
وتشير الكاتبة ناصيف إلى وطأة الجهل والأمية في المجتمع السوري وتأثيره على واقع المعاق فتقول لمداد  لم يكن الواقع الذي نعيشه الآن يوما مشكلة من صنعنا !! نحن نرزح تحت وطأة مفاهيم الجهل والأمية وسيطرة من تتواءم هذه المفاهيم مع مصالحه..
فالمعاق الذكر قد يفقد حق الانتماء للأسرة ، رغم انه يعيش بداخلها.ويمكن أن يكون الأمر أكثر فظاعة عندما تكون الحالة أنثى معاقة ومؤشرا على مرض وراثي، الأمر الذي يقضي ببقائها محاصرة بجدران البيت إلى ما شاء الله.
وتقول الكاتبة ناصيف في هذا السياق  إن البعض يذهب في جهله إلى حد نكران الإعاقة فلا يدع أحدا يعرف أن لديهم معاقا لان ذلك يعني من الناحية الاجتماعية أن هنالك عيبا وراثيا في احد الوالدين مما يبعد فكرة زواج باقي الأخوة.ولان الرجل يصاب بطعنة في رجولته إن أنجب معاقا ، والأم في هذه الحالة لا تملك القرار وان ملكته لا تعرف ما هو الصواب ..
إن رفض الاعتراف بالإعاقة يلقي بظلال سوداء على عمل المنظمات الأهلية والجهات الرسمية ذات الشأن.
حيث تتبعثر جهود الرعاية والتأهيل، وتفقد الإحصاءات دقتها ومصداقيتها.بل ويمكن أن يصل الأمر إلى التشكيك بنوايا المنظمات الأهلية والجهود الرسمية في رعاية المعاقين على مختلف درجاتهم وتصنيفاتهم، بل واتهامها بالإعاقة أيضا.
وبالتالي إن مقولة  الأسرة نواة المجتمع  تشق طريقها بسهولة وامتياز، سلبا أو إيجابا، في حالة الإعاقة والمعاقين في سوريا.

مشاكل نفسية منبعها الأسرة
وترجع الكاتبة ناصيف معظم المشاكل النفسية التي يعانيها المعاق إلى الأسرة فتقول  إذا ما أردنا البقاء على ارض الواقع المعاش فان معظم المشاكل النفسية التي يعانيها اغلب المعاقين مصدرها الأسرة ومن حولها وذلك لعدم امتلاكهم معرفة وخبرة تؤهلهم للتعامل مع هذا الأمر الذي لم يتوقعوه ولا يدركون سببه..
وتؤكد ناصيف على أن دور الأسرة نحو معاقها يتجلى ، بالدرجة الأولى ،عندما تقتنع أن الإعاقة ليست كارثة بل حالة مرضية فتقول  للأسرة الدور الأول والأخير عبر تعاملها مع ابنها المعاق فإما أن تطلقه للحياة أو تدفنه ودور الأسرة يتجلى عندما تقتنع هي أولا أن الإعاقة ليست كارثة بل حالة مرضية ينبغي معالجتها وتتعامل مع الإعاقة على هذا الأساس..

هل يتحول المعاق السوري إلى كائن مرئي؟
من هنا يأتي دور الأسرة المحوري في حماية معاقها عبر الاقتراب من داخله ومكنوناته وتحصينها.ولا يتم ذلك إلا بتعاون يبدأ من الأسرة وينتهي لدى المنظمات الأهلية والجهات الحكومية ذات الصلة.
وتقول ردينة حيدر  إن قضية الإعاقة تحتاج لتضافر جهود المنظمات الدولية والمجتمع المدني والمؤسسات الحكومية.
وجوهر هذا التعاون الثلاثي إرشادات تربوية وحقوقية تقضي على شعور النقص والدونية  لدى المعاق بما يدفعه ليكون عنصرا فاعلا ومنفعلا في وسطه الاجتماعي.
وعندها فقط يمكن للمعاق أن يخرج من قفص التهميش الاجتماعي والإنساني ويتحول إلى كائن مرئي.

ثلاثية من الظلم والإغفال والإهمال
يجمع ناشطون في العمل الخيري والحقوقي على أن النهوض بواقع المعاقين في سوريا لا يمكن أن يتحقق إلا وفق إستراتيجية وطنية تشاركية تجمع جهود منظمات المجتمع الأهلي والجهات الرسمية .
وعلى خلاف السنوات التي سبقت، شهدت سوريا مع بداية الألفية الثالثة،رغم الفجوات القانونية والانتقادات الواسعة النطاق،حركة نشطة باتجاه دراسة ظاهرة الإعاقة بمختلف جوانبها، إن كان من حيث منح التراخيص لجمعيات ومنظمات تعنى بالإعاقة ، أو من حيث إعطاء المعاقين شيئا من الاهتمام على مستوى الإعلام الرسمي ، على محدوديته ، أو القانوني.
لكن إحصاءات منظمة الصحة العالمية حول عدد المعاقين في سوريا تفصح إلى حدود بعيدة حجم مشكلة المعاقين في سوريا.
وان كانت رجاء حيدر ، مسؤولة قسم الإعلام في مركز دراسات وأبحاث المعوقين ، تقول  لا يمكن أن نعطي أي شيء مسمى أو نؤطر أي كائن إن لم نعطي تفاصيل تدل عليه،فانه لا تتوافر في سوريا إحصاءات دقيقة حول عدد المعاقين لأسباب تتعلق بتقصير حكومي وأسري.
وهذا ما يؤكد عليه نبيل عيد عندما يقول  الإحصاءات حول عدد المعاقين في سوريا غير دقيقة ومرد ذلك إلى سببين، أولهما عدم الجدية في البحث الدقيق واستقصاء حالات الإعاقة في سوريا، وثانيهما عدم تصريح الأهل بوجود الإعاقة في المنزل لكثير من الاعتبارات الاجتماعية  .
وتحمل الكاتبة ناصيف مسؤولية غياب الإحصاءات الدقيقة لعدد المعاقين في سوريا إلى وزارة الشؤون   الاجتماعية والعمل .وتصف إحصائية منظمة الصحة العالمية بالقاسية.
لكنها بالمقابل تعلق على نسبة 90% الباقية فتقول   لقد فاجأتني هذه النسبة.لا اقصد 10% رغم  قسوتها،بل نسبة 90% المدهشة على الأصعدة كافة .فهي تعكس مدى الجهل والتخلف الذي تنعم به، وعجزها عن القيام بأي أمر سوى دفن رأسها في التراب ، وترك ما تبقى من جسدها عرضة للأقدار ..
ولكن أليس من عوامل ودوافع أخرى وراء غياب الإحصاءات الدقيقة في ظل مشكلة بهذا الحجم، ونسبة معاقين وصفت بالمخيفة؟.
ترى ردينة حيدر أن الحكومة السورية عمدت إلى وضع تصنيف وطني خاص بعدد المعاقين لعدم رغبتها ،على حد قول حيدر ،بالاعتراف بأعداد كبيرة من المعاقين في إطار سياستها الدائمة في إخفاء حجم المشاكل الاجتماعية في المجتمع السوري .
وبالإضافة إلى التصنيف الوطني الخاص ، تعتقد ردينة حيدر أن تقصير وإهمال الحكومة ، وغياب المؤسسات المؤهلة لعبت دورا مهما في عدم وضوح الرؤيا لعدد المعاقين في سوريا فتقول  هنالك الجانب المتعلق في التقصير والإهمال، والتخفيف من مسئوليتها تجاه هذه الفئة، وعدم قدرتها (كمؤسسات غير مؤهلة) على مواجهة هذه المشكلة.

خطة وطنية لرعاية وتأهيل المعاقين
رغم أن الحكومات السورية المتعاقبة، ممثلة بوزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، أصدرت خلال عقود ثلاثة تشريعات وقوانين وتعليمات خاصة للنهوض بواقع الإعاقة والمعاقين، إلا أن واقع المعاقين في سوريا بوجه عام ما زال يعاني الإعاقة في اتجاهات مختلفة.
ولأن النهوض بواقع المعاقين لن يكتب له النجاح إلا باستراتيجية تشاركية تستند أركانها على تعاون جدي وبناء بين منظمات المجتمع الأهلي والجهات الرسمية، فقد بادرت، مؤخرا ، وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل السورية وبالتعاون مع عدد من الجمعيات الأهلية ، التي تعنى بالإعاقة ، إلى إقرار مشروع خطة وطنية لرعاية وتأهيل المعاقين.
وتتضمن الخطة الوطنية، التي قدمت أساسا من قبل المنظمة السورية للمعوقينآمال، إصدار تقرير عن واقع الإعاقة والمعاقين في سورية. والمسح البحثي وجمع وتحليل البيانات ومشاركة المعلومات. وبناء القدرات في مجال الكشف المبكر عن الإعاقة والمعالجة والتأهيل. والكشف المبكر عن الإعاقات. ومواءمة المجتمع. وزيادة الوعي المجتمعي حيال أهمية المعوقين وتأهيلهم. وزيادة عدد وفعالية معاهد التأهيل. والتأهيل المبنى على المجتمع المحلي. وتعزيز وتطوير وإنتاج وتقديم التقنيات والمعوضات والبدائل الخاصة بالمعوقين.

هل ستبصر النور ؟ 
ولكن ما الذي يؤكد أن الخطة ستبصر النور،أو أنها ستبقى حبيسة الأدراج الرسمية مثلها كمثل عشرات القوانين والتشريعات التي لم ترى طريقها إلى التطبيق الفعلي ؟
يؤكد نبيل عيد  لمداد  على أن الخطة ستتحول إلى واقع ملموس فهي ، على حد تعبير عيد ، لم تعد مقترنة بوزارة الشؤون الاجتماعية والعمل.
و يضيف عيد هنالك متابعة من قبل وزارتي الصحة والتربية، فضلا عن الجمعيات الأهلية الفعالة التي ستتابع مجتمعة البنود والتوصيات التي جاءت بها الخطة الوطنية.
وتؤكد ردينة حيدر على انه من الإجحاف الحكم على الخطة الوطنية بالفشل المسبق.

غير قابلة للحياة
إلا أن أبرز ما أتت به الخطة الوطنية، بحسب ذوي المتابعة والاختصاص ، العمل على إصدار تقرير عن واقع الإعاقة والمعاقين في سوريا.
وان كان غياب لغة الأرقام والإحصاءات حول عدد المعاقين في سوريا سيجعل ، بحسب مختصين ، من أي   خطة أو إستراتيجية وطنية لتأهيل المعاقين وإشراكهم مجتمعيا خطة غير قابلة للحياة، فان ردينة حيدر تؤكد على أن  دراسة حجم الظاهرة وتقديم معلومات أولية عنها، هو أمر في غاية الأهمية،معربة عن اعتقادها أن الخطة سيصار إلى تطبيقها كونها تعتمد محورا خاصا يتضمن بيانات وأرقاما. 
ويشير نبيل عيد في سؤال حول ما إذا كان بالإمكان مستقبلا من إصدار تقرير يمثل حقيقة واقع الإعاقة والمعوقين في سوريا؟. يشير إلى انه، خلال المؤتمر الأخير حول إقرار مشروع الخطة الوطنية،  تم وضع البنود الأساسية والمقترحات والتوصيات قيد التنفيذ والمباشرة والعمل عليها بشكل جدي.
أن يكون الإنسان معاقا لا يعني، بأي حال من الأحوال، أن يقام عليه الحد الاجتماعي.بل يعني أن يوضع على المسار الصحيح.فالمعاق أولا وأخيرا ينتمي إلى عالم الأنس بعقل يفكر، و قلب ينبض بالحياة، ليحكي قصة إنسان.

الإعاقة والمعاقين..إعادة التأهيل والدمج -المحور الثاني


امجد نيوف، سوريا، (المنظمات الخيرية السورية تقود حركة نشطة لقضايا الإعاقة والمعاقين )

عن المركز الدولي للأبحاث والدراسات، (28/4/2008)

0
0
0
s2smodern