قضايا المعوقين

لم تكن الإعاقة بمنأى عن النقاش العام الذي شهدته سوريا مع بداية الألفية الثالثة حول ملفات وقضايا اجتماعية كان التطرق إليها مشوبا بخطوط حمراء، مفروضة و/أو مفترضة، أهلية ورسمية.
ولم يكن بالإمكان تجاوز هذه الخطوط لولا تشكل رؤية عامة مفادها أن التغير والتغيير صفتان متلازمتان للحراك الاجتماعي العام .
إلا أن الحراك الاجتماعي، الأهلي والرسمي، اتخذ مسارات متعددة ومتنوعة أحيانا، ومتناقضة في أحايين كثيرة.
وإن كان التناقض في معالجة القضايا الاجتماعية دليل صحة في معظم الأحيان، إلا انه، في قضية الإعاقة والمعاق السوري، كان دليل صحة ومرض في الوقت ذاته.
فالحركة باتجاه المعاق السوري تعني الولوج بعيدا في معاناته وألمه ضمن ظروف قاسية يحكمها مخيال اجتماعي معبأ بثقافة موروثة معيقة ،وتعني أيضا الحديث عن بنية اقتصادية وقانونية وتربوية تشكل بمجموعها تحديا جديا أمام هذه الحركة .

المعاق السوري.. بين اعتقالين!!
توفر البيئة الاجتماعية تربة خصبة بامتياز لزراعة ونمو مفاهيم الشفقة والعطف وبعض الإحسان للمعاق السوري .إلا أنها توفر ، بالمقابل ، فرصا لجعل المعاق رهن الاعتقال الأسري والاجتماعي.
فالموروث الثقافي والعادات والتقاليد المتعفنة من جهة، وجرعات الأمية والجهل من جهة ثانية قد تدفع بأسرة المعاق إلى إبقائه حبيس الجدران بعيدا عن شمس الحياة، أو إلى إنكار وجود الإعاقة أصلا خوفا من العار الاجتماعي.
وفي هذا الحال ، المفتوح آخره على الدوام ، يلقي المشهد الكئيب للمعاق السوري ، رهن الاعتقالين ، بظلاله على واقعية وجدية العمل والجهود المبذولة باتجاه الإعاقة ، ويمكن أن يكون مصيرها التبعثر والانحلال.
فالأسرة والمجتمع كفيلان بدفن المعاق حيا أو إطلاقه إلى الحياة.وما بينهما من جهود أهلية ورسمية مترافقة بجهود توعوية وتربوية كفيلان أيضا بالتخفيف من عمق المأساة.

ضياع المعاق السوري وغيابه بين النسب والإحصاءات
في إطار التنظير لحل بعض قضايا المجتمع قدمت الحكومة السورية مؤخرا مرونة مفاجئة سبقت فيها بعض منظمات المجتمع الأهلي جدية وشفافية.!!
إلا انه يبدو من جهة ثانية أن الحكومة، ممثلة بالوزارات ذات الصلة، تعاني من عقدة الأرقام والإحصاءات.
 فمنظمة الصحة العالمية تعتقد أن 10% من عدد السكان في سوريا هم من المعاقين، إلا الحكومة لا تميل إلى الاعتراف بهذه النسبة بقدر ما تميل إلى إخفاء أو التخفيف من وطأة وحجم المشاكل الاجتماعية لنكون أمام تحد من استفسارات من قبيل : إن كان 10% من سكان سوريا معاقين، فماذا عن 90% من السكان الأصحاء؟.هل العشرة ضحية للتسعين؟.وهل التسعين تعترف بالعشرة وتحتضنها؟.أم أن العشرة ترى بالتسعين عبئا ثقيلا عليها ؟.أسئلة برسم منظمات المجتمع الأهلي السورية ووزارات الدولة ذات الصلة.لكن السؤال الأبرز كيف يمكن بناء علاقة صحيحة وصحية بين العشرة والتسعين ؟.

تأهيل وإدماج المعاق السوري..تنظير منقطع النظير
نالت عملية تأهيل وإدماج المعاقين في سوريا بنصيب وافر من التنظير والدراسات إلى حد تبعثرت فيه الأوراق والجهود ، وتحولت معها قضية المعاقين إلى ترف فكري مارسته بعض منظمات المجتمع الأهلي السورية، أو تحولت إلى رزمة من أهداف أهلية وتعليمات وقرارات رسمية بانتظار إطلاق سراحها من الإدراج بعد طول اعتقال .
وفرضت سوداوية الموقف تنادي المخلصين والمعنيين إلى ضرورة البت ، بصدقية وجدية ،بملف المعاقين وقضيتهم العادلة، وصولا إلى وضع ألف باء حل المسالة .

إدماج المعاق في وسطه الاجتماعي بدون تأهيل.. استثمارا دنيئا لعذاباته
يفرض واقع المعاق السوري بقوة تصحيح العلاقة القائمة بين أطراف عدة، أو بناء علاقات جديدة.بناء علاقات بين مجموع العشرة أنفسهم. وتصحيح العلاقة بين التسعين أنفسهم . وتصحيح العلاقة بين العشرة والتسعين.
ولا يمكن القيام ببناء أو تصحيح العلاقات هذه إلا من خلال عملية تأهيل متبادلة.تأهيل للمعاق حتى يتسنى إدماجه بنجاح في المجتمع أيا كان إطاره، وتأهيل للكوادر الأهلية والرسمية حتى يتسنى لها نقل المعاق، بصورة صحيحة، إلى وسط جديد وملائم.
بعد إتمام عمليتي البناء والتأهيل يمكن الحديث عن عملية إدماج المعاق في وسطه الاجتماعي والتربوي.لكن قبل إتمام ذلك فان مجرد التفكير بالإدماج يعد ،مهنيا وتربويا، ضربا من الجنون أو قفزا في المجهول، ويعد أخلاقيا ،ممارسة لنوع من النفاق والتدليس على المعاق وقضيته واستثمارا دنيئا لعذاباته .

دعوة الى التسلح بشروط المعركة الناجحة
لا نجانب الحقيقة إن قلنا أن سوريا، أهليا ورسميا، قطعت أشواطا، يعتد بها، في مجال تأهيل وإدماج المعاقين.
لكننا سنجانب الحقيقة ونبتعد عنها إن قلنا أن عمليتي التأهيل والإدماج سيكتب لها النجاح مستقبلا وفقا للشروط والظروف الحالية حيث غياب المدارس الرسمية المؤهلة بنيويا للأصحاء فكيف بالمعاقين.؟. وحيث غياب الكوادر غير المؤهلة والتي دفع بها إلى قلب المعركة دون تسليح وإدراك مسبق بأهمية المعركة ومواصفاتها الفنية والتعبوية، ودون إدراك مسبق بمنعكس نتائجها، سلبا أو إيجابا، على ساحة المعركة وعناصرها.
وسنجانب الحقيقة ونبتعد عنها إن قلنا أن عمليتي التأهيل والدمج سيكتب لهما النجاح مستقبلا بعيدا عن تكنولوجيا المعلومات وعالم التقنية الرقمية التعليمية حيث المحدودية في وفرتها ،وغياب الاستخدام الأمثل لطاقتها ، وحيث غياب الوعي والثقة بنتائجها .
وسنجانب الحقيقة ونبتعد عنها إن قلنا أن عمليتي التأهيل والدمج سيكتب لهما النجاح مستقبلا في ظل بنية قانونية تحد من حركة منظمات المجتمع الأهلي ، وتكبله بعشرات "اللاءات" القديمة والجديدة ، والقديمة المتجددة.
وسنجانب الحقيقة ونبتعد عنها إن قلنا أن عمليتي التأهيل والدمج سيكتب لهما النجاح مستقبلا في ظل إعلام ورقي ورقمي محكوم الجمل ومتشابه المفردات ، سطحي في التطرق للايجابيات والسلبيات على حد سواء.
وسنجانب الحقيقة ونبتعد عنها إن قلنا أن عمليتي التأهيل والدمج سيكتب لهما النجاح مستقبلا في ظل تكاثر منظمات المجتمع الأهلي التي تعنى بالإعاقة بمتواليات عددية وهندسية تشكل عبئا وتبعثرا للجهد والمال الخاص والعام.أو إذا اعتقدت إحدى هذه المنظمات أنها المثل الوحيد والشرعي لقضية المعاقين.!!
وسنجانب الحقيقة ونبتعد عنها كثيرا كثيرا إن قلنا أن عمليتي التأهيل والدمج سيكتب لهما النجاح مستقبلا إن اعتقدت الحكومة ، بوزاراتها ذات الصلة ،أن معالجة المشاكل الاجتماعية من شانها وحدها وأنها سابقة للمجتمع الأهلي، أو أن منظمات المجتمع الأهلي سابقة في عملها على عمل الحكومة.فمشاكل سوريا الاجتماعية وقضاياها لا يمكن أن تحل إلا بتشبيك وبتعاون القطبين على قاعدة الاعتراف بالآخر.

المعاق السوري..تحصيل للخدمات أم نيل للحقوق؟؟
ان كان المعاق قد سلب جزء من صفاته وتكويناته الآدمية، بفعل السماء والأرض أو كلتيهما، فلا يعني أن يكون مضطهدا بمعنى ما أو بكل المعاني، ولا يعني أن يكون مسلوب الحقوق.فالإعاقة ليست مبررا للحرمان من الحقوق.
لكن الحقوق كنص قانوني وضعي شيء ، والحقوق كتطبيق واقعي وفعلي شيء آخر.ولكن ، أيضا ،ما بين النص والتطبيق تكمن الشياطين !!.
ويمكن لسوريا ، في مجال إصدار القوانين والتشريعات ،أن تدخل موسوعة " غينيس " للأرقام القياسية .ويمكن لها ، أيضا ، أن تدخل الموسوعة ذاتها لجهة عدم تطبيق هذه القوانين والتشريعات رغم المحاولات الحثيثة التي تبذل لتغييب هذه الحالة.
وقضية الإعاقة والمعاقين لا تشذ عن هذا السياق.فقد صدرت عشرات القوانين والتعليمات الخاصة بقضية الإعاقة والمعاقين وأخرها القانون 34 لعام 2004 الذي وصف بأنه قانون للخدمات وليس قانونا للحقوق.
ولا نبتعد عن الحقيقة إن قلنا انه لو وجدت القوانين المصدرة، التي تعنى بالإعاقة، طريقها إلى التطبيق الفعلي لشكلت نقلة نوعية في واقع الإعاقة والمعاقين في سوريا.
ولا يختلف واقع المعاق السوري، من جهة القوانين الناظمة للعمل، عن واقع منظمات المجتمع الأهلي المعاقة بقانون يعود إلى حقبة الخمسينيات من القرن الماضي.
وهنالك مطالبات أهلية لتعديل هذا القانون ، وهنالك وعود رسمية.وما بين الطلب والوعد يحكم المعاق بقانون الانتظار.

المعاق السوري و العمل الأهلي...اتهامات متبادلة واستثمارات في القضية
إذا كانت الإعاقة محكومة بظروف اجتماعية واقتصادية وثقافية وقانونية صعبة ، فما هي الظروف التي تحكم منظمات المجتمع الأهلي التي تعنى بالإعاقة؟.
تكاد الظروف أن تكون واحدة ومتطابقة مع الإشارة إلى أن بعض هذه المنظمات نصب نفسه وصيا شرعيا على العمل في مجال الإعاقة.
ليس هذا فحسب بل يمكن أن يصل الأمر إلى توجيه الاتهامات المتبادلة ، من تحت الطاولة أو من فوقها ، بشخصنة العمل والاتجار به أو حتى الاستثمار في قضية المعاقين .
ليس هذا فحسب بل يمكن، أيضا، أن يصل الأمر إلى أن تطرد، وفقا للقاعدة النقدية، منظمة رديئة منظمة جيدة من "سوق العمل الأهلي" حيث تباع قضية المعاقين وتشترى.!!
ومهما ارتفع سهم المعاق في "بورصة العمل الأهلي" أو انخفض فان هذا الأمر يمثل حالات محدودة جدا ولا يصل إلى مستوى الظاهرة.
انطلاقا من ذلك فانه من المتوقع في المستقبل القريب التدقيق بعمل ونشاط بعض المنظمات التي تعنى بالإعاقة
على قاعدة الثواب والعقاب.ونتمنى أن تكون القاعدة عادلة.!!

أين الإعلام السوري من قضية المعاقين؟؟
في بلد، كسوريا، يقارب عدد سكانه العشرين مليونا فان الحديث عن شبكة إعلامية عامة أو متخصصة يعد شيئا من الهلوسة.لكن ليس من الهلوسة الحديث عن تطور ملموس وحراك إعلامي شهدته سوريا وتحديدا مع بداية الألفية الثالثة.لكن من الهلوسة، أيضا، الاعتقاد بأن هذا الانفتاح لا يمكن التحكم به حكوميا، أو أن جزءا منه يمكن التحكم به.
وما بين القدرة على التحكم والضبط من عدمه، يبقى الإعلام السوري محكوما بخطوط من ألوان قوس قزح، منها ما هو موسمي ومتغير، ومنها ما هو ثابت لا يلين.
وفي ظل هذا التدرج اللوني تطرح قضايا المعاقين إعلاميا بمواصفات هي قريبة من السطحية، وأحيانا النفاق والمجاملة، وأحايين آخر لا تطرح.لكن القاسم المشترك الأكبر في عملية طرح القضية هو ديمقراطية المبالغة في السلبيات والايجابيات على حد سواء.
وديمقراطية المبالغة هذه ليست حكرا على الإعلام المملوك للحكومة، بل يمتد إلى الإعلام الأكثر قربا أو الأكثر بعدا عن سياسة الحكومة.

أين منظمات المجتمع الأهلي من الإعلام؟؟
يمكن الحديث بصفة عامة عن فجوة اتصال ما بين منظمات المجتمع الأهلي والإعلام السوري.ويلقي كل من الطرفين بالمسؤولية على الجانب الآخر.
فبعض المنظمات تتهم الإعلام السوري بالموسمية والسطحية، وبعض من أجهزة الإعلام يتهم منظمات المجتمع الأهلي بالانغلاق على ذاتها إعلاميا.
لكن القاسم المشترك ما بين الاتهامين هو غياب الكوادر المتخصصة بقضايا العمل الخيري والنشاط الأهلي. ففي كل من "البعضين" بضع كوادر متخصصة ذات الكفاءة المطلوبة ..

للمعاق السوري قضية معقدة ذات أبعاد تتعلق بمبادئ العدالة والكرامة الإنسانية. والخوض فيها واستشراف آفاق حلها مهمة صعبة وليست مستحيلة .
فالعشرة والتسعين أبناء الله، وأبناء الحياة، وأبناء المجتمع الواحد.


أمجد نيوف، (المعاق السوري بين العشرة والتسعين!!)

عن المركز الدولي للأبحاث والدراسات، (3/2008)

0
0
0
s2smodern